لسنوات طويلة، كانت “فيفا”، أو “EA Sports FC” اللعبة التي تعود كل عام مهما اشتكى اللاعبون. قد يغضب الجمهور، وقد تمتلئ الإنترنت بالميمز والنقد، لكن الأرقام كانت دائماً تنقذ السلسلة في النهاية.

هذه المرة، يبدو أن شيئاً مختلفاً حدث.

فبحسب بيانات تداولها مجتمع الألعاب وتقارير متخصصة، سجلت “EA FC 26” تراجعاً ملحوظاً في عدد المشاهدين واللاعبين مقارنة بالإصدارات السابقة. ففي يناير 2026، بلغ متوسط مشاهدي اللعبة على “تويتش” نحو 26 ألف مشاهد فقط، مقارنة بـ51 ألفاً لـ”FC 24″ في الفترة نفسها من 2024، و38 ألفاً لـ«FC 25» في 2025.

حتى أرقام اللاعبين على الحاسب الشخصي أظهرت تراجعاً واضحاً مقارنة بالإصدارات السابقة، وهو ما اعتبره كثيرون أول إشارة جدية إلى تعب الجمهور من السلسلة.

تشابه سنوي

أحد أكبر أسباب الغضب المتكرر هو شعور اللاعبين بأن اللعبة لم تعد تتغير فعلاً.

فكل عام، تعد الشركة بواقعية أكبر وتحسينات ضخمة وثورة في أسلوب اللعب، لكن كثيراً من اللاعبين يشعرون أن التجربة الأساسية بقيت تدور في الحلقة نفسها؛ نفس الأخطاء الدفاعية، ونفس الأنماط المكسورة، ونفس الإحساس بأن المباراة قد تتحول فجأة إلى فوضى تهديفية بعيدة عن كرة القدم الحقيقية.

حتى بعض المراجعات الإيجابية وصفت اللعبة بأنها “تحسن تدريجي” أكثر من كونها قفزة حقيقية.

غضب اللعب

الانتقادات هذا العام ركزت خصوصاً على أسلوب اللعب نفسه.

لاعبون كثيرون اشتكوا من ضعف الدفاع وسهولة التسجيل من زوايا غير منطقية، إلى جانب ما يعرف بـ”الميتا” المتكرر، أي الأساليب التي تصبح مهيمنة داخل اللعبة وتجبر الجميع على اللعب بالطريقة نفسها تقريباً.

وهنا ظهر الانقسام القديم داخل مجتمع “فيفا”: هل يريد اللاعبون محاكاة واقعية لكرة القدم، أم لعبة سريعة ومليئة بالأهداف والمشاهد الحماسية؟

أزمة ألتيميت

لكن المشكلة الأعمق ربما لم تكن في أسلوب اللعب فقط، بل في نمط “Ultimate Team”  نفسه.

لسنوات، كان هذا النمط هو قلب اللعبة الاقتصادي، لكنه تحول أيضاً إلى مصدر الإرهاق الأكبر للاعبين، فكثيرون يشعرون أن اللعبة أصبحت أقرب إلى متجر للحزم المدفوعة منها إلى لعبة كرة قدم فعلية.

ورغم أن “EA” حاولت هذا العام تعديل بعض الأنظمة وتحسين المكافآت، بقيت الانتقادات المتعلقة بالشراء الداخلي والاعتماد المفرط على الحزم المدفوعة حاضرة بقوة.

جيل متعب

ربما المشكلة ليست في “فيفا” وحدها، بل في الجمهور أيضاً.

فاللاعب الذي كان يشتري اللعبة كل عام منذ طفولته كبر الآن، ومع الوقت أصبح أكثر وعياً بالتكرار، وأقل انبهاراً بالتحديثات الصغيرة.

حتى بعض صناع المحتوى الكبار داخل مجتمع اللعبة بدأوا يتحدثون علناً عن الإرهاق وفقدان الحماس، مشيرين إلى أن اللعبة لم تعد تمنح الشعور نفسه الذي كانت تمنحه قبل سنوات.

منافسة جديدة

وفي الخلفية، بدأت ألعاب منافسة مثل “eFootball” و”UFL” وحتى ألعاب كرة قدم مستقلة أصغر تستفيد من تعب الجمهور من هيمنة  “EA”

صحيح أن “فيفا 26” ما تزال تملك التراخيص والأندية والأسماء الكبرى، لكن الاحتكار العاطفي الذي كانت تملكه السلسلة بدأ يضعف ببطء.

فالناس لم يعودوا يشترون اللعبة تلقائياً كما في السابق، بل بدأوا يسألون لأول مرة بجدية: هل تستحق فعلاً نسخة جديدة كل عام؟

انقسام الهوية

المثير أنهم حاولوا هذا العام حل المشكلة عبر تقسيم أسلوب اللعب إلى نمطين: الواقعي والسريع التنافسي، لكن هذا الحل كشف أزمة أعمق: اللعبة نفسها لم تعد تعرف تماماً ماذا تريد أن تكون.

هل هي محاكاة كروية واقعية؟ أم لعبة إلكترونية سريعة مصممة للبث والرياضات الإلكترونية؟

كثير من المراجعات رأت أن اللعبة بدت ممزقة بين هاتين الهويتين.

أكثر من لعبة

ربما لهذا يبدو هبوط “فيفا 2026” مهماً أكثر من مجرد تراجع أرقام. فاللعبة لم تكن فقط منتجاً سنوياً، بل طقساً جماعياً لجيل كامل؛ ذاكرة طفولة، وسهرات أصدقاء، وصوت معلقين، وغضب بعد خسارة في الدقيقة التسعين.

ولهذا، حين يبدأ الجمهور بالابتعاد، لا يبدو الأمر وكأنه ترك لعبة فقط… بل كأنه تعب من علاقة استمرت طويلاً أكثر مما يجب.