ينكأ محمد عسّاف، وهو مطرب فلسطيني يتحدّر من قطاع غزة، جراحًا مسكوتًا عنها، ويُراد لها أن تُنسى، تتعلّق بالنظرة إلى الفلسطيني في محيطه العربي.
قد يكون الإحساس بتلك الجراح مضخّمًا أو متوهّمًا أحيانًا، لكن النظرة نفسها ليست كذلك، فهي تتراوح بين تقديس مبالغ فيه، وتبخيس يصل أحيانًا إلى حد الإهانة.
وفي الحالتين، تظل هذه النظرة محكومة بصور نمطية ترسّخت عن الفلسطيني. فهو إما مناضل، وبالتالي شهيد محتمل، أو لاجئ فقير يتسوّل قوت يومه في بلاد الاغتراب، وحقوقه من الأمم المتحدة.
وفي الصورة الثانية، لا يعود الفلسطيني مستحقًا للتعاطف، وإنما يُنظر إليه بريبة، كأن من يتسوّل وطنًا قد يخطط للاستيلاء على أوطان الآخرين.
فاز محمد عسّاف بلقب “أراب آيدول” عام 2013 – صفحة الفنان على فيسبوك
محمد عسّاف: ينظرون إلينا “بدونية”
يظهر محمد عسّاف في مقطع فيديو متداول على نطاق واسع، وهو يقول إن الفلسطينيين يُنظر إليهم بدونية، متحدثًا بتأثر واضح:
“يُنظر دائمًا للإنسان الفلسطيني بدونية. هذه حقيقة، لماذا نضحك على بعضنا البعض؟”.
والفيديو مقتطع من حوار طويل أجراه معه أخيرًا الإعلامي اللبناني محمد قيس في بودكاست “قصتي”، تحدث فيه عسّاف عن اعتزاله الغناء خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كما تحدث عن معاناة أخرى، صادمة لكثيرين، تتمثل في كونه “مطربًا فلسطينيًا”.
يقول عسّاف:
“قالوا لي حرفيًا: لو لم تكن فلسطينيًا لكان وضعك ومسيرتك أفضل بكثير مما هي عليه الآن”.
وتحدث عسّاف في الحوار نفسه عن أمور أخرى: عن شعوره بالعجز خلال العدوان على غزة، وعن إحساسه بأن الفن والأغنية الوطنية باتا عاجزين أمام هول مشاهد القتل والتدمير الحقيقية، التي تجاوزت كل قدرة على الاحتمال. كما تحدث عمّا يمكن إدراجه في مكائد أصحاب المهنة الواحدة، من تزاحم ومحاولات إقصاء وسواها.
لكن ما أثار ضجة واسعة خلال الأيام القليلة الماضية، وعبّرت عنه آلاف التدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي، ما بين مؤيد ورافض لما خلص إليه عسّاف، انصبّ في أغلبه على حديثه عن تلك “النظرة الدونية” إلى الفلسطينيين.
اعتزل عسّاف الغناء خلال حرب الإبادة على قطاع غزة – صفحة الفنان على فيسبوك
كتب أحدهم أو إحداهن، مستغربًا أن يصدر هذا الكلام عن عسّاف تحديدًا، فهو بحسب صاحب أو صاحبة التدوينة:
أكثر شخص بالتاريخ استفاد من “فلسطينيته”.
لقد ربح أهم برنامج عربي فقط لكونه فلسطينيًا، وأخذ الإقامة الذهبية بدبي فقط لكونه فلسطينيًا، وفتح سلسلة مطاعم بالإمارات ونجح بدعم الزبائن فقط لكونه فلسطينيًا.
إلى متى “عقدة الاضطهاد”؟
على النقيض مما سبق ثمة من رأى أن “المشكلة ليست في محمد عسّاف”:
المشكلة في عقليّة تعتبر أي نجاح لفلسطيني “شفقة” لا (استحقاق).
عسّاف لم يُفرض على الناس بل إن ملايين العرب صوّتوا له لأن صوته كان الأفضل، وحضوره كان حقيقيًا،
والنجاح الذي استمر لسنوات لا يصنعه التعاطف، بل الموهبة والعمل والقبول الجماهيري.
ولم تقتصر الردود على هذين الرأيين، بما بينهما من تناقض ومساحة اختلاف واسعة، إذ شملت أيضًا نظرة استعلائية إلى الغزّيين تحديدًا، رغم التعاطف العربي الواسع معهم خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
يحبون فلسطين ويكرهون الفلسطينيين
كتب الروائي اللبناني الراحل إلياس خوري مقالًا في يوليو/تموز 2010 في صحيفة القدس العربي بعنوان: “يحبون فلسطين ويكرهون الفلسطينيين”، على خلفية مسيرة حاشدة في بيروت طالبت بمنح اللاجئين الفلسطينيين الحقوق المدنية والاجتماعية في لبنان، ومنها العمل والتملّك.
تحدّث خوري في مقاله عن حقوق الإنسان الأساسية، ومنها حق الفلسطيني في أن “يُعامل بوصفه إنسانًا”.
إلياس خوري، محمود درويش، سمير قصير، مارسيل خليفة – مواقع التواصل
وخلص خوري إلى ما عدّه ظاهرة عربية بامتياز، تتمثل في أن كثيرين “يحبون فلسطين” لكنهم “يكرهون الفلسطينيين”، وينكرون عليهم حقهم في أن يكونوا بشرًا عاديين.
ولعل هذا الحق، أي حق الفلسطيني في أن يكون إنسانًا، هو ما تجاهلته معظم التدوينات التي علّقت على مقابلة عسّاف الأخيرة. فالفلسطيني فيها إما “مُشيطن” باعتباره عدوًا مفترضًا أو أقل من أن “يتساوى بنا”، وإما “مؤسطر” باعتباره بطلًا وشهيدًا.
وفي الحالتين، يُحرف النقاش عن بؤرة الألم الشخصية، عن ذلك الجرح الذي لا يبرأ في الشخصية الفلسطينية منذ خروج الفلسطيني من بلاده، وعن النظرة التي تطرده من دائرة الإنسان العادي إلى صورته النمطية، تلك الصورة التي ظلمته وكرّسته على هذا النحو في المخيال الجمعي لمحيطه العربي.
كتب خالد جمعة، الشاعر والكاتب الفلسطيني، على صفحته في فيسبوك قبل أيام، عن الأذى البالغ الذي لحق بالفلسطينيين جرّاء تنميطهم، مستذكرًا دعوته للمشاركة في أمسية شعرية في إحدى الدول العربية.
يقول جمعة إنه ألقى قصيدة صوفية، فدهش الحاضرون من هذا القادم من “غزة” وهو يلقي قصيدة صوفية. كان ذلك، في تصورهم، خارج المنطق، فعلى القادم من غزة أن تكون قصيدته “معبأة بالصواريخ والرشاشات ورثاء الشهداء والبيوت المهدمة والسجون”.
يفسّر جمعة ذلك بالقول إن العالم “لا يريد لنا أن نظهر بغير الصورة التي يريدونها لنا”. لكن ما هذه الصورة؟
يجيب بأن الأمر يعتمد “على من يريد هذه الصورة”، إذ “ليس المطلوب واحدًا في كل الأوقات والأمكنة، فهناك تصور ما في رأس كل من يهتم بفلسطين، وعليك أن تكون على قدر هذا التصور، وإلا فأنت لست فلسطينيًا بما فيه الكفاية”.
حين تُحبّ فلسطين ويُخشى الفلسطيني
لا تبدو أزمة الصورة النمطية مقتصرة على التعليقات العابرة، أو على التعامل مع فلسطيني ناجح مثل محمد عسّاف. فهي تظهر أيضًا في محطات سياسية واجتماعية تكشف حجم الالتباس العربي المزمن تجاه الفلسطيني: تضامن واسع معه بوصفه قضية، وخوف منه بوصفه إنسانًا يريد حياة طبيعية وحقوقًا مستقرة.
في يوليو/تموز 2020، قرر الرئيس التونسي قيس سعيّد منح الجنسية التونسية لـ34 فلسطينيًا يقيمون منذ عقود في بلاده، وهم من أصل 135 شخصًا من جنسيات عربية وإفريقية شملهم القرار الذي قالت الرئاسة التونسية إنه يهدف إلى إنهاء معاناتهم الإدارية.
شدّدت الرئاسة التونسية، في حينه، على الطابع الإنساني للقرار، وعلى أن منح الجنسية للفلسطينيين الـ34 “يأتي في إطار حرص رئيس البلاد على نصرة القضية الفلسطينية”، وأنه “لا يمسّ ملف حق العودة للفلسطينيين”. مع ذلك، انتقد كثيرون القرار بحدّة، واعتبروه مقدمة لتوطين اللاجئين.
كتب صحافي تونسي- فرنسي قائلًا: “على جثتي”، و”لا كنا ولا كانوا”.
درس ذلك الصحافي، ولنقل إنه “س” في باريس، وبعد سنوات قليلة حصل على الجنسية الفرنسية، وانتقل منها للعمل في إحدى الدول العربية “حفاظًا على عروبته” كما كان يردّد، لكنه لم يتنازل عن جنسيته الفرنسية التي توفّر له، على ما كان يقول، استقبالًا “ملكيًا” في مطارات المنطقة، وخاصة في بلاده.
شهدت شوارع تونس مسيرات مؤيدة للفلسطينيين خلال حرب الإبادة على غزة – غيتي
يُعدّ قانون الجنسية التونسي من بين القوانين العربية الأكثر تقدمًا في هذا الجانب، فهو يمنح أبناء المرأة التونسية الجنسية بالولادة، كما يتيح لزوجها الأجنبي الحصول على جنسية البلاد بعد إقامته فيها مدة خمس سنوات، وهو ما لا يتوافر في بقية البلدان العربية إلا نادرًا، كما في الجزائر والمغرب.
يُذكر أن عدد سكان تونس بلغ نحو 12 مليون نسمة في العام الذي مُنحت فيه الجنسية لـ34 فلسطينيًا.
ورغم أن تونس محدودة الموارد، فإنها لا تواجه مشكلات كبرى متصلة بالهوية على غرار دول أخرى في المنطقة. مع ذلك، أثار منح جنسيتها لأولئك الفلسطينيين مخاوف واسعة، في حين لم يُقابل تجنيس ثلاثة أضعافهم من دول عربية وإفريقية بالمخاوف نفسها.
ويبدو الوضع أكثر تعقيدًا في دول أخرى، خاصة في المشرق العربي، حيث تتداخل هواجس الهوية مع ضيق الموارد وحساسية التركيبة السكانية.
الفلسطيني منمّطًا.. شهيدًا أو لاجئًا
يُطرد الفلسطيني من إنسانيته إلى الأعلى حين يُحصر دوره في “الشهادة”، ويُؤبّد في صورة الضحية. فإذا خالف هذه الصورة، فتفوّق أو “تساوى بنا”، وأقبل على الحياة “مثلنا”، أُعيد إليها مُرغمًا. هكذا يُطرد إلى الأسفل أيضًا، لأن عليه ألا يخرج عن رغبتنا والصورة التي نريدها له.
هذه معضلة كبرى واجهت الفلسطينيين منذ أصبحوا “مسألة” أو “قضية” في أربعينيات القرن الماضي، واستفحلت منذ أصبح كثير منهم، لا جميعهم، لاجئين.
يستوي في ذلك أثرياء فلسطين مثل آل شومان وآل المصري وبيدس والصايغ وفقرائها، مثقفوها أو عاديّوها، فعليهم كلهم أن يعودوا إلى القفص.
عام 1969 كتب محمود درويش مقالته الأشهر “أنقذونا من هذا الحب القاسي”
في يونيو/ حزيران 1969 كتب الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، ما يمكن اعتباره أكثر مقالاته شهرة على الإطلاق.
نُشر المقال، وعنوانه “أنقذونا من هذا الحب القاسي”، في العدد السادس من مجلة “الجديد” التابعة للحزب الشيوعي الإسرائيلي، وأعادت مجلة “الآداب” اللبنانية نشره في العام نفسه. وما زال المقال مرجعًا تأسيسيًا في مقاومة الفلسطينيين محاولات تأطيرهم وتنميطهم، سواء بالسلب أو بالإيجاب المتطرف.
فبعد انتشار ما سُمّي حينها شعر المقاومة الفلسطينية، عقب هزيمة عام 1967، وصعوده المدوي في الوسطين الثقافي والسياسي العربيين، حظي هذا الشعر باحتفاء رآه درويش مبالغًا فيه، رغم أنه كان أبرز رموز تلك الاندفاعة الشعرية، إلى جانب سميح القاسم وتوفيق زياد.
حذّر محمود درويش مبكرًا من تنميط الفلسطينيين عبر تقديسهم
لم يستسلم درويش للزهو جراء المديح والإطراء المفرطين ومحاولة “الأسطرة”، رغم أن عمره لم يتجاوز آنذاك الثامنة والعشرين. كتب منتقدًا، وبقسوة، الاهتمام بما يكتبه الفلسطينيون من شعر وقصة، وهو اهتمام قال إنه يتجاوز الحب، ويُضفي على المحتفين بالكتابة الفلسطينية ملامح العاشق القديم الذي لا يرى في الحبيبة إلا ما يبرر العبادة.
ولذلك، كما لاحظ الشاعر، محاذير “قد تخلق نتائج ضارة، قد تتطوّر إلى ما يشبه الخداع: خداع القراء العرب، وخداع شعرائنا أنفسهم الذين يواجه بعضهم خطر الإحساس بالكمال”.
وهذا ما دفعه إلى التحذير مبكرًا من قبلة الحبيب في المقبرة، إذا صحت الاستعارة على جمالها وما تنطوي عليه من مفارقة مدهشة، قائلًا:
“نعترف بصراحة العاشق العصري أننا لسنا أهلًا للتقديس في زمان لا يجوز فيه التقديس، كما لا يجوز فيه اليقين المطلق”.
هل ثمة طريق ثالثة؟
ربما، في المجال الثقافي لكن الأمور قد تكون أكثر تعقيدًا في المجالات الأخرى خاصة أن اللا وعي الجمعي يصلّب انطباعات وصورًا نمطية على نحو تراكمي، يجعل من تفكيكها أمرًا بطيئًا ويتطلب جهدًا طويلًا ومتواصلًا.
وهناك محاولات، رغم وعورة الطريق.
“الأركانة” لإنصاف الشعرية الفلسطينية
في أبريل/ نيسان الماضي، أعلنت جائزة “الأركانة” العالمية للشعر، التي يمنحها بيت الشعر في المغرب، منح الجائزة الرفيعة إلى أربعة شعراء فلسطينيين، هم غسان زقطان، ويوسف عبد العزيز، وطاهر رياض، وزهير أبو شايب، رغم أن كل واحد منهم يستحقها منفردًا. فالأربعة، كلّ على حدة، ينتمون إلى طليعة الشعر العربي، لا الفلسطيني وحده.
واللافت أنها المرة الأولى التي تُمنح فيها الجائزة لأكثر من شاعر واحد، كما أن الجائزة مُنحت لما وصفته اللجنة بـ”الشعرية الفلسطينية”.
منحت جائزة “الأركانة” المغربية هذا العام للشعرية الفلسطينية
تعاملت لجنة منح الجائزة بحساسية عالية مع الأمر، فعزلت “شعرية” الأعمال الفائزة عن “فلسطينيتها”، وأعلت شأن الأولى، لانتسابها إلى الأفق الإنساني وانخراطها في الأسئلة الكونية.
لم تكن صورة الفلسطيني “المقاوم”، بالمعنى السائد، معيارًا لدى اللجنة، بل شعرية النصوص ومستواها الفني الرفيع. وبهذا، يكون الفوز مستحقًا بغض النظر عن عدالة قضية أصحابها، وما إذا كانوا يعبّرون عنها بشكل مباشر أم لا.
إنها الشعرية نفسها التي تنتمي إلى جنسها الأدبي وتتميز فيه، وبين نصوصه الكبرى والكثيرة في العالم. وهذا ما أهّل هؤلاء الشعراء للفوز بالجائزة، وأنصف تجاربهم، وساهم في تصحيح صورة مغلوطة عن الأدب الفلسطيني تربطه بالسياسة، فيُقدَّس منتجوه أو يُحطّ من شأنهم استنادًا إلى هذا المعيار، لا إلى إبداعاتهم.
وهذا ما تذمّر منه محمود درويش قبل أكثر من نصف قرن، حين أطلق صرخته الشهيرة:
“أنقذونا من هذا الحب القاسي”
محمد عسّاف من غزة إلى “أراب آيدول”
ثمة من يستحق صرخة أخرى لإنقاذه أيضًا، لا من “الحب القاسي” هذه المرة، وإنما من “النظرة الدونية”، كما قال هو، حتى لو أخطأ في التعبير أو التشخيص.
إنه المطرب الفلسطيني محمد عسّاف، الذي لم يتمالك نفسه من البكاء وهو يتحدث عن أهله في قطاع غزة، وقد تعرضوا للإبادة. وفي لاوعيه، ربما، مخاوف تتضخم من أن يتعرض شعبه، حيثما كان، لإبادة أخرى تتمثل بالإنكار والتنميط المسيء، لا لشيء إلا لأنهم فلسطينيون.
الفلسطيني ضحية صورته النمطية في حالة المطرب محمد عساف – صفحة الفنان على فيسبوك
ماذا على عسّاف أن يقول والحال هذه؟
“يحبونني ميتًا”. هذا ما كتبه الشاعر محمود درويش، “ليقولوا لقد كان منا.. وكان لنا”.

