صار من المستحيل تقريباً، الاكتفاء بأيام السنة على امتداداها ، لإحياء ذكرى من هنا او من هناك تتصل بمآسي الحروب والأزمات والأحداث المتعاقبة في لبنان في العقود الستة الأخيرة ، نظرا إلى ما يحفل به مصير لبنان من وقائع دراماتيكية لم تعرف نهاية بعد . ومع ذلك يبدو من غير المنطقي تجاهل أثر التلازم القاتل في “عقيدة” “حزب الله” بين إشعال ساحات المواجهات الكارثية العبثية مع إسرائيل تفعيلا لوظيفته الإقليمية الإيرانية واشعال ساحات الفتن الداخلية تفعيلا لاستراتيجية ترهيب “كل الآخرين” بلا استثناء . لا تنطبق معايير “نجاح” الحزب في ذلك على سائر التجارب الكارثية المتكررة التي شهدت هذا التلازم ، ولو انه نجح حصرا في إبقاء ورقة استرهان لبنان لارتباطاته الإيرانية قبل وبعد سقوط الحليف الإقليمي الاخر نظام الأسد في سوريا . غير ان الحاصل في المرحلة الحالية ، يكشف امرا لا يمكن الكثر من المدققين في عمق اسرار الحزب الزعم أنهم كانوا على بينة كافية من اكتشافه ، وهو ان الحزب المقيم على استراتيجية منفجرة بالتباهي بالترهيب والإخافة والاستقواء ، يتملكه في عمقه ذعر من مبدأ ومسار المفاوضات المباشرة التي تتولاها الدولة اللبنانية اشد وطأة باضعاف مضاعفة من ذعر نزع سلاحه.
والحال انه بصرف النظر عن التوقعات المتسرعة والمستعجلة نتائج حاسمة لمصلحة الدولة اللبنانية واستقلالية مسار التفاوض اللبناني المباشر مع إسرائيل بإدارة الولايات المتحدة الأميركية، ورغم كل الخشية من خيبات محتملة او موجات صعود وهبوط في جولات المفاوضات المقبلة في واشنطن ، لم يترك “حزب الله ” في الأتون الناري الذي أشعله في الأيام الأخيرة وزاد فيه منسوب الذرائع لإسرائيل لتوسيع محرقة الحرب ، أي مجال لانكشاف ذعره من المفاوضات كسلاح يتهدده ب”أم النهايات”. وهو الأمر الذي يعكسه ذاك النزق الخطير في استحضار نبرة التهويل بقتل او مواجهة كل ما ينشأ عن المفارضات ، بشرا وواقعا ، إلى حدود استحضار بالغ الرعونة لصورة الحزب الإرهابي في مقتلة ٧ أيار كما في التهويل بالاغتيالات إياها ، ناهيك عن السقطة الأسوأ في تهديد الحكومة بإسقاطها في الشارع . كل هذا يتدافع مع مسارعة الحزب الى رفع وتيرة المواجهات عبر الجنوب والتباهي باستهداف شمال إسرائيل الى حدود حصول المحتم بتوفير الذريعة المنتظرة بعودة الحرب الإسرائيلية الكثيفة إلى قلب الضاحية ، وكأن طهران لا ترتاح على أذرعتها وتوظيفاتها إلا على مرأى عشرات ومئات آلاف الشيعة اللبنانيين يتراصفون في مشاهد الهروب المذل من منازلهم وبلداتهم وقراهم ، حتى حين تكون طهران على مشارف إعلان اتفاق مع الشيطان الأميركي الأكبر .

مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في البيت الابيض
بذلك ترتسم اكثر فأكثر “القيمة المضافة” واقعيا للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الأميركية في مسارها المستقل، اكثر من أي وقت مضى ، حتى لو ارتفعت سحب الشكوك والمخاوف الخطيرة لدى الكثيرين ، من لبنانيين وغير لبنانيين ، حيال تداعيات مباشرة او غير مباشرة لاتفاق سيء بين إدارة ترامب ونظام الحرس الثوري في ايران . المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الأميركية التي شكلت قرارا قيصريا لنزع سلبطة ايران عن لبنان ، شكلت واقعيا الأوقع الأمضى على ايران وذراعها إلى حدود انفلات عشوائي كارثي في سلوكيات إدارة الحرب على يد “حزب الله ” . ما كان لاي عاقل تصور إشعال الحزب كل هذه المعارك الدائرية دفعة واحدة ، مقترنة بحملة متوترة مقذعة على رئيسي الجمهورية والحكومة ، في هذا التوقيت وهذا الإطار وهذه الوقائع ، لولا شيء اسمه الذعر ..
