ثمّة ثلاث فئات من الناس قد لا يعجبها عنوان هذا المقال: الأولى، من يريد لحزب الله أن يبقى في مكانه من دون أن يقدّم مراجعة بأي شكل من الأشكال بعد عدد من الخيارات الكارثية غير المسبوقة؛ والثانية، من يعتقد أنّ لا توجد بنية محلية لحزب الله، ولا تأثير حقيقي لبيئته، وأن القرار موجود فقط عند إيران بشكل أبدي وأنطولوجي؛ وثالثة، من يعتقد أنّه لا يجوز تحميل فئة اجتماعية (الشيعة في هذه الحالة) مسؤولية سياسية، لأنّ السياسة، بالنسبة إلى البعض، شأنٌ يخصّ القوى السياسية حصراً.
صحيح، ومن دون أدنى شك، أن حزب الله هو أولًا فصيل من فصائل الحرس الثوري. وصحيح أيضًا أن جزءًا كبيرًا من جمهور حزب الله، كما وصّف الدكتور بشار حيدر في فيديو منتشر من ندوة منذ أسابيع، يبحث اليوم عن إحساسٍ بالانتصار والقوة أمام خصومه في البلد وسط نكبة تكسر مجتمعاً كاملاً. وفي الأحوال كلها، تُفهم اليوم “استحالة” المشكلة القائمة كنتيجةٍ لـ”جمود” حزب الله، و”جمود” جمهوره الفكري والسياسي والتنظيمي وثباته.
لا ننكر أن الدولة اللبنانية، في هذه اللحظة التأسيسية والمفصلية، يجب أن تكون الفاعل الأول أمام عجز المجتمع وعناد قيادة حزب الله. فالدولة يجب أن تكون سيدة المبادرة في المجتمع، أي أن تكون “دولة تاريخية” قادرة على قلب الموازين لصالح قوتها وصلاحيتها ورؤيتها.
وموقف الدولة من العمل العسكري لا يُقاس ببيان أو مرسوم أو جملة مطمئنة في خطاب رسمي. يُقاس على الأرض: فرض رقابة فعلية على المطار والمعابر والحدود، وتوسيع سلطة المؤسسات الأمنية والقضائية والخدماتية داخل الضاحية والجنوب، بما ينهي أي إدارة موازية أو نفوذ خارج إطار الدولة، وتطوير تواصل مباشر وأكثر جرأة مع المجتمعات الشيعية، خصوصًا في الجنوب، لكسر احتكار حزب الله للوساطة السياسية والخدماتية.
لذلك، دور الدولة يجب أن يكون أكبر من المسايرة، وأوضح من التسويات، وأكثر جدية من إدارة الخوف بين الطوائف. الدولة لا تستعيد نفسها بالمجاملة. تستعيد نفسها حين تحسم مصير السلاح، تضبط شروط الانخراط السياسي، وتكسر منطق حماية الطوائف بدل محاسبة من يحكم باسمها.
ولكن، واقعيًا، حزب الله افتعل الحرب في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وسيطر على جزء كبير من مفاصل الدولة في العقود الأخيرة، واستلم، بشكلٍ شبه كامل، سياستها الخارجية. واليوم، يمسك حزب الله سلاحه، ويملك القدرة -من دون النية الآنية- على البتّ بحركةٍ انتقالية جذرية. ويُقال إن هذه المسألة مستحيلة: أولًا لأن سلاحه هو أساس ما تبقّى من قوته وموارده، فلن يتنازل عن ورقته الأخيرة، وثانيًا لأن صلته بالسلاح أصبحت صلةً عقائدية واستراتيجية ترسم أساس هويته.
وسط هذه الافتراضات الكبيرة، نسأل أيضاً: ما دور الشيعة اليوم؟ وهل لدينا القدرة على انتزاع أي تنازل من حزب الله من الداخل قبل الخارج؟
مسؤولية حزب الله الأولى: الاعتراف بنهاية حقبة
حزب الله اليوم يتّبع سياسة “شراء الوقت” وتبرير كل حدث بحدّ ذاته أمام جمهور يبحث عن بصيص أمل وسط حقبة مؤلمة ومحبطة. أمّا الرؤية الكبرى المتماسكة التي عبر عنها حسن نصرالله في الماضي حول الردع والصراع على المنطقة والتحضير للمعركة الكبرى، فأصبحت مفككة وغير مقنعة، خصوصًا عند الأخذ بالاعتبار تناقض خطاب الحزب بين وعوده العقائدية لجمهوره الضيّق وتطميناته للمجتمع اللبناني عمومًا.
في لعبته الأخيرة، قفز في البداية ليقول إن إيران حقّقت لنا وقف إطلاق النار، لكنه اليوم لا يريد أن يتحمّل مسؤولية عجز إيران، وعجزه هو، وعجز كل الجهات الأخرى، عن وقف النار… بعد أن فتح النار، للمرة الألف، على حساب جمهوره. فيرمي المسؤولية على “الآخر” من أجل الحفاظ على الإيقاع الداخلي داخل الطائفة. بالتوازي، يصنّف الحزب الغضب الشعبي، أو الحزن الشعبي، ردًا على الخسائر الكبيرة في الجنوب، كنوع من الاستغلال الإعلامي المتمحور حول “التباكي”.
ولا ننكر: كما يوجد عمل واعٍ وممنهج نحو تكريس المكابرة، هناك أيضًا عمل واعٍ وممنهج نحو طرح الأسئلة التالية: هل كان من الضروري أن نعيش هذه اللحظة؟ وهل يمكن أن تكون المشكلة جزءًا من الحل؟ وهل الخسائر فعلًا تكتيكية أم وجودية؟ وهل نحن أمام نموذج يكرّس الكرامة أم يأتي على حسابها؟
لذلك، هناك عمل ممنهج وواعٍ نحو طرح هذه المسائل، حتى لو كان كل شيء يبدأ بمشاعر طبيعية جدًا تجاه الخسارة، والصدمة، والكلفة المادية الباهظة، والتحولات الحياتية المباشرة. وليس عيبًا الوعي، ولا القصدية، ولا البحث عن نموذج اجتماعي أكثر رحمةً بكثير من النموذج الذي أنتج هذا المشهد.
في الواقع، مع الأخذ في الاعتبار تلك المراجعات “الخفيفة”، الخطاب العام في البلد قد يشهد تقدّمًا كبيرًا إذا أعلن الحزب، بوضوح، أزمة خياراته خلال السنوات العشرين الماضية، مع التمسّك بإرث تاريخه وتضحياته في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي خلال فترة التسعينات. يمكنه أن يقول، علنًا، إنّ الرهان على النظام السوري والوقوف إلى جانبه في عامَي 2005 و2012 وحتى سقوطه كان خطأ، وإنّ عسكرة الطائفة الشيعية بهذا الشكل كانت ستشجّع العسكرة، أو ردود الفعل غير الصحية، لدى الطوائف الأخرى، وإنّ جبهة الإسناد كانت كارثة، وإنّه يجب فصل مسار لبنان عن المسارات العسكرية الأخرى من الآن فصاعدًا.
وهذا لا يعني أننا نتوقع من حزب الله التخلي عن كل قاموسه السياسي وخياراته الاستراتيجية، ولا نقول إن هذا الاعتراف سيأتي على نحو تلقائي. لا بل أيضاً، يحتاج حزب الله أن يحفظ ماء الوجه، تجاه لبنانيته في الداخل، أقله حفاظاً على مصداقية “العقيدة”. ماذا لو خابر الإيراني حزب الله بتسليم السلاح، فيسلم السلاح وتنتهي الأمور من دون مبرر؟ يعني أن المعركة الاقتصادية بين أميركا وإيران، أفضت لدفتر شروط جديدة، تنعكس على سلاح حزب الله، وبالتالي، يكون “الاقتصاد” ألغى “العقيدة”. لذلك نضوج خطاب حزب الله عقائدياً وجمهورياً هو حاجة إلى حماية جزء من الشيعة من الاعتماد المطلق على رهان أحادي غير قابل للتصحيح والنمو: قدرة النظام الإيراني على إنقاذ ورقةٍ ورّطها في حرب تدميرٍ ذاتي.
بالإضافة، من المستحيل أن يعترف حزب الله بنهاية تلك الحقبة قبل ينحرف نبيه بري عن هذا الطريق المسدود. مسؤولية نبيه بري ليست “وحدة الطائفة الشيعية”، ولا أن “يدافع عن الطائفة” كرمزٍ سياسي-إثني. مسؤوليته التاريخية، في هذه اللحظة بالذات، كرئيسٍ لمجلس النواب، إذا أردنا الاعتراف بهذه المسؤولية، هي أن يبتّ بمرحلةٍ انتقالية حاسمة لجمهوره، ولجمهور الثنائي عمومًا، نحو رفض الملشنة والتفكك والارتهان، والتمسّك بما تبقّى من البلد كمساحةٍ مشتركة بيننا، لا كساحةٍ لغيرنا، ولا كدولةٍ عميقة تخسر قيمتها يومًا بعد يوم.
الطائفة الشيعية صنيعة الممكن: نحو رفض الجمود
لا يمكن مخاطبة حزب الله وجمهوره والشيعة عموماً، مؤيدين ومعارضين، باللغة نفسها التي استُخدمت في السنوات الماضية. ما كان يصلح قبل الحرب لم يعد يصلح اليوم. وما كان يُقال تحت عنوان التوازنات، أو المقاومة، أو الخصومة السياسية، صار عاجزاً عن فهم التحول العميق داخل البيئة الشيعية وفي علاقتها بالدولة وبحزب الله وبباقي اللبنانيين.
فالنظر إلى الطائفة الشيعية كطائفة جامدة وغير متحوّلة هو أيضاً جزء من أزمة من يريد الطلاق ويروّج له. وهذه هي رواية حزب الله وبعض خصومه: الرواية التي تعتبر عقيدة حزب الله وسلاحه ثابتًا أنطولوجيًا في المجتمع الشيعي، وكأن هذا الارتباط قائم منذ قرون. إن اعتبار الشيعة جماعة ذات تعريف ثابت، عابر للتاريخ، هو أول سردية يجب تفكيكها.
قد يُقال إنّ هذا توقّع مثالي أو منفصل عن الواقع، وربما يكون ذلك صحيحًا. لكن الأرقام تروي قصة مختلفة. ففي استطلاع أولي شمل 400 شخص، نُشر في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2023 عن «المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق» المقرّب من حزب الله، تبيّن أن 49.2% من الشيعة عارضوا التدخل الكامل في الحرب. وقد جاء ذلك في مرحلة مبكرة نسبيًا، قبل أن يتكبّد الحزب والبيئة الحاضنة الخسائر الكبيرة التي شهدها العام التالي.
إضافةً إلى ذلك، أظهرت دراسة “الباروميتر العربي” لعام 2024 أنّ نحو 22% من الشيعة اللبنانيين لا يعتبرون دور حزب الله في السياسة الإقليمية عاملًا إيجابيًا. وتُظهر هاتان النتيجتان أنّ الاعتراض أو التحفّظ على دور الحزب الإقليمي والحربي ليس محصورًا بخصومه السياسيين، بل يمتد أيضًا إلى جزء من بيئته الاجتماعية نفسها.
لذلك، نعتبر أنّ الحزب، كبنية اجتماعية، هو خليط بين الخارج والداخل، بين أمميته ولبننته، بين تدينه وقوميته. وأمام انسداد الأفق، قد يكون من المفيد، بالحد الأدنى، أن يُظهر وجهًا آخر للحوار الداخلي، ولو بشكل جزئي، خصوصًا أنّه لا يزال أحد أكثر اللاعبين تأثيرًا في الساحة السياسية والثقافية في البلد.
المطلوب اليوم سياسة فصل واضحة. لا فصل بمعنى العزل أو التحريض، بل فصل سياسي وتحليلي بين ثلاثة مستويات مختلفة: حزب الله كتنظيم مسلح وحزب سياسي، جمهور الحزب المؤيد له، والشيعة كطائفة ومكوّن لبناني واسع لا يمكن اختصاره بالحزب ولا بسلاحه ولا بخياراته الإقليمية.
بالنسبة للجمهور، المؤيّد والمعارض داخل البيئة نفسها، فالمسألة لم تعد فقط “الانتصار أو الهزيمة” وحسّ القوة، كما وصفها الدكتور بشار حيدر. توسع الأصوات التي تقول إن الأولوية الآن هي العودة، الإعمار، الأمن، والقدرة على اختيار السياسة من خارج الخوف، ومن خارج السلاح. ولكن المسألة الأهم هي خروج جمهوره من تعريف السلاح كهوية. المطلوب إعادة تعريفهم كمكوّن لبناني له تاريخ سياسي واجتماعي وديني واقتصادي أوسع من حزب الله، وأوسع من الحرب، وأوسع من موقعه في صراع إقليمي لا ينتهي.
فالمعركة السياسية المقبلة ليست فقط حول سلاح حزب الله. هي أيضاً حول معنى أن يكون الشيعة جزءاً من لبنان بعد الحرب. الشيعة ليسوا خارج الدولة حتى يُعاد إدخالهم إليها. هم حاضرون في إداراتها، وفي وظائف الفئة الأولى والثانية والثالثة، وفي المدارس والجامعات، وفي المرافق الحيوية، وفي القطاعين العام والخاص، وفي مجلس النواب ومجلس الوزراء. أي إن حضورهم قائم في الميادين كلهم تقريباً.
وفقط من هذا المنطلق نستطيع أن نتحدث عن نزاع سياسي مع حزب الله خارج إيقاع الحرب والعسكرة؛ فهو نزاع حول مصلحة الفرد ضمن بيئة تعيش في جغرافيا واقتصاد، وتدفع ثمن خيارات الحزب على حساب تلك الجغرافيا والاقتصاد. وهذه البيئة مدركة جدًا للأزمة، وشاركت في انتفاضة 17 تشرين، وتعرف أن النظام الحالي والمحاور يعملان من أجل مصالحهما. فهي ليست بيئة جاهلة، بل بيئة مؤدلجة ومثقفة، نابعة من إرث غني جدًا يبدأ بالتحرر وينتهي بالنقد، ومن ثم البناء والتحوّل.
