صحافيون يصوّرون آثار غارة إسرائيلية في جنوب لبنان، 16 إبريل 2026 (Getty)

يتلقى الصحافيون والمراسلون المقيمون والعاملون في مدينة صور جنوبي لبنان منذ أيام اتصالات مسجّلة أو مباشرة من الاحتلال الاسرائيلي تتضمّن إما مطالبات بالإخلاء أو بتحديد أماكن وجودهم والنقاط التي يتمركزون فيها، وذلك بالتزامن مع ارتفاع منسوب الاستهدافات التي تطاول محيط تغطياتهم.

وعلم “العربي الجديد” أن عدداً من الصحافيين والصحافيات الذين يغطّون ضمن نطاق صور تلقوا أكثر من مرّة اتصالات من جهات إسرائيلية، من بينهم فريق التلفزيون العربي، ومراسلته جويس الحاج خوري، منها اتصال مباشر، سألوهم فيه باللغة العربية عن هوياتهم، والمكان الذي هم فيه، والهدف من وجودهم، وأين يعملون، وطلبوا منهم تحديد النقطة وإذا كان هناك أشخاص إلى جانبهم.

كذلك، ترد إلى الصحافيين اتصالات على شكل رسائل صوتية باللغة العربية، يطلبون فيها الإخلاء ربطاً بالإنذارات التي يصدرها المتحدث باسم جيش الاحتلال إلى سكان المدينة وقضائها، ومنها تلقتها حتى فرق الإسعاف، ما يدفع البعض إلى المغادرة، والانتقال إلى مسافات بعيدة من نطاق التحذيرات.

يأتي ذلك في وقتٍ يصعّد فيه جيش الاحتلال عملياته العسكرية في الجنوب اللبناني، ويعمّق توغلاته البرية، رغم اتفاق الهدنة الذي دخل حيز التنفيذ ليل 16 – 17 إبريل/نيسان الماضي، ويكثّف غاراته على مناطق رئيسية كانت تُعدّ آمنة نسبياً ومركزاً يلجأ اليه النازحون كما الصحافيون والمصوّرون للتغطية الميدانية، وللإقامة فيها، خاصةً مدينة صور، وذلك قبل أن تُصبح في الأيام الماضية من أكثر المناطق تعرّضاً للقصف.

كذلك، رُصِد أكثر من مرّة في الأيام الماضية شنّ الاحتلال الإسرائيلي غارات على مسافة قريبة جداً من أماكن إقامة الصحافيين في الجنوب، أو أثناء أدائهم رسالتهم المباشرة على الهواء، وهو ما حصل على سبيل المثال، لا الحصر، مع فريق قناة الجزيرة، الذي نجا بأعجوبة.

ودوّى يوم السبت انفجار ضخم بالقرب من مدير مكتب الجزيرة في لبنان مازن إبراهيم في مدينة النبطية التي تشهد كذلك تصعيداً إسرائيلياً عنيفاً، وذلك بينما كان يقدّم رسالته مباشرة على الهواء، فارتفعت سحب كثيفة من الدخان الأسود في محطيه، وغطّت الكاميرا، ما دفع مذيعة القناة إلى قطع الحوار فوراً للاطمئنان على سلامة الطاقم الصحافي.

ولاحقاً، أوضح إبراهيم عبر اتصال هاتفي أن مقاتلة حربية إسرائيلية أطلقت صاروخين باتجاه منطقة قريبة من مستشفى النجدة الشعبية في النبطية، وأن الانفجار وقع على بعد مئات الأمتار فقط من موقع وجودهم.

وفي اللحظة ذاتها، تكرّر المشهد نفسه خلال تغطية كان يجريها أيضاً مراسل “الجزيرة مباشر” من جنوب لبنان، جواد شكر، من الموقع نفسه تقريباً، بينما كان يتحدث عن تصاعد الغارات الإسرائيلية على قضاء النبطية، حيث دوى انفجار ضخم ومفاجئ على مقربة مباشرة من مكان التغطية.

من جهته، وثّق مراسل قناة الجديد اللبنانية إبراهيم الغريب، بالصوت والصورة، لحظة شنّ الاحتلال غارات في ساعات الليل على مقربة من مكان إقامته على تخوم بلدة دبّين الجنوبية، حيث هزّت أصوات القصف العنيف الزجاج بالقرب من سريره، ما دفعه إلى الابتعاد عنه، مشيراً إلى أن هذا المشهد يتكرّر يومياً.

وقال اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، في بيان، الاثنين، إنه يتابع بقلق بالغ الاتصالات المسجّلة والمباشرة التي تلقّاها عدد من الصحافيين والصحافيات المقيمين والعاملين في مدينة صور الأسبوع الماضي من جهات إسرائيلية تضمّنت تحذيرات ومطالبات بالإخلاء.

وحذّر من خطورة هذه الاتصالات كونها تأتي في ضوء سجل طويل من الاعتداءات الإسرائيلية الموثّقة ضدّ الصحافيين، وآخرها الاستهداف الإسرائيلي المستنكر الذي طاول محيط الصحافيين في مدينة النبطية مساء السبت.

وجدّد الاتحاد مطالبه إلى الدولة اللبنانية لتوثيق الاعتداءات ضدّ الصحافيين مركزياً، وفتح تحقيقات قضائية فيها، والعمل على إقرار قانون يعاقب على جرائم الحرب. كذلك، طالب الحكومة اللبنانية بالدعوة إلى تشكيل لجنة تقصي حقائق من مجلس حقوق الإنسان، وإعطاء الصلاحية للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم الحرب منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023. وذكّر الاتحاد بأنّ أيّ تحذيرات تصدر عن قوّة عسكرية لا تعفيها من مسؤوليّاتها القانونية في حماية المدنيين، محمّلاً السلطات الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن سلامة الطواقم الإعلامية الموجودة في مدينة صور وفي سائر المناطق اللبنانية.

وكان اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان قدّم طلباً عاجلاً إلى مؤتمر الاتحاد الدولي للصحافيين، الذي عُقد في باريس بين 4 و7 مايو/ أيار الماضي، للمطالبة بمساءلة إسرائيل عن جرائم الحرب المرتكبة بحق الصحافيين في لبنان.

وعلى الرغم من سريان الهدنة، واصلت إسرائيل استهدافاتها وتهديداتها للأطقم الصحافية، والتضييق على عملها وحركتها، وأضافت إلى سجلها الدموي أكثر من جريمة، لعلّ أبرزها اغتيال الصحافية آمال خليل في 22 إبريل الماضي، بينما تعرّضت زميلتها زينب فرج لإصابات بالغة، من جراء استهدافهما في بلدة الطيري الجنوبية، ومنع إسعاف آمال أو التوجه لإنقاذها لأكثر من أربع ساعات.

وفي 22 مايو الماضي، استهدف طيران الاحتلال في ضربات متتالية فرق إسعاف أثناء قيامها بواجبها الإنساني في دير قانون النهر، في قضاء صور، جنوبي البلاد، ما أدى إلى استشهاد المسعف والمصوّر أحمد حريري، والمسعف علي حسين غساني.