القاهرة – «القدس العربي»: في الوقت الذي أعلنت فيه دور العرض السينمائية في القاهرة حالة الطوارئ القصوى لاستقبال فيلم «أسد»، بطولة محمد رمضان ورزان جمال وعدد من النجوم الشباب للعرض خلال أيام عيد الأضحى، حدث تحول مفاجئ في التعامل مع الفيلم بعد تنظيم حملات الدعاية الضخمة وتسخير بعض البرامج في القنوات الخاصة للترويج للعمل، بوصفه إنجازاً سينمائياً عظيماً وفتحاً مُبيناً للسينما المصرية في طابعها التاريخي المُميز بعد سنوات من غياب هذه النوعية ذات الإنتاج الضخم.
الفيلم كما أشيع عنه قبل رفعه من دور العرض كان من وجهة نظر البعض يُمثل عودة قوية للأسطورة التاريخية على الشاشة الكبيرة بعد مرور فترة زمنية طويلة ندُرت خلالها الدراما التاريخية وصارت في حسابات بعض المُنتجين أعمالا تراثية عفا عليها الزمن، ولم تعد ضمن الموضوعات المُفضلة لدى جمهور الأغلبية في مصر والعالم العربي. وقد ظل هذا الاعتقاد سائداً إلى أن جاء فيلم «الكنز» بجزئية الأول والثاني قبل نحو خمس سنوات بطولة محمد رمضان وروبي ومحمد سعد وإخراج شريف عرفة، ومنذ انتهاء عرض الجزأين للفيلم المذكور، لم تتكرر المحاولات في هذا الصدد إلا بفيلم «أسد» الأضخم إنتاجاً والأقوى من ناحية الفكرة والديكور والتصوير والأداء التمثيلي للأبطال.
هكذا تم الترويج قبل بداية الموسم وعرض الفيلم لتأهيل الجمهور شعورياً وذهنياً للمُشاهدة والإقبال، وقد تم ترديد نغمة الاستحسان والإشادة على نطاق دعائي واسع، أن فيلم «أسد» عودة جديدة لأمجاد الفيلم التاريخي المصري، في إطار التناول العصري للأفكار والتفاصيل، لاسيما أن الفيلم يطرح قضية لا تزال رغم مرور عقود وعهود، محل اهتمام كبير من الساسة والمُفكرين والنُقاد وعوام الناس، لأنها بالأساس قضية إنسانية بحتة ويجوز تشكيلها بصور وصيغ مُختلفة،علماً بأن زمن العبودية قد انتهى بشكله التقليدي النمطي من العالم كله.
لكن ثمة قصد ما وراء الموضوع بالقطع، جعل إعادة طرح فكرة العبودية في الفترة الحالية أمراً مُلحاً، من وجهة نظر صُناع الفيلم، ولعل ذلك هو ذاته سبب المُصادرة، لأن المُتداول الآن على السوشيال ميديا، وبعض المواقع، عن أسباب منع عرض الفيلم، هو ارتباطه بفكرة تشويه التاريخ وتبني أفكار الأفروسنتريك «المركزية الإفريقية»، وهي القضية الأكثر حساسية بحكم أشياء كثيرة من بينها، وجود قوى عديدة مُتصارعة في القارة السمراء. غير أن الحديث في الوقت الراهن حول تجارة الرقيق والتاريخ المؤلم عن الاتجار بالبشر، يُمثل إشعالاً لنيران الفتنة مُجدداً ويؤجج الصراعات القديمة، ويُزيد الموقف تأزماً وتعقيداً، ورغم ابتعاد المسافة التاريخية بين الماضي والحاضر، لكن يبدو أن ثمة خيوطا رفيعة تربط بين القضايا، على خلفية ما يُستجد وما يطرأ من أحداث ومُتغيرات سياسية وجغرافية، فمظاهر المدنية والحداثة تُخفي أحياناً في ثناياها صورا ودلالات أخرى لا يراها غير القريبين من مناطق النفوذ والسُلطة، ومواطن الصراع فوق الكرة الأرضية بأكملها وليس العالم الثالث فقط، حيث توجد الأمارات والأدلة على بقاء واستمرار زمن العبودية وتجارة الرقيق ونشاط النخاسين، وذلك في غيبة العدالة الاجتماعية، وتصاعد قوى رأس المال والنفوذ السياسي وغيرها من معايير اختلال الموازين وعودة الجواري وتقسيم المُجتمعات مُجدداً إلى سادة وعبيد.
الأحداث الحقيقية لفيلم «أسد» الذي كتبة وأخرجه الثلاثي، محمد وشيرين وخالد دياب تدور في القرن التاسع عشر حول فترة حالكة السواد شهدت فيها المُجتمعات البائسة آيات من القهر والاستبداد، وبرز خلالها نموذج استثنائي لشاب زنجي تمرد على الظُلم فقاد رهطاً من العبيد البؤساء الذين يعيشون في سجن كبير يُعانون فيه ويلات العذاب، جراء حُكم السادة والنبلاء القائم على الظُلم والعنصرية، ومع انطلاق الشرارة الأولى لهوجة التمرد من جانب العبيد، اشتعلت الثورة وظهر «أسد» كقائد هُمام ينشد الحرية ويعمل على تحرير نفسه وبقية المقهورين من سياط الجبابرة وعنفهم.
وفي سياق الدعوة النبيلة الهادفة للمساواة بين البشر كافة، من دون النظر إلى اللون والعرق، نشأت قصة حُب بين العبد المُتمرد وفتاة حُرة أشعلت نيران الحماس وألهبت القلوب بأسمى المعاني الإنسانية والنضالية، فساقت الآلاف إلى خندق الثورة لتحقيق حُلم الوحدة، وإحداث التلاحم بين الفئات المُختلفة على خلفية المبادئ الإنسانية، التي توجب المساواة بين كل المواطنين أياً كان لونهم أو عرقهم أو موطنهم. وقد لعب المخرج محمد دياب في المُعالجة الدرامية للأحداث على الأجواء الأسطورية الخيالية، فلم يُشر مباشرة بالإيضاح أو الإسقاط التاريخي إلى زمن معين، أو شخصيات بعينها أو فترة حكم بذاتها، وإنما دار في فلك الحكاية التاريخية التي مضى عليها نحو قرنين من الزمان. ولا يُمكن اعتبار الفيلم توثيقاً لمرحلة أو حقبة، وإن حملت رسالته شيئاً من هذا القبيل، لكنه بالقطع يُمثل رجع صدى لصرخات العبيد الذين قُهروا تحت حُكم السادة ذوي السُلطة والسُلطان، ولم تُكتب لهم النجاة والحرية، إلا بانتفاضات الثوار والأبطال كأسد، ذلك الفتى الذي انتزع حريته بإرادته فصار نبراساً للتواقين إلى الحرية.
لقد مثل الفيلم التاريخي المُصادر والممنوع من العرض، فرصة لم تكتمل لعدد من أبطاله الشباب، رزان جمال وإسلام مُبارك وعلي قاسم ليُعيدوا اكتشاف أنفسهم كنجوم مُعتبرين بمقاييس الإجادة والمُعايشة والصدق الأدائي المُتميز، لكنها الحسابات الأخرى غير المرئية غالباً ما تُشكل عائقاً أمام المواهب الجديدة.