في مقابلة مع وسائل الإعلام الفاتيكانية، وصف والتر كواتروتشوكي، أستاذ علوم الحاسوب بجامعة “لا سابينزا” في روما، أول رسالة عامة للبابا لاوُن الرابع عشر بأنها “شديدة الوضوح”، ولها القدرة على الارتقاء بالنقاش حول الذكاء الاصطناعي إلى “مستوى أكثر نضجاً”. ويحذر الباحث من مجتمع يستبدل “التحقق بالمعقولية المُدركة”، ويفوض حكم العقل للآلات، مما يهدد بالخلط بين محاكاة المعرفة والمعرفة الحقيقية.

“إن ما يسمى بالذكاء الاصطناعي لا يعيش خبرة، ولا يمتلك جسداً، ولا يعاني من أفراح أو آلام، ولا ينضج من خلال العلاقات (…)”. هذه الكلمات التي جاءت في الفقرة ٩٩ من الرسالة العامة “Magnifica humanitas” ، تمثل – بحسب والتر كواتروتشوكي – إحدى أهم النقاط الجوهرية في هذه الرسالة العامة الأولى المكرسة للذكاء الاصطناعي. وفي مقابلة مع وسائل الإعلام الفاتيكانية، يؤكد البروفيسور كواتروتشوكي، وهو أيضاً مدير مركز علم البيانات والتعقيد من أجل المجتمع، أن الوثيقة البابوية تسهم في نقل النقاش العام إلى مستوى أكثر عمقاً. ووفقاً لكواتروتشوكي، فإن الرسالة العامة “تغير مسار النقاش المتأرجح بين الحماس الساذج والتشاؤم الكارثي”، من خلال تناول القضية من منظور منهجي ومعرفي، أي أنها تدعو إلى التأمل في ماهية المعرفة، وكيفية تشكلها، وحدودها.

ويشير الباحث إلى أن النقطة الحاسمة لا تكمن في تحديد ما إذا كانت الآلات تفكر أم لا، بل في فهم “مدى تأثير هذه التقنيات على الظروف والمعايير التي يبني بها المجتمع معرفته وأحكامه وحقيقته وعلاقاته”. ويرى أن نص البابا لاوُن الرابع عشر يتميز بالوضوح في إدراك أن التحدي ليس تقنياً أو أنثروبولوجياً فحسب، بل يمس عملية التعلم ذاتها. ويوضح قائلاً: “اليوم، أصبحت المعقولية اللغوية، التي تُحسّنها النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)، متداخلة ومتصلة، بل وتكاد لا تنفصل عن مسؤولية الحكم البشري”.

إن أحد أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً هو الخلط بين جودة مخرجات “روبوتات المحادثة” وطبيعة العملية التي تولدها. يقول كواتروتشوك: “نحن نرى اللغة، ونميل فوراً إلى الاعتقاد بأنها نتاج شيء يفكر بطريقة تماثل تفكيرنا، ولكن هذا غير صحيح على الإطلاق”. فالنماذج اللغوية، كما يشرح، تنتج نصوصاً متماسكة ومقنعة من خلال روابط إحصائية، بدون أن يكون لديها تجربة حقيقية في العالم أو قدرة على التحقق من المعلومات.

وبالإشارة إلى دراسة لفريق عمله بعنوان “محاكاة الحكم”، يوضح كواتروتشوكي أن هذه الأنظمة لا تستطيع تقديم تقييمات موثوقة حقاً في المهام المعقدة. ويضيف: “نحن لا نمتلك حكماً، بل محاكاة للحكم؛ لا نمتلك تفاعلاً، بل محاكاة للتفاعل”. والفرق جوهري؛ فالإنسان يعمل في سياق معياري، ويعرف كيف يدرك الخطأ ويتساءل عن قراراته، بينما تتحرك النماذج اللغوية في نطاق “التقريب الإحصائي المحض للكلمات”. وبالنسبة للأستاذ الباحث في جامعة “لا سابينزا”، فإن الخطر الرئيسي لا يكمن في “هلوسة” الخوارزمية، بل في “خفائها”. ويقول: “إنّ الخطر يكمن في اللحظة التي لا يظهر فيها خطأ الآلة، أكثر منه حين يظهر”. ويشرح قائلاً: “إنّ النقطة الحرجة هي مجتمع يستبدل تدريجياً التحقق بالمعقولية المُدركة.

إذا كانت المعرفة تنشأ تقليدياً من مقارنة المصادر والتحقق من الفرضيات، فإن الأنظمة التوليدية تميل إلى ضغط كل شيء في نتيجة جاهزة ومقبولة لغوياً. وفي مجال المعلومات، يتداخل هذا مع ديناميكيات “اقتصاد الانتباه”. ويلاحظ كواتروتشوكي أن وسائل التواصل الاجتماعي تكافئ ما يجذب الانتباه أكثر مما تكافئ ما يقدم معلومات مفيدة. وفي هذا السياق، تعمل النماذج اللغوية الكبيرة على “خفض وتصنيع إنتاج محتوى قادر على إقناع المستخدم”، ورغم أنها ليست مصممة للتلاعب، فإنها “تنجح تماماً في التلاعب”.

وفي تعليقه على تأكيد البابا أن الذكاء الاصطناعي “يُزرع” في الواقع ولا “يُبنى”، وبالتالي ينمو بشكل ذاتيّ، يسلط كواتروتشوكي الضوء على أن هذه الأنظمة هي “أبعد شيء عن المفهوم المعياري”. ولهذا يرى أنه من المضلل تفسيرها عبر فئات تماثلها بالإنسان. ومن ثم، فإن النهج الأخلاقي الذي يطالب بشفافية الذكاء الاصطناعي يبقى غير كافٍ، لأنه، كما يوضح، لا يكفي مجرد فتح الكود البرمجي أو نشر بيانات التدريب. “المشكلة هي فهم كيف يصل النظام إلى إجابة، ما هي الإشارات التي يستخدمها، ولا سيما ما هي الاختصارات التي يدمجها”.

وما يثير القلق بشكل خاص هو التأثير على العمليات المعرفية والثقافية. ويقول كواتروتشوكي: “لقد زاد بشكل لافت عدد الأشخاص الذين يتحدثون في مواضيع لا يعرفونها، ويقعون ضحية لما نسميه ‘مرض المعرفة اليقينية’ أو ‘الإبستيميا'” (وهو مصطلح صاغه فريق بحثي بقيادة كواتروتشوكي لوصف الوهم المريح بامتلاك معرفة يقينية ومتحقق منها). ويلاحظ الباحث أن العديد من المستخدمين يفوضون إنتاج المحتوى بالكامل للنماذج اللغوية دون امتلاك الأدوات اللازمة للتحقق منه. والنتيجة هي ضخ معلومات في الفضاء العام “مغلفة بشكل مثالي، لكنها في الواقع جوفاء ولا تصمد أمام التحليل المنطقي”. وهي ديناميكية يرى كواتروتشوكي أنها تجعل التمييز بين المعرفة والجهل أمراً يزداد صعوبة.

وفي الختام، يعبر أستاذ علوم الحاسوب عن تقديره للمساهمة التي قدمتها الرسالة العامة في النقاش المعاصر. ويؤكد أن “Magnifica humanitas” تقدم “رؤية شديدة الوضوح، أقل ارتباطاً بالنزعات الطفولية والسذاجة التي تنبع من ضعف المعرفة بالموضوع”، وتضع النقاش على أرضية أكثر نضجاً. ويختتم كواتروتشوكي بالتعبير عن تطلعه إلى ضرورة التأمل في السؤال الذي – بحسب رأيه – يجري في ثنايا وثيقة البابا لاوُن الرابع عشر بأكملها: “ما الذي يعنيه بالنسبة لمجتمعنا أن نفوض آلات تحاكي التفاعل وتحاكي الحكم، بدون أن تدرك هي ماهية العلاقة وماهية الحكم؟”.