لطالما ارتبطت الشيخوخة بالحكمة والخبرة والمكانة الاجتماعية، ولطالما ظهرت في المجتمعات البشرية مبادئ احترام كبار السنّ والتعامل معهم بوصفهم حصيلة خبرات مجتمع ما، وبركته، في مجتمعات عدّة. ومن الطبيعي أنّ الناس عموماً لا يحبّون مظاهرَ التقدّم في السنّ على الجسد، لكنّ التعامل مع هذه المظاهر كان على أساس أنّها مرحلة طبيعية من مراحل الحياة مثل الطفولة والمراهقة والشباب، ومثل الموت، إذ تجري حياة البشر في هذه الرحلة التي تنتهي بالتقدّم في السنّ والشيخوخة والموت من دون أن يعوق ذلك الحياة، ومن دون أن يجعل من التقدّم في السنّ كارثة يصعب التعامل معها، فالبشر كانوا دائماً يجدون تعويضات عمّا يأخذه الزمن منهم: تعويض في الحبّ، وفي الزواج، وفي الأولاد، وفي الأحفاد، وفي الإبداع، وفي السفر… إلخ. دائماً كان البشر يتعاملون مع التقدّم في السنّ بوصفه طبيعة الحياة التي لا يمكن لشيء أن يوقف سيرورتها.

غير أنّ التقدّم في السنّ بات يُقدّم في الثقافة الرقمية بوصفه الرعب الذي يأتي به الزمن، خصوصاً مع انتشار تقنيات التجميل الحديثة المترافقة مع حملات دعائية مكثّفة تَعِدُ البشرَ بشباب دائم يعوّض خسارة الجمال والبشرة المشدودة. هكذا صار التقدّم في السنّ خسارة كبيرة للجمال والشباب والحيوية والطاقة يمكن تلافيها باستخدام تقنيات التجميل واللجوء إلى جراحاته ومشارطه التي حوّلت النساء خاصّة إلى نسخ تكاد تكون متطابقة في الشكل، فيصعب تمييز واحدة عن الأخرى. وعلى الرغم من أنّ متوسّط أعمار البشر قد ارتفع كثيراً بسبب تقدّم الطبّ، فإننا أصبحنا أقلّ تصالحاً مع فكرة التقدّم في السنّ عمّا كان عليه أسلافنا، ليس فقط في العلاقة مع أشكالنا وأجسادنا وتجاعيدنا، بل مع فكرة الحياة بحدّ ذاتها، فمع ازدياد مساحة الوعي، وتعميم المعرفة، ازداد قلقنا الوجودي الذي فتح أسئلة كثيرة حول عدمية الحياة، نحن اليوم نعيش حياتنا بوصفها وعياً متواصلاً بالموت. هذا يفسّر كثيراً من حالات الانتحار عند الشباب، ويفسّر أيضاً الانتشار المهول لطبّ التجميل نوعاً من محاولة ردع حلول الزمن في أجسادنا باللجوء إلى تقليل آثاره عبر العمليات الجراحية التجميلية، أو عبر الاهتمام بأنواع الغذاء الصحّي، أو بممارسة أنواع مستحدثة من الرياضات، أو باستخدام المكمّلات التي تنتج منها يومياً عشرات الأنواع، وتُطرح علينا عبر وسائل التواصل الرقمية التي تحوّلت إلى ثقافة جديدة معمَّمة على البشرية كلّها بوصفها حلولاً لمنع الشيخوخة.

تمتلك الثقافة الرقمية دوراً كبيراً في علاقتنا مع أجسادنا المسنّة والمجعَّدة، فهي تستطيع تحويل بشرتنا في ثوانٍ من بشرة مجعَّدة إلى أخرى نضرة وحيوية وصافية، هذا يتطلّب فقط استخدام فلتر ما لصورتنا الحقيقية، ونشرها على واحدة من وسائل التواصل؛ أنا أفعل هذا أحياناً، وأحياناً أكاد أصدّق أنّني هذه أنا التي في الصورة: شابّة ونضرة وحيوية، يكفي فقط أن أنظر في المرآة وأقارن كي أصاب بالصدمة، ولأسارع للبحث عن بديل تجميلي يناسب ميزانيتي يجعلني أُشبه صورتي في الفلتر؛ نحن إلى هذا الحدّ بتنا أسرى الثقافة الرقمية التي تحوّلت إلى منصّات إعلانية للشركات الكُبرى المستفيدة من الخوف الطبيعي من الموت، وتحوّله إلى كابوس يومي ينبغي علينا معه البحث عن حلول وقائية تقدّمها تلك الشركات. وبعد أن كان البشر يتقدّمون في السنّ داخل دوائر اجتماعية محدّدة تحفظ لهم مكانتهم، جعلتهم الثقافة الرقمية اليوم مرئيين لملايين يخضعونهم لمكبّرات فحص غير عادلة وغير إنسانية تقيّم أشكالهم وأجسادهم وتجاعيدهم وسلوكياتهم الشخصية وأخطاءهم البشرية العادية، وتتيح للمراقبين فرصة التنمّر والاستهزاء منهم، أيّاً كان الشخص الذي تحت المُكبِّر ومهما كانت قيمته الفكرية أو العلمية أو الثقافية، من دون أن ينتبه المتنمّرون إلى أنّهم قريباً سيكبرون في السنّ، وأنّ هذا المصير لن يستثنيهم إذا ما حالفهم الحظّ وعاشوا طويلاً. لا ينتبه هؤلاء إلى أنّ التقدّم في السنّ هو امتياز في حدّ ذاته، امتياز من القدر يتيح لصاحبه طول عمر يمكّنه من اختبار تجارب الحياة، وامتياز للأجيال الجديدة التي لولا خبرات المتقدّمين في السنّ لما تمكّنت من رؤية التقدّم الحاصل في الحياة.