كولاج لأعمال ليوناردو دا فينشي، تركيب رقمي، صورة أرشيفية (Getty)

في العاصمة الكازاخستانية أستانة، يحتضن قصر السلام والمصالحة معرض “ليوناردو دا فينشي: عبقري عصر النهضة”، ويقدم قراءةً تفاعليةً موسعةً لإرث أحد أبرز العقول في تاريخ العلم والفن. ويستمر المعرض من 19 مايو إلى 30 سبتمبر/أيلول، جامعاً بين إعادة بناءٍ تاريخيةٍ دقيقة ونماذج تقنية حديثة تتيح للزائر الاقتراب من منطق الاختراع لدى ليوناردو. وتشرف على تنظيم المعرض مؤسسة Astana Concert، بدعم من وزارة الثقافة والإعلام في كازاخستان وبلدية أستانة.

يعرض المشروع أكثر من أربعين نموذجاً ميكانيكياً بالحجم الطبيعي، أُعيد تصنيعها انطلاقاً من رسومات ومخطوطات ليوناردو المعروفة باسم “المجلدات”. وقد نُقلت النماذج من متاحف في روما وفلورنسا، ثم أُعيد تركيبها وفق مقاربةٍ تعتمد على الجمع بين الأرشيف التاريخي والهندسة التطبيقية، ما يسمح باستعادة تصورٍ عملي لاكتشافات ظلت قروناً في شكل رسوماتٍ فقط.

يتوزع المعرض على مساحةٍ تقارب 3000 متر مربع، داخل قصر السلام والمصالحة، ضمن بنيةٍ موضوعيةٍ تقوم على أربعة عناصر؛ الهواء والماء والأرض والنار. ويستثمر هذا التقسيم في إبراز رؤية ليوناردو للطبيعة باعتبارها منظومةً مترابطةً تحكمها الحركة والقوانين الفيزيائية، إذ تتجاور تصاميم الطيران مع الآليات المائية والتقنيات العسكرية والهندسية.

يعرض المشروع أكثر من 40 نموذجاً ميكانيكياً بالحجم الطبيعي، أُعيد تصنيعها انطلاقاً من رسومات ومخطوطات دافنشي

من أبرز المعروضات “المسمار الهوائي” الذي يمثل تصوراً مبكراً لمبدأ المروحية، إضافة إلى نماذج للمظلة، وعربةً ذاتية الحركة تُعد من التصورات الأولى لمفهوم السيارة. كما يتضمن المعرض آلات حربية مستوحاة من شكل درع السلحفاة، صُممت في المخيلة الهندسية لدافنشي كحصن متحرك في ساحة المعركة، إلى جانب آليات تعتمد التروس والمحامل الكروية وأنظمة نقل الحركة التي ما تزال أساساً في الهندسة الحديثة.

يقدم المعرض النماذج الميكانيكية، ويوظف تقنيات عرضٍ معاصرة تشمل أنفاق LED والإسقاطات الرقمية والتركيبات الهولوغرافية، بهدف إعادة بناء طريقة عمل هذه الاختراعات بصرياً. كما تعرض نسخ رقمية من أعماله الفنية، بما في ذلك “الموناليزا”، في محاولة لربط الجانب العلمي بالإبداع التشكيلي في مشروع واحد.

وتكمل التجربة التفاعلية شهادات القائمين على المعرض، الذين يشيرون إلى تفاعل الجمهور، خصوصاً في أجنحة الطيران والآلات العسكرية، حيث تبرز أسئلة الزوار حول حدود الخيال العلمي في عصر النهضة، وإمكانات التقنية قبل قرون من تطورها الحديث.

بهذا المزج بين الأرشفة التاريخية والتكنولوجيا المعاصرة، يقدم معرض أستانة قراءةً معاصرة لشخصية ليوناردو دا فينشي، مشكّلاً نموذجاً للعالم المخترع، الذي سبق زمنه في مقاربة العلاقة بين الملاحظة والاختراع.