المايسترو لبنان بعلبكي
يأسرني صوت أمي العذب وهي تختم لي حكايتها الليلية كلما ازدحمت في رأسي الذكريات، كلما رأيت مشاهد الدمار التي لحقت بقرى الجنوب المخضّب بالجمال أستذكر بعضاً من مشاهد طفولتي وأنا أشاهد معجزة الفصول تتوالى ألواناً على حقول وهضاب ممتدة.
أسمع أصوات كبار السن متّجهين إلى حقولهم مع عذوبة الفجر وكأنها صدىً لسنين عاشت في إيقاع هادئ يضبطه الثبات والتجذر.
أستيقظ في كل صباح أبحث عن هذا الصمت، صمت القرى في ذاكرة الأطفال، أبحث عن تلك الحكاية، عن ذلك الفجر التالي الموعود، عن ذلك السلام..
كيف لتلك الحكاية أن تصبح سجناً لا يمكن الانعتاق منه؟
ألجأ إلى الصور، أعيد ترتيبها، أتأكد أنها كانت حقيقية، أقاوم في الاستسلام، أقلّبها ثم أعيد التمعّن فيها، أكرر وأكرر..
أتمسّك فلا تجرفني الحياة فأتقبل، أريد أن لا أنسى علّني أستيقظ في صباح ما وتأخذني اللهفة إلى حديقة المنزل المهشّم، إلى فيء الصنوبر حيث يرقد والداي في غرفة تشبه الصومعة، كيف لا يُدفنان في حديقة منزلهما وهما بنيا حلمهما حجرة حجرة بالصبر والحلم والإصرار؟
تراودني تلك الرحلة في المنام، يا لأحلام العجز كم هي قاسية!
من سوف يروي حكايات تلك المنازل، تلك العتبات التي تضج بشوق الزيارة والترحاب؟
من سوف يعيد لذلك القرميد حُمرته المستحقة؟ من يعيد لتلك الحجارة ارتصافها؟
“أيه يا ابني” تلك هي الحروب عندما تصبح مقامرة بما هو أغلى من بنيان وحجارة فتخطف من الحياة روحها.
