
باتريسيا هاشم: منذ أيام، أثار النجم التونسي صابر الرباعي الكثير من التفاعل بعدما تحدث في مقابلة مع الإعلامي محمد قيس عن فكرة الاعتزال، موضحاً أنه قد يفكر في هذه الخطوة في اليوم الذي يشعر فيه بأنه لم يعد قادراً على تقديم أفضل ما لديه، أو عندما يلمس أن الجمهور لم يعد ينتظره بالشغف نفسه الذي رافقه طوال مسيرته.
هو كلام يشبه صابر الرباعي تماماً؛ فالفنانون الحقيقيون وحدهم يخشون أن يخذلوا جمهورهم، وأصحاب التجارب العظيمة وحدهم يملكون تلك الحساسية المفرطة تجاه تاريخهم الفني وصورتهم في وجدان الناس. لكن، وعلى الرغم من كل الاحترام الذي نحمله لهذا المنطق الراقي، لا نستطيع أن نخفي شعوراً بالرفض كلما سمعنا صابر الرباعي يتحدث، ولو من باب الفرضية، عن فكرة الاعتزال.
ليس لأننا نرفض حق الفنان في اتخاذ قراراته، بل لأن الفنانين من طينة صابر الرباعي لا يمكن النظر إليهم كأسماء عابرة في المشهد الفني. هؤلاء يتحولون مع الوقت إلى جزء من الذاكرة الجماعية، إلى أصوات تسكن وجدان الناس، وإلى علامات مضيئة في تاريخ الفن العربي.
بعض الفنانين يحققون النجاح، وبعضهم يصنعون النجومية، أما القلة النادرة فتتحول إلى قيمة فنية مستقلة عن الزمن، وهذا تحديداً ما فعله صابر الرباعي على امتداد سنوات طويلة من العطاء. فهو لم يكن يوماً مجرد مطرب يمتلك صوتاً جميلاً، بل حالة فنية متكاملة جمعت بين الموهبة الاستثنائية والإحساس الصادق والثقافة الموسيقية والاحترام العميق للفن والجمهور.
ولهذا السبب تحديداً، يبدو الحديث عن الاعتزال، حتى وإن كان مجرد فكرة أو احتمال مستقبلي، أمراً يصعب تقبله.
فثمة مرحلة في حياة الفنان لا يعود فيها مطالباً بإثبات وجوده، لأنه يكون قد تجاوز هذه المرحلة منذ زمن طويل. هناك لحظة يصبح فيها الفنان جزءاً من تاريخ فنه، لا مجرد مشارك فيه. عندها لا يعود حضوره مرتبطاً بعدد الأغنيات التي يصدرها، ولا بعدد الحفلات التي يحييها، ولا بحجم ظهوره الإعلامي، بل بما يمثله اسمه من قيمة وما يتركه حضوره من أثر…وصابر الرباعي بلغ هذه المرتبة منذ سنوات.
هو ليس مطالباً بأن يملأ روزنامته بالمهرجانات، ولا بأن يلاحق إيقاع الساحة كما يفعل الفنانون في بداياتهم. فالفنان الكبير لا يُقاس بكثافة حضوره، بل بوزن حضوره. وهناك نجوم يركضون خلف الضوء، وهناك نجوم يصبحون هم الضوء نفسه. وصابر الرباعي من الفئة الثانية؛ يكفي أن يطل بين حين وآخر ليعيد تذكير الجميع بمعنى الطرب الحقيقي، ويكفي أن يقف على المسرح مرة واحدة ليمنح جمهوره ما قد تعجز عشرات الحفلات الأخرى عن منحه.
يمكنه أن يختار أعماله بتأنٍ أكبر، وأن يقلل من إطلالاته، وأن يتحول كل ظهور له إلى حدث استثنائي ينتظره الناس بشوق. هذا حق طبيعي لفنان أمضى عقوداً في القمة. أما التفكير بالابتعاد عن الساحة، فهو أمر يبدو قاسياً على جمهور لا يزال يجد في صوته ذلك السحر نفسه الذي عرفه منذ البدايات.
صابر الرباعي ليس مجرد صوت جميل. الأصوات الجميلة كثيرة. لكنه حالة فنية نادرة، واحدة من تلك المعجزات التي لا تتكرر إلا مرة كل عقود طويلة. موهبة وُلدت مكتملة العناصر؛ صوتاً وإحساساً وثقافة وحضوراً وأخلاقاً فنية جعلت منه اسماً يزداد قيمة كلما مرّ الزمن.
وفي زمن أصبحت فيه الضوضاء تُسوّق على أنها فن، وأصبحت الشهرة تُمنح أحياناً لمن لا يملكون الحد الأدنى من الموهبة، يبدو الحديث عن اعتزال فنان بحجم صابر الرباعي أشبه بخسارة جديدة للفن العربي الذي يتكئ اليوم على ما تبقى من أصواته الأصيلة وما زال يمثل أحد آخر حصون الطرب والأصالة والاحتراف.
ندرك جيداً أن صابر الرباعي لم يتحدث عن الفكرة من باب التعب أو الرغبة في الرحيل، بل من باب مسؤوليته الكبيرة تجاه فنه وجمهوره. وندرك أيضاً أن الفنان الحقيقي هو أول من يراقب نفسه ويحاكم تجربته بصدق. لكننا في المقابل نعرف أن بعض المواهب لا تخص أصحابها وحدهم، بل تصبح ملكاً لذاكرة الناس ومحبتهم.
وصابر الرباعي واحد من هذه المواهب النادرة.
لذلك، لا نتمنى أن نسمع منه مجدداً حديثاً عن الاعتزال، حتى لو كان مجرد احتمال. لأن الأصوات العادية قد تغيب من دون أن يتغير شيء، أما الأصوات التي صنعت تاريخاً ورافقت أجيالاً كاملة من المستمعين، فإن مجرد التفكير بغيابها يترك فراغاً لا يمكن تعويضه.
صابر… إذا كان الفن العربي قد أنجب الكثير من النجوم، فإنه لم يُنجب كثيراً من أمثالك. وإذا كانت السنوات قادرة على أن تُطفئ بريق أسماء كثيرة، فإنها وقفت عاجزة أمام موهبتك، لأن الموهبة الحقيقية لا تشيخ، بل تزداد هيبة كلما تقدمت في العمر.
خفف إن شئت، تمهّل إن أردت، اختر حضورك كما يحلو لك… لكن لا تلوّح للاعتزال …