فقد الأدب العراقي، برحيل الروائية والقاصة والكاتبة المسرحية والمترجمة سميرة المانع في 19 يونيو/ حزيران الجاري بلندن، عن عمر 91 عامًا، واحدةً من أبرز الأسماء التي شكلت مشهد أدب المنفى والاغتراب في الأدب العربي المعاصر. وبالرغم من أنها عاشت الجزء الأكبر من حياتها في العاصمة البريطانية، فإن العراق ظل نابضًا في عروق نصوصها، ممتزجًا بأسئلة الهوية، والغربة، وصدمة الثقافات.
ولدت سميرة المانع في مدينة البصرة جنوب العراق، وعاشت فيها إلى سن الرابعة، ثم انتقلت مع الأسرة إلى بلدة “الزبير”، وهناك دخلت المدرسة الابتدائية، ثم انتقلت إلى البصرة لتكمل فيها دراستها المتوسطة والثانوية، ونشأت في بيئة جنوبية غنية بالحكايات والتحولات السياسية. ذهبت لاحقًا إلى بغداد لتكمل دراستها في دار المعلمين العالية (كلية التربية حاليًا). وفي منتصف الستينيات (عام 1965 بالتحديد)، غادرت العراق رفقة زوجها الدكتور والناقد صلاح نيازي ليستقرا في لندن. وقد جعلها هذا الانتقال المبكر من رائدات “أدب المنفى”؛ إذ لم يكن الاغتراب عندها مجرد جغرافيا بديلة، بل تحول إلى مختبر تفكيك للذات الشرقية وهي تواجه الآخر الغربي.
في لندن عملت المانع أمينة مكتبة، ومعلمةً للغة العربية، وأسهمت بقوة في المشهد الثقافي العربي عبر تأسيس مجلة “الاغتراب الأدبي” مع زوجها، وهي المجلة التي غدت لسنوات طويلة منبرًا حرًا للأدباء العراقيين والعرب المغتربين.
تميزت الكتابة الروائية عند سميرة المانع بخصائص جعلت صوتها فريدًا وغير غارق في النمطية الكلاسيكية، ومن أبرز ملامحها:
ــ الواقعية النفسية واليومية: لا تميل المانع إلى الخطابات الملحمية الكبرى، بل تلتقط التفاصيل اليومية الصغيرة (العلاقات الإنسانية، طوابير الانتظار، حوارات المقاهي) وتحولها إلى مرايا تعكس أزمات وجوديةً عميقةً.
ــ اللغة المتقشفة والساخرة: تمتاز لغتها بالبساطة والوضوح، مع مسحة ذكية من السخرية المبطنة (Black Humor) التي تستخدمها كآلية دفاعية لمواجهة قسوة الغربة، أو انكسارات الواقع السياسي.
ــ صوت المرأة الواعي: نساء سميرة المانع لسن ضحايا مستسلمات، بل هن نساء مفكرات، مثقفات، يحللن واقعهن، ويبحثن عن التوازن بين موروثهن الشرقي والحرية الغربية المتاحة لهن.
سميرة المانع رفقة زوجها الدكتور والناقد صلاح نيازي
“في لندن، عملت المانع أمينة مكتبة، ومعلمةً للغة العربية، وأسهمت بقوة في المشهد الثقافي العربي عبر تأسيس مجلة “الاغتراب الأدبي” مع زوجها”
أصدرت سميرة المانع روايات عدة، ومجموعات قصصية، ونصوصًا مسرحية، لكن يمكننا تتبع نضجها الروائي وفلسفتها من خلال رواياتها: “السابقون واللاحقون”؛ “الثنائية اللندنية”؛ “حبل السرّة”؛ “القَامعون”، و”من لا يعرف ماذا يريد”، ومجموعتيها القصصيتين: “الغناء”، و”الروح وغيرها”، ومسرحيتها “النصف فقط”.
تُعد رواية “السابقون واللاحقون”، التي صدرت عام 1972، من أوائل الأعمال التي رصدت بواكير الهجرة العراقية إلى أوروبا قبل الطفرات الكبرى في الثمانينيات والتسعينيات. وهي تتناول صدمة اللقاء الأول بالغرب، مسلّطةً الضوء على الهوة بين جيلين من المهاجرين: “السابقون” الذين سافروا طلبًا للعلم، أو التجارة، واحتفظوا بنقاء هوياتهم، و”اللاحقون” الذين قذفت بهم التحولات السياسية والاضطرابات. وبذلك فهي تشريح مبكر لمفهوم “التمزق الهوياتي”.
وتشكّل رواية “الثنائية اللندنية” (1979) علامةً فارقةً في مسيرة المانع الإبداعية، إذ يظهر فيها النضج الأسلوبي في معالجة ثنائية (الشرق/ الغرب). وقد اصطدمت الرواية بمقص الرقيب في العراق، وتعرضت للمصادرة من طرف السلطات، هي وجميع كتب المؤلفة، خلال عهد النظام السابق. وتدور حول شخصيات عربية من بلدان عدة تعيش في لندن وتعاني اغترابًا، وتشير إلى حادث اغتيال سعيد حمامي، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية بلندن، سنة 1979 على يد مجهولين يشتبه أنهم عراقيون.
تقع أحداث الرواية في الفضاء اللندني، وتركز على تعقيدات العلاقات العاطفية والاجتماعية للمغترب العربي. البطلة هنا تعيش حالة من “المراقبة”، تراقب المجتمع الإنكليزي ببروده وتقاليده الصارمة، وتراقب الجالية العربية الغارقة في حنينها، أو في صراعاتها الهامشية. وتشرّح الرواية وهم “الفردوس الغربي”، وتبين أن الغربة سجن من نوع آخر إذا لم يمتلك الإنسان تصالحًا داخليًا مع ذاته.
كتبت المانع رواية “حبل السرّة” (1990) في فترة حرجة من تاريخ العراق المعاصر، وهي فترة الحروب والحصار. ولذلك جاءت مشحونةً بالرمزية والترقب، فـ”الحبل” هنا ليس مجرد أداة مادية، بل رمز للروابط غير المرئية التي تشد المغترب إلى وطنه مهما حاول الانعتاق. وتحلل الرواية سيكولوجية الخوف والقلق التي يعيشها العراقي في الخارج وهو يتابع أخبار وطنه المحترق من بعيد. ويمكن القول إنها دراسة عميقة لـ”عقدة الذنب” التي تصيب الناجين في المنافي في حين يواجه أهلهم الموت اليومي.
أما “القَامعون” (1997)، فهي رواية قصيرة (Novella)، وقد جنّسها بعض النقّاد بأنها قصة طويلة، وتتناول في سردها شخصيةً واحدةً محوريةً، وحولها دارت فكرة حقوق المرأة في مجتمع إقطاعي، أو هو واقع ناتج عن هذا المجتمع في العهد الملكي بقيت فيه المرأة أسيرة تقاليده وأعرافه. وتتسم الرواية بكونها عملًا سياسيًا واجتماعيًا جريئًا، تلتفت فيه المانع إلى تشريح آليات الديكتاتورية والقمع وسلوكيات السلطة ومجتمعات الخوف. وتذهب إلى أبعد من ذلك لتحلَل كيف يتسرب القمع إلى البنية الاجتماعية، العائلية، وحتى العاطفية، ويصبح سلوكًا يوميًا يمارسه الأفراد ضد بعضهم بعضًا، وتكشف كيف يهرب الإنسان من قمع وطنه ليجد نفسه يمارس قمعًا من نوع آخر في بيئته الجديدة.
“تشكّل رواية “الثنائية اللندنية” (1979) علامةً فارقةً في مسيرة المانع الإبداعية، إذ يظهر فيها النضج الأسلوبي في معالجة ثنائية (الشرق/ الغرب)”
تغوص رواية “من لا يعرف ماذا يريد” (2010) في واقع المغترب العراقي والعربي، وتقف على أزمة الهوية والشتات بأسلوب يجمع بين السخرية المبطنة والعمق الإنساني. وهي تتمحور حول فكرة “الضياع والتشتت” التي يعيشها الإنسان عندما يجد نفسه ممزقًا بين وطنه الأم الذي غادره مكبلًا بالحروب والاضطهاد، وبين المنفى (لندن تحديدًا) الذي يوفر الأمان الجسدي، لكنه يفرض عزلةً روحيةً وفكريةً خانقةً.
عنوان الرواية يلخص بذكاء الأزمة الوجودية لأبطالها؛ فالمنفى هنا ليس مجرد مكان جديد، بل هو حالة من “التيه”، حيث يفقد الفرد بوصلته، وتصبح خياراته هشّةً ومترددةً، عاجزًا عن الاندماج الكامل في المجتمع الغربي، وفي الوقت نفسه عاجزًا عن العودة أو قطع الحبال الروحية مع الوطن. هذا التذبذب يجعل الفرد “لا يعرف ماذا يريد”؛ هل يريد الاستقرار وبناء حياة جديدة، أم يريد العيش على أمل العودة المستحيلة؟ وثمة صراع الأجيال من خلال مقارنة ذكية بين الجيل الأول من المهاجرين، الذين يحملون مرارة الذكريات وحنين الماضي، والجيل الجديد الذي ولد أو نشأ في الغرب ويحاول تشكيل هوية هجينة ومختلفة تمامًا.
رحلت سميرة المانع تاركةً خلفها إرثًا غنيًا لم ينل ــ للأسف ــ الحظ الأوفر من القراءات النقدية السائدة، ربما بسبب انزوائها الاختياري بعيدًا عن صخب المنصات والإعلام، وإصرارها على النشر المستقل. لكن رواياتها تظل مراجع أساسيةً لكل من يريد فهم “السيكولوجية العراقية” في القرن العشرين؛ تلك السيكولوجية المتأرجحة بين ذاكرة النخيل الطرية في الجنوب، ورصيف شتات بارد في لندن.
إنها الكاتبة التي لم تبع وطنها شعارات، بل كتبت عنه بدموع هادئة وحبر صادق.
