دبي – رحاب حلاوة، سعيد الوشاحي
«الحصة بـ20 درهماً فقط».. «معلم يصل إلى باب المنزل».. «رفع درجات الطلبة خلال أسابيع».. عبارات أصبحت تتكرر يومياً عبر إعلانات ممولة تجتاح منصات التواصل الاجتماعي، مستهدفة أولياء الأمور والطلبة، مع اقتراب الاختبارات، في ظاهرة تعكس تحولاً كبيراً في سوق الدروس الخصوصية بالدولة.


فبعد سنوات كانت فيها الحصص الخاصة كالبورصة، تصل أسعار بعضها إلى 500 درهم للحصة الواحدة، تغير المشهد بصورة لافتة، مع انتشار المنصات التعليمية الرقمية، وصدور توجيهات رسمية تسمح بممارسة التدريس الخصوصي بصورة قانونية، الأمر الذي أسهم في زيادة عدد مقدمي الخدمة، وأوجد منافسة واسعة، أدت إلى انخفاض الأسعار بشكل غير مسبوق.
فلم تعد الدروس الخصوصية تعتمد على المجموعات التقليدية أو المعلمين المعروفين داخل الأحياء السكنية، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة، تقودها المنصات الإلكترونية والإعلانات الترويجية التي تظهر بشكل مكثف عبر وسائل التواصل، مقدمة عروضاً تبدأ من 20 درهماً للحصة الواحدة، مع وعود بتحسين الدرجات، وتقديم متابعة فردية للطالب داخل المنزل أو عن بعد.
ويرى تربويون أن هذا التحول جاء مدعوماً أيضاً بالتنظيم الحكومي لمهنة التدريس الخصوصي، والذي وفّر إطاراً قانونياً واضحاً للراغبين في تقديم هذه الخدمة، وأسهم في انتقال جزء كبير من السوق من الممارسات الفردية غير المنظمة، إلى منصات وشركات تعليمية تعمل بصورة أكثر وضوحاً.
تصريح خلال يومين
وأكدت وزارة الموارد البشرية والتوطين لـ«البيان»، أن مدة إنجاز خدمة إصدار تصريح عمل جديد لمزاولة مهنة التدريس الخصوصي لا تتجاوز يومي عمل فقط، بعد استكمال جميع الشروط والمستندات المطلوبة، وذلك في إطار جهودها لتنظيم قطاع التدريس الخصوصي، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم.
وأوضحت الوزارة أن الخدمة متاحة للطلبة والعاملين والباحثين عن عمل والمدرسين الراغبين في ممارسة التدريس الخصوصي بصورة قانونية، حيث تبدأ الإجراءات بتسجيل الدخول باستخدام الهوية الرقمية، وتقديم الطلب إلكترونياً عبر الموقع الإلكتروني أو التطبيق الذكي للوزارة، ليتم تدقيق الطلب.
والتحقق من استيفاء الشروط قبل إصدار التصريح. وأشارت إلى أن التصريح مجاني بالكامل، وتبلغ مدة صلاحيته سنتين، كما يتيح العمل وفق أنماط متعددة، تشمل الدوام الكامل والجزئي والعمل المؤقت والمرن والعمل عن بعد، بما يعزز مرونة سوق العمل، ويوفر فرصاً إضافية للراغبين في تقديم خدمات التدريس الخصوصي.
وأكدت الوزارة أنها أصدرت منذ إطلاق الخدمة آلاف التصاريح التي ساهمت في تنظيم سوق الدروس الخصوصية، وضمان حوكمة هذه الممارسة خارج المؤسسات التعليمية، مع حفظ حقوق الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور.
وأكدت وزارة الموارد البشرية والتوطين أن هناك اشتراطات وضوابط واضحة لممارسة النشاط، من بينها التوقيع على ميثاق التدريس الخصوصي، والإفصاح عن أي تضارب محتمل في المصالح.
كما يحظر على المعلم تقديم دروس خصوصية لأي طالب منتسب إلى المدرسة التي يعمل بها، إضافة إلى الالتزام بسرية المعلومات الخاصة بالطلبة وأولياء الأمور. وأوضحت الوزارة أن تقديم الدروس داخل المنازل مسموح به ضمن الضوابط المعتمدة، مع الالتزام بحدود النشاط التعليمي، وعدم تجاوزها إلى أي ممارسات أخرى غير مصرح بها.
من جهته، أوضح الخبير التربوي محمد عبيدات، أن تنظيم مهنة التدريس الخصوصي أسهم بصورة مباشرة في زيادة المعروض من الخدمات التعليمية المساندة داخل السوق.
وقال: إن أسعار بعض الحصص الفردية كانت تتراوح قبل سنوات ما بين 300 و400 و500 درهم للحصة الواحدة، نظراً لقلة المعلمين الممارسين بصورة قانونية، واعتماد السوق على العلاقات الشخصية والسمعة الفردية.
وأضاف أن السماح للمعلمين والطلبة والباحثين عن عمل بالحصول على تصاريح رسمية للتدريس الخصوصي أدى إلى دخول أعداد كبيرة من مقدمي الخدمات التعليمية إلى السوق بالتزامن مع ظهور منصات إلكترونية متخصصة في التسويق لهذه الخدمات.
مشيراً إلى أن المنافسة الجديدة دفعت كثيراً من المنصات إلى تقديم عروض تبدأ من 20 درهماً للحصة الجماعية، أو المراجعات المكثفة، ما جعل الدعم الأكاديمي متاحاً لشرائح أكبر من الأسر، مقارنة بما كان عليه الوضع سابقاً.
من جانبه، أكد المعلم الدكتور محمد فتحي، أن منصات الدروس الخصوصية أصبحت تستخدم أدوات تسويق إلكتروني متطورة تستهدف أولياء الأمور مباشرة، موضحاً أن بعض الإعلانات يتم توجيهها وفق المرحلة الدراسية أو المنطقة السكنية، أو حتى اهتمامات المستخدمين على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقالت المعلمة سها القدسي، إن الإعلانات الرقمية خلقت منافسة قوية بين المعلمين والمنصات التعليمية، حيث أصبح كثير من المعلمين يلجؤون إلى التسويق الشخصي عبر حساباتهم الخاصة لجذب الطلبة. وأوضحت أن بعض المنصات تقدم عروضاً جماعية، وخصومات كبيرة خلال فترات الامتحانات، ما أدى إلى انتشار ثقافة «الحصة السريعة»، التي تعتمد على المراجعات المكثفة، بدلاً من بناء الفهم الحقيقي للمادة.
أسعار مغرية
وقالت ولية الأمر هبة محمد، أن الأسعار المنخفضة أصبحت عاملاً أساسياً في توجه بعض الأسر نحو هذه المنصات، خاصة مع ارتفاع تكاليف التعليم والأنشطة المدرسية.
وأوضحت أن بعض الإعلانات تعرض حصصاً جماعية بأسعار تبدأ من 20 درهماً فقط، مع توفير مراجعات وتجهيز للاختبارات، ما يجعلها تبدو فرصة مناسبة للأسر التي لديها أكثر من طفل.
وأضافت أن سهولة الحجز والدفع الإلكتروني واستقبال المعلم داخل المنزل، جعلت الكثير من الأسر تعتمد على هذه الخدمات بشكل متكرر، موضحة أن المنافسة الكبيرة بين المنصات، أدت إلى انخفاض واضح في الأسعار.
وقالت الاختصاصية النفسية الدكتورة ميساء عبدالله، إن الإعلانات المكثفة للدروس الخصوصية قد توجد شعوراً دائماً لدى الطالب بأنه غير قادر على النجاح دون دعم خارجي.
وأوضحت أن بعض الطلبة أصبحوا يربطون التفوق الدراسي بعدد الحصص الخاصة التي يحصلون عليها، ما يضعهم تحت ضغط نفسي مستمر، ويؤثر في ثقتهم بأنفسهم. وأكدت أهمية تحقيق توازن بين الدعم الأكاديمي، وتعزيز مهارات الاعتماد على الذات، حتى لا يتحول الطالب إلى متلقٍ دائم، ينتظر الحلول الجاهزة.
