لم تعد تقاس الدول في عالم اليوم بحجم ميزانياتها أو بقدراتها العسكرية وحدها، كما لم يعد النفوذ الدولي مرتبطاً فقط بما يمتلك من موارد وثروات، فيما يتمثل المعيار الحقيقي للنجاح في القرن الـ 21 بالقدرة على التكيف مع المتغيرات وإدارة الأزمات، والحفاظ على الاستقرار الداخلي مهما تعاظمت التحديات على تنوعها سياسية كانت، أمنية، أو اقتصادية، أو حتى جيوسياسية.

لقد نجحت دولة الإمارات في ترسيخ مكانتها واحدة من أكثر دول العالم قدرة على التكيف مع المتغيرات والتعامل مع الظروف الاستثنائية، إذ أثبت مشروع الدولة ومنذ قيام الاتحاد على يد الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، النهج الثابت والمرتكز على رؤى استراتيجية تعزز كفاءة المؤسسات، بما لا يغفل تطوير البنى وترسيخ الأمن والاستقرار المستدامين.

تحدي

مثّل التصعيد في المنطقة وما صحبه من تداعيات تحدياً لقدرة الدول على الردع والتكيف معاً، بما لا ينال من أمنها وكفاءة اقتصاداتها، لتكون الإمارات خير نموذج، ومثالاً يحتذى في مجابهة الظروف.

لم تعصف رياح التوتر التي هبت على المنطقة وعلى امتداد شهور بما حققت بعض دولها من نجاحات غير مسبوقة في كل مجال وحقل، فها هي الإمارات تثبت للكل أنها صلدة، محتاطة ومتأهبة وعصية على الانكسار في آن.

فرض الواقع المعقد تحديات مزدوجة على الإمارات، سواء من تداعيات المشهد الأمني الإقليمي من جهة، ومن الأخرى حملات إعلامية مضللة اعتمدت على نشر مقاطع  مفبركة، وروايات مضللة هدفت إلى صناعة حالة من الإرباك النفسي ، إلا أن أرض الواقع أثبتت قوة الدولة وكرست مشهداً مغايراً بدت فيه الإمارات أقوى والحياة تسير على طبيعتها.. الأسواق مزدهرة، والمراكز التجارية تعج بروادها، فيما المطارات والموانئ والمناطق الاقتصادية في قمة أدائها الاستثنائي الكفء.

أمن اقتصادي

لم يقتصر أثر جاهزية الإمارات على الاستقرار الأمني فقط، بل أمن اقتصادي واستدامة سلاسل إمداد كإحدى ركائز الأمن الوطني الشامل، إذ لم يمنع المشهد وتعقيداته الدولة من تأمين إمداد مستمر لا ينقطع للسلاسل، بما جعل من الأزمة والعدم سواء، لا نقص في السلع والمستلزمات الضرورية من الأسواق، الوقود متوفر والأسعار كما العهد بها تحت السيطرة بفضل منظومة رقابية استباقية وإجراءات تنظيمية صارمة ضمنت استقرار الأسواق وحماية المستهلك، ما أظهر وبجلاء قدرة الدولة على الفصل بين تداعيات الأزمات الإقليمية واستمرارية دوران الاقتصاد، ما عزز مكانة الدولة نموذجاً للأمن الاقتصادي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي

الوفاء بالإلتزامات الإنسانية

كما لم تؤثر التطورات الإقليمية على دور الإمارات الإنساني، بل وبالوتيرة نفسها استمرت في الوفاء بالتزاماتها الدولية تجاه مواطن الأزمات على غرار غزة، إذ انطلق «الفارس الشهم» في مهمته المعتادة لإغاثة المحتاجين وإيصال المساعدات للمستحقين وفق ما رسم من خطط. ما اعتادت الإمارات ومنذ قيام الاتحاد قبل أكثر من 5 عقود على التخلي عن مسؤولياتها الإنسانية، بل على العكس تعزز إيمانها بمحورية الدبلوماسية والعمل الإنساني خير سفيرين لصورتها بين الشعوب والأمم،

لقد أظهرت الأزمة معدن مجتمع الإمارات الحقيقي، جلده وتماسكه في وجه المحن، لم يكن الأمر صدفة بل ثمرة مسيرة طويلة من بناء الهوية الوطنية وتعزيز الثقة بين القيادة والمجتمع. كشف المجتمع، مواطنين ومقيمين، قدراً عالياً من التماسك والوعي والمسؤولية في التعامل بكثير من الهدوء والثقة مع التطورات، مستنداً إلى قناعة راسخة بكفاءة مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة مختلف السيناريوهات.

 وعي  مجتمعي

ما خاب رهان الإمارات على إنسانها، الاستثمار في قدراته أحد أهم القرارات الاستراتيجية للدولة منذ التأسيس الميمون، تعامل المواطنون والمقيمون مع التطورات بروح الانضباط والوعي، لم تلتفت مختلف فئات المجتمع لما يقصد من بلبلة بل انصرفت لممارسة أعمالها وأنشطتها اليومية الاعتيادية، في رسالة تؤكد أن الاستقرار لا تصنعه المؤسسات الحكومية وحدها، بل أيضاً مجتمع يمتلك وعياً وطنياً وثقافة مؤسسية وقدرة على التمييز بين الحقائق وحملات التضليل الإعلامي.

وقد شكل هذا التلاحم المجتمعي أحد أهم عناصر القوة الوطنية الشاملة التي عززت من قدرة الدولة على تجاوز المرحلة بثقة.

قدم المجتمع الإماراتي نموذجاً مختلفاً في التعاطي مع الفضاء الرقمي، إذ غلبت المسؤولية الوطنية على ردود الأفعال، وتراجعت فرص انتشار الشائعات أمام سرعة تداول المعلومات الرسمية وارتفاع مستوى الوعي المجتمعي.

ويعكس نجاح الإمارات في بناء ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ «المناعة المجتمعية»، أي قدرة المجتمع على مقاومة الحرب النفسية والحرب المعلوماتية دون أن تتأثر وحدته الداخلية أو ثقته بمؤسسات الدولة، وهو عنصر أصبح اليوم جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي للدول الحديثة.

ولعل المشهد الأكثر دلالة خلال تلك المرحلة تمثل في استمرار الحياة اليومية بصورة طبيعية، فقد بقيت المدارس والجامعات والقطاعات الاقتصادية والأسواق والمطارات والموانئ تعمل بكامل كفاءتها، واستمرت الفعاليات الاقتصادية والسياحية والثقافية دون اضطراب..

تلاحم وطني

لم يكن ذلك مجرد مؤشر على قوة البنية التحتية أو كفاءة الإدارة الحكومية فحسب، بل كان انعكاساً لوعي مجتمع أدرك أن أفضل رد على محاولات بث الخوف هو الحفاظ على دورة الحياة الطبيعية.. وهكذا أثبت المجتمع الإماراتي، إلى جانب مؤسسات الدولة، أن التماسك الوطني يمثل خط الدفاع الأول، وأن الثقة المتبادلة بين القيادة والشعب هي الركيزة الأساسية لاستدامة الأمن والاستقرار في مواجهة مختلف التحديات.

لقد أثبتت التجربة أن قوة الإمارات لا تكمن فقط في قدراتها الدفاعية أو إمكاناتها الاقتصادية، بل ما تمتلك من مناعة وطنية وصلابة مؤسسية ومرونة استراتيجية مكنتها من امتصاص آثار الأزمات دون أن تتعطل دورة الاقتصاد أو تتراجع خطط التنمية أو تتأثر ثقة المجتمع.وفي الأدبيات السياسية، يعد هذا النموذج أحد أبرز تجليات «الدولة المرنة» القادرة على إدارة المخاطر المركبة، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية.

الدبلوماسية 

واصلت الدولة نهجها القائم على الحوار وخفض التوتر وتغليب الدبلوماسية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن التصعيد لا يحقق استقراراً ولا أمناً مستداماً، بل ببناء جسور الثقة وتعزيز المصالح المشتركة. وخرجت الإمارات من الأزمة أكثر حضوراً وتأثيراً، بل ترسيخ مكانتها شريكاً موثوقاً في دعم مسيرة الاستقرار والسلام، ونموذجاً للدولة التي تجمع الردع والمرونة، الحكمة واستشراف المستقبل.

لم يكن النموذج وليد صدفة، بل نتيجة مشروع وطني متكامل انطلق منذ قيام الاتحاد، واستند إلى قناعة راسخة بأن الأمن القومي لا يبنى بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بمنظومة شاملة تجمع بين الاقتصاد المتنوع، والمؤسسات الفاعلة، والحوكمة الرشيدة، والاستثمار في رأس المال البشري، والدبلوماسية المتوازنة، لذلك كله استطاعت الإمارات تجاوز محطات مفصلية عدة، من الأزمة المالية العالمية 2008، إلى جائحة كورونا في العام 2020، ونجاح أذهل العالم في استضافة معرض إكسبو 2020 دبي رغم الظروف القاهرة واللحظة الاستثنائية التي شلت الكوكب بأكمله، فيما مثل احتضان الدولة مؤتمر المناخ العالمي COP28 أواخر العام 2023 خير دليل على مقدرة لا تضاهى في التنظيم وإدارة الأزمات وقهر التحديات.

واليوم تخترق الإمارات حُجب المستقبل، برؤية القيادة الرشيدة التي جعلت من المرونة الاستراتيجية واستشراف المستقبل والعمل الإنساني والدبلوماسية المتوازنة، ركائز ثابتة في سياستها الوطنية. لم تعد تجربة الإمارات مجرد قصة نجاح وطنية، بل مثال تسير على هداه كل دولة أرادت صنع المجد وارتقاء سبل النهضة.