لا أريد أن أكون صوتًا يعكّر فرحة اليمنيين، ولا أن أقلل من قيمة أي طفل أو شاب يمني ينجح في برنامج عربي كبير. على العكس، أشعر بالفخر كلما رأيت موهبة يمنية تصل إلى جمهور واسع، وأتمنى النجاح للموهبة اليمنية لمى قيس (الفائزة في برنامج “ذا فويس كيدز” 2026) ولكل المبدعين اليمنيين داخل الوطن وخارجه. لكن الاحتفال لا ينبغي أن يمنعنا من التفكير في سؤال أكثر أهمية: ماذا يحدث للثقافة اليمنية على المدى البعيد؟
المشكلة ليست في لمى قيس، وليست في أي متسابق يمني، وليست حتى في برامج المواهب نفسها. المشكلة تكمن في أن اليمن، منذ سنوات طويلة، تخلى – أو اضطر إلى التخلّي – عن دوره في صناعة أو حتى دعم نجومه وثقافته بالقليل. وزارة الثقافة اليمنية في صنعاء وعدن لا تفعل شيئًا، وربما الميزانيات مخصصة فقط لمن يتولى منصب الوزير وشلة قليلة معه. في ظل هذا الوضع اليمني الكارثي، أصبحت مؤسسات إعلامية خارجية هي التي تكتشف مواهبه، وتدربها، وتحدد معايير نجاحها، وتقدمها للجمهور العربي.
هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، لكنها تعمقت مع انهيار كل المؤسسات الثقافية والإعلامية والإبداعية اليمنية، حتى أصبح الطفل اليمني يحلم بالظهور في برنامج خارجي أكثر مما يحلم بالنجاح في برنامج يمني، لأنه ببساطة لا يجد أمامه منصة وطنية حقيقية تمنحه الفرصة.
الأخطر من ذلك أن هذه البرامج لا تقدم مجرد منافسات غنائية، لكنها تصنع الذائقة العامة، ولها خطط طويلة المدى وأجندات لا نعرف تفاصيلها. إذًا، فهذه البرامج والمسابقات تحدد شكل الأغنية المقبولة، وطريقة الأداء، ونوعية التوزيع الموسيقي، وأسلوب الوقوف على المسرح، وحتى طريقة الحديث أمام الكاميرا. ومع مرور الوقت، يبدأ الجمهور نفسه في تبني هذه المعايير بوصفها النموذج الوحيد للنجاح.
وحين يقدم متسابق يمني أغنية من التراث، فإنه غالبًا لا يقدمها كما نشأت في بيئتها الأصلية، بل كما تعلم أن يقدمها داخل منظومة هذا البرنامج؛ وفق قواعد الإخراج والإنتاج والتوزيع والإيقاع التي وضعتها المؤسسة الإعلامية المنتجة. وهنا لا يضيع التراث، لكنه يعاد تشكيله ليتوافق مع رؤية السوق الإعلامية وأجندة من يقف وراء هذا البرنامج.
هناك جانب آخر أكثر خطورة، يتعلق بطريقة إدارة الجمهور. فهذه البرامج لا تعتمد فقط على جودة الأصوات، بل تبني منظومة كاملة من الحماس والتصويت والتفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي. يتحول الجمهور إلى جيوش إلكترونية تدافع عن متسابقها، وتهاجم المنافسين، وتدخل في مقارنات لا تنتهي: يمني ضد مغربي، فلسطينية ضد سودانية، سعودي ضد مصري… بينما المستفيد الحقيقي هو البرنامج الذي ترتفع نسب مشاهدته وتتضاعف عائداته الإعلانية.

“الخطر الحقيقي ليس أن يغني اليمنيون في برامج عربية، بل إن الأكثر خطورة أن يصبح مستقبل الفن اليمني مرهونًا دائمًا بما تنتجه تلك البرامج، وأن نفقد تدريجيًا قدرتنا على صناعة ذائقتنا الثقافية بأنفسنا”

لا أقول إن هذا يتم بدافع المؤامرة، لكنه نموذج إعلامي وتجاري قائم على صناعة الإثارة واستثمار المشاعر الوطنية من أجل زيادة المشاهدة والتفاعل. وهنا ينبغي أن نفرق بين دعم الإبداع، وبين إدارة السوق الإعلامية. فليس كل ما يحقق نسب مشاهدة مرتفعة يحقق بالضرورة نهضة ثقافية وجمالية.
إن الدول العربية التي تشارك في هذه البرامج لا تعتمد عليها وحدها. فمصر لديها مهرجاناتها وبرامجها وأكاديمياتها، وكذلك المغرب لديه مسابقاته ومؤسساته الفنية، وتونس والجزائر والعراق والأردن، وحتى دول ذات إمكانات محدودة، تحرص على وجود منصات وطنية تصنع نجومها وتحافظ على هويتها الثقافية. أما اليمن، فقد أصبح يعتمد بصورة شبه كاملة على المنصات الخارجية، حتى باتت هي التي تحدد من هو النجم، وما هو اللون الغنائي الذي يستحق الانتشار.
وهذا الاعتماد المستمر يخلق نوعًا من التبعية الفنية. فالفنان الذي يبدأ رحلته داخل هذه المنظومة يجد نفسه لاحقًا مرتبطًا بالشركات المنتجة، وبذوق السوق الذي صنعه، وبالشبكات الإعلامية التي منحته الشهرة. ومع مرور الوقت، يصبح من الصعب عليه الخروج من هذا الإطار، حتى وإن أراد تقديم مشروع أكثر ارتباطًا ببيئته المحلية.
القضية ليست خليجية ولا مصرية ولا لبنانية، وليست موجهة ضد أي بلد أو أي مؤسسة إعلامية. فمن الطبيعي أن تعمل القنوات الكبرى على إنتاج برامج ناجحة، وأن تبحث عن الأرباح والجمهور، وهذا حقها المشروع. لكن من غير الطبيعي أن تترك دولة بتاريخ اليمن الموسيقي والشعري الهائل أبناءها بلا مشروع ثقافي وطني، ثم نكتفي بالاحتفال كلما نجح أحدهم في الخارج.
لقد كان اليمن، عبر تاريخه، أحد أهم منابع الغناء والشعر في الجزيرة العربية. ومنه خرجت مدارس لحنية وإيقاعية وشعرية أثرت المنطقة كلها. واليوم، بدلًا من أن نصدر رؤيتنا الفنية، أصبحنا ننتظر اعتراف الآخرين بمواهبنا، وكأن قيمة الفنان اليمني لا تكتمل إلا بعد أن يمر عبر شاشة برنامج خارجي.
ما نحتاج إليه ليس مقاطعة هذه البرامج، ولا مهاجمة المشاركين فيها، بل بناء البديل. نحتاج إلى قنوات يمنية محترفة، ومسابقات غنائية حقيقية، وأكاديميات موسيقية، وصناديق لدعم الإنتاج الفني والسينمائي، ومهرجانات تعيد الاعتبار للأغنية اليمنية، ومنصات رقمية تكتشف المواهب قبل أن تهاجر إلى الخارج.
كما نحتاج إلى أن نتوقف عن اختزال الفن في المنافسة والتصويت. فالإبداع لا يقاس بعدد الرسائل النصية، ولا بعدد الإعجابات والمشاركات، بل بقدرته على البقاء والتأثير وإضافة شيء جديد إلى الوجدان الإنساني.
أفرح للمى قيس، وأتمنى أن تواصل نجاحها، وأفرح لكل طفل يمني يرفع اسم بلده في أي محفل. لكنني أتمنى أكثر أن يأتي يوم يفرح فيه العرب جميعًا بمواهب يمنية خرجت من مؤسسات يمنية قوية، ليس لأن اليمن انسحب من صناعة ثقافته، بل لأنه عاد إليها بثقة وإرادة ورؤية.
فالخطر الحقيقي ليس أن يغني اليمنيون في برامج عربية، بل إن الأكثر خطورة أن يصبح مستقبل الفن اليمني مرهونًا دائمًا بما تنتجه تلك البرامج، وأن نفقد تدريجيًا قدرتنا على صناعة ذائقتنا الثقافية بأنفسنا، أو نعجز عن المحافظة على ما لدينا من جمال وفن وتراث. يومها لن تكون المشكلة في برنامج أو قناة، ولكننا سنعاني من مأزق غياب مشروع وطني يمني يؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا، وأنها من أهم عناصر بناء الهوية، وحماية الوعي، وصناعة المستقبل.