سيحتفي مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في مطلع دورته الثالثة والثمانين (٢-١٢ سبتمبر)، بأحد أكثر مخرجي السينما الإيطالية إثارة للجدل والاختلاف، تينتو براس، عبر عرض النسخة الرقمية المرممة بتقنيات 4K من فيلمه Deadly Sweet، وذلك مساء الأول من سبتمبر في قاعة دارسينا بجزيرة ليدو دي فينيسيا، في “أمسية ما قبل الافتتاح”، قبل يوم واحد من انطلاق الدورة.

ويأتي إعادة عرض الفيلم بعد ما يربو على  ستة عقود من عرضه الأول في ذات المهرجان (الدورة الـ 24 في عام 1967) بمثابة تكريم حقيقي لهذا المخرج المتميز. 

اختصاص إثارة الجدل

ورغم أن اسم تينتو براس ارتبط عالمياً خلال العقود الأخيرة بأفلامه الإيروتيكية التي أثارت كثيراً من الجدل، فإن إدارة مهرجان فينيسيا اختارت العودة إلى مرحلة مختلفة من مسيرته الإبداعية، حين كان أحد أبرز وجوه السينما الإيطالية الجديدة في ستينيات القرن الماضي، ومخرجاً شاباً يسعى إلى كسر القوالب التقليدية، مستلهماً روح الحداثة الأوروبية وثقافة فن الـ پوپ آرت والقصص المصورة.

أُنتج فيلم  Deadly Sweet عام 1967، وعُرض خارج المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا في العام نفسه، وهو فيلم تشويق نفسي تدور أحداثه في لندن، من بطولة النجم الفرنسي جان-لوي ترينتينيان والممثلة السويدية إيفا أولين، وقد اقتُبس بتصرف رواية رواية “مدفن الورق” للكاتب سيرجو دوناتي، وشارك براس نفسه في كتابة السيناريو برفقة فرانشيسكو لونجو وبيير ليفي-كورتي، بينما وضع موسيقاه المؤلف الإيطالي الكبير أرماندو تروفايولي، وتولى إدارة التصوير سيلفانو إيبوليتي.

المرحلة اللندنية 

ويحتل الفيلم مكانة خاصة في مسيرة تينتو براس، إذ يُعد واحداً من الأعمال التي أنجزها خلال ما يُعرف بـ”المرحلة اللندنية”، والتي ضمت أيضاً فيلمي Attraction عام 1969 و Dropout عام 1970، وفي هذه المرحلة تأثر المخرج بالمشهد الثقافي والفني الذي كانت تعيشه العاصمة البريطانية، حيث امتزجت السينما بالموسيقى والفنون التشكيلية وثقافة الشباب، فانعكس ذلك بوضوح على أسلوبه البصري.

ولعل أبرز ما يميز Deadly Sweet هو تعاون تينتو براس مع رسام القصص المصورة الإيطالي الشهير جويدو كريباكس، الذي شارك مستشاراً فنياً للجانب البصري، وقد كشف براس لاحقاً أنه طلب من كريباكس تنفيذ سلسلة كاملة من الرسوم الملونة الخاصة بمشاهد الحركة، واستخدمها بمثابة Storyboard، في تجربة نادرة تمزج بين لغة السينما وعالم الكوميكس، وتعكس اهتمام المخرج المبكر بابتكار لغة بصرية جديدة.

أما على مستوى الحكاية، فيروي الفيلم قصة لقاء قصير، لكنه مصيري، بين رجل فقد ثقته بالأحلام وامرأة شابة لا تؤمن بالأوهام، يبدأ اللقاء أمام جثة، ولا يستمر سوى يوم وليلة، إلا أنه يكفي لإعادة إحياء أوهام الحب لدى الرجل، بينما يدفع المرأة إلى التخلي عن كل المشاعر باستثناء غريزة البقاء. وتصبح لندن، بتناقضاتها الاجتماعية والثقافية، عنصراً أساسياً في السرد، لا مجرد خلفية للأحداث، إذ تتحول المدينة إلى قوة تضغط على الشخصيتين وتحدد مصير علاقتهما.

وقد وصف براس فيلمه بأنه قصة عن الوهم وخيبة الأمل، موضحاً أن بطله يقع في حب امرأة يتخيلها على غير حقيقتها، ويتخلى عن كل أشكال الحذر ليغرق في مغامرة تقوده إلى تدمير ذاته، كما أكد أن شخصيات الفيلم وأماكنه ليست واقعية بالمعنى التقليدي، بل هي رموز تستمد وجودها من اللاوعي الشعبي، بينما يجمع إيقاع الفيلم بين التشويق وأجواء القصص المصورة، وهو ما يجعل لندن المكان الأمثل لتجسيد هذه الرؤية.

وأضاف المخرج أن الحدود بين الواقع والخيال تبقى واضحة طوال الفيلم، إذ تتعامل الشخصيات المنتمية إلى العالم المتخيل كما لو كانت أشياء أو رموز بصرية، مستلهماً في ذلك أعمال فناني الپوپ آرت الأمريكيين مثل روبرت راوشنبرغ وروي ليختنشتاين.

مسيرة حافلة

ويمنح هذا الاحتفاء من قبل مهرجان فينيسيا فرصة لإعادة قراءة المسيرة الكاملة لتينتو براس بعيداً عن الصورة النمطية التي التصقت باسمه. فقد وُلد، (واسمه الحقيقي جوفاني براس)، في ميلانو عام 1933 لعائلة فينيسية، ودرس القانون قبل أن ينتقل إلى باريس عام 1957، حيث عمل في السينماتيك الفرنسية بإدارة هنري لانجلوا، واحتك برواد الموجة الفرنسية الجديدة، كما عمل مساعداً لكل من يوريس إيفنز وروبرتو روسيلليني، وهي التجارب التي أسهمت في تشكيل شخصيته السينمائية.

وفي عام 1963 قدّم أول أفلامه الروائية الطويلة Who Works Is Lost، الذي لفت الأنظار في مهرجان فينيسيا، لكنه دخل أيضاً في صدام مبكر مع الرقابة الإيطالية، وهو صدام سيلازمه طوال مسيرته دفاعاً عن مفهومه للحرية الفنية.

وخلال الستينيات والسبعينيات، تنقل براس بين الفيلم السياسي والسينما التجريبية والوثائقي والويسترن والكوميديا الساخرة، وأخرج أعمالاً مثل The Howl الذي مُنع عرضه في إيطاليا لعدة سنوات، و Vacation الذي احتفى فيه بالمهمشين، قبل أن ينتقل في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات إلى المرحلة التي صنعت شهرته العالمية، مع أفلام مثل Salon Kitty و Caligula وخصوصاً The Key، الذي افتتح من خلاله مرحلة جديدة تقوم على الإيروتيكية ذات البعد الثقافي، وحقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً.

ومنذ ذلك الحين أصبحت المرأة، ورحلتها نحو التحرر الجسدي والنفسي، محوراً أساسياً في معظم أفلامه، وهو التوجه الذي جعل أعماله تحظى بجمهور واسع، وفي الوقت نفسه تثير نقاشات نقدية وفكرية لا تزال مستمرة حتى اليوم.

وبإعادة عرض Deadly Sweet في نسخة مرممة، لا يكتفي مهرجان فينيسيا بالاحتفاء بفيلم كلاسيكي، بل يدعو أيضاً إلى إعادة اكتشاف مرحلة مبكرة من مسيرة تينتو براس، حين كان أحد أكثر المخرجين الإيطاليين جرأة في البحث عن لغة سينمائية جديدة، تجمع بين التشويق وال پوپ آرت والقصص المصورة، وتؤكد أن إرثه الفني أوسع وأكثر تنوعاً من الصورة التي اختزلته فيها أفلامه اللاحقة.