لم تكد الولايات المتحدة تنتهي من الإعلان عن اتفاق تهدئة على الجبهة اللبنانية حتى خرج وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتهديدات أثارت حالاً من القلق بين الإسرائيليين ممن توقعوا أن تسهم مبادرة اتفاق الإطار بين بيروت وتل أبيب في تخفيف التوتر على الجبهة الشمالية.
كاتس وقبله رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، روجا لتقديرات أمنية بأن هجوماً إيرانياً على إسرائيل بات متوقعاً كل لحظة وهذه التقديرات استدعت عقد اجتماع طارئ وسريع لحكومة بنيامين نتنياهو، اتخذت فيه قرارات وتعديلات عدة لإجراءات بينها إعادة فرض حال الطوارئ الحربية على مختلف المناطق لمدة شهر ونصف الشهر.
وبحسب ممثلين من الجبهة الداخلية الذين شاركوا في الاجتماع فإن هذا القرار يمنح المسؤولين اتخاذ كل قرار فوري سواء بإلزام السكان بعدم الابتعاد من الأماكن الآمنة أو منع تجمعات وقيود المعاهد التعليمية، على رغم أن معظمها خرجت إلى العطلة الصيفية.
كاتس وخلافاً للقاءاته السابقة وتصريحاته هذه المرة بقي خلف عدسات الكاميرا بعدما كشف جوانب سرية ممنوعة من النشر أمام العدد القليل من المراسلين لكنه حرص على الترويج عبر بعضهم أن إسرائيل مستعدة لأي هجوم من إيران بقوله، “قد نكون غداً في حرب مع إيران. إذا أطلقت صواريخها على إسرائيل، فإننا سنهاجمها بقوة”.
ومضى في تهديداته، “لا توجد معادلة سنقبل بها أن تطلق إيران النار على إسرائيل، وقد وضحنا هذا أيضاً للأميركيين. الجيش الإسرائيلي ينتظر ذلك فقط، وهو في حال تأهب. توجد أهداف. نحن لا نريد أن نكون من يعرقل الرئيس دونالد ترمب في المسار الذي يقوده. في الدفاع عن أنفسنا لا توجد تنازلات، لا في لبنان ولا في إيران”.
لكن بالنظر إلى الوضع الميداني في لبنان وما يخطط له الجيش الإسرائيلي تبدو عرقلة إسرائيلية واضحة لمسار ترمب في تحقيق السلام في المنطقة وإنهاء الحرب التي تقارب على عامها الثالث.
ولعل إعادة التهديد بمعادلة “الضاحية مقابل بلدات الشمال”، بالنسبة إلى أكثر من جهة في إسرائيل بحد ذاتها عراقيل بل إن الأصوات المعارضة لهذه السياسة بدأت تتزايد حتى داخل حزب الليكود، الذي انطلق للاستعداد للحملة الانتخابية المقبلة، ويواجه نتنياهو معارضة غير مسبوقة من داخل الحزب، على رغم أن استطلاعات الرأي العامة في إسرائيل منحت الحزب زيادة بعد تهديدات نتنياهو تجاه لبنان، بحسب معدي أكثر من استطلاع رأي”.
وإزاء التحذيرات من وحل لبنان، قال كاتس إن “إسرائيل لا تذهب إلى مستنقع، فأي مشكلة سيكون الحل على حساب الطرف الآخر وليس على حسابنا. هناك تحديات، وستكون احتكاكات”.
كاتس الذي التقى براد كوبر، قائد القيادة المركزية في الجيش الأميركي، شدد أمامه على أن إسرائيل لا تعتزم الانسحاب من الحزام الأمني في لبنان، ولا من سوريا، ولا من غزة.
جهات عدة ترى أن الوضع في لبنان آخذ في التصعيد ويستبعدون أن يعود إلى وضعيته قبل الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بعد الكشف عن تعليمات جديدة منحها الجيش للجنود المنتشرين في جنوب لبنان بموجبها يملك الجنود صلاحيات بإطلاق النار الفوري على كل من يعتبره خطراً على أمنه ويقترب من مكان انتشاره.
وضمن ما أعلن من استعداد للبقاء في لبنان لفترة طويلة، اتسعت لاءات القيادة العسكرية في إسرائيل إنه “لا انسحاب من الحزام الأمني إلا بعد تقويض ’حزب الله‘ وليس تفكيك سلاحه، ولا انتقال إلى المرحلة الثانية من المناطق التجريبية قبل أن يثبت الجيش اللبناني والحكومة تنفيذ الاتفاق، ولا سماح لسكان الجنوب بالعودة في هذه المرحلة إلى بيوتهم، ولا تقليل من عدد الجنود المنتشرين في الجيش في أعقاب توقعات تصعيد أمني من قبل إيران و’حزب الله‘، ولا انسحاب بعد للجيش من المنطقتين التجريبيتين بانتظار بلورة الظروف المواتية لتحقيق ذلك في ظل غياب جدول زمني في الاتفاق يلزم الجيش على التنفيذ”.
مقابل كل هذه “اللاءات الخمس” توصيات أمنية لمتخذي القرار بتحميل الحكومة اللبنانية مسؤولية خرق الاتفاق وعدم تنفيذ الجيش اللبناني مهمته وفق الاتفاق. كل هذا يبقي الجبهة اللبنانية في حال تصعيد بل يرى بعض الأمنيين ضرورة خلق صيغة تطبيقات لما تعتبره إسرائيل خروقات لاتفاق وقف النار تشمل حتى الدولة اللبنانية .
رد واسع
العقيد احتياط أورن سلمون الذي سبق وشغل مناصب عدة في الجيش الإسرائيلي بينها مدير القتال في فرقة غزة، أوصى متخذي القرار باتباع ما سماه تطبيقاً معيناً للرد على الخروقات أياً كانت صغيرة، قائلاً “يجب الرد الواسع وليس بصورة موضعية وتدفيع منفذي الهجمات ثمناً باهظاً، ويجب القول بصورة واضحة إن الاتفاق مع لبنان من منطلق حسن النية والدفع قدماً بمصالح مشتركة لكن إذا وقعت خروقات يجب خلق فرصة استراتيجية أهم ما فيها أن تعلن إسرائيل أن الليطاني لها وأي مفاوضات مستقبلية تنطلق منه سيجري الرد عليه بإطلاق نار فوري أو أي جهة تشكل خطراً والأهم أن تتحمل حكومة لبنان المسؤولية لأي خرق كونها جزءاً من الاتفاق الذي جرى خرقه”.
أما عميد احتياط إيلان بيطون، القائد السابق لمنظومة الدفاع الجوي الإسرائيلي، فرأى أن “الحل في لبنان لا يقتصر على ’حزب الله‘، ولذلك على إسرائيل مواصلة تنفيذ عملياتها مع الضغط على الدولة اللبنانية”. وأضاف، “لبنان وقع على الاتفاق مما يعني أنه ملتزم بتنفيذه اليوم، ومعظمنا يسأل إذا ما كنا سنصل إلى وضع يجري فيه في النهاية نزع كل سلاح ’حزب الله‘؟… طبعاً الاحتمال قليل جداً لذلك إذا كنا نريد الوصول إلى نزع السلاح على الجيش الإسرائيلي أن يعمل ويشارك لبنان في ذلك، فهذا أمر في غاية الأهمية”.
سيناريوهات مطروحة
أما الرئيس السابق لمنظومة الدفاع تسفيكا حايموفتش، فقد وضع أربعة سيناريوهات تجاه لبنان، لعل أولها هو السيناريو المتفائل ويتبنى أن “اتفاق المبادئ سيصبح دائماً، وحكومة لبنان وجيشه ينجحان في مهمتهما وفي وقت معقول (أشهر أو أعوام قليلة) ينزعان سلاح ’حزب الله‘ ويؤديان بناء على ذلك إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى الحدود الدولية”.
وأضاف، “السيناريو المتشائم يقوم على أن الأعمال في الميدان تؤدي إلى احتكاك دائم. والبعد الزمني يصبح بعداً يعطل كل عمل لبناني، والمشروع التجريبي في المجالات التي تحددت ليزحف بكسل ولا يخلق زخماً”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتابع، “ثم يأتي السيناريو المعقول: حكومتا إسرائيل ولبنان تتقدمان إلى اتفاق دائم وتتعاونان في أعمال منسقة ضد ’حزب الله‘ في جنوب لبنان في ظل حفظ المنطقة الفاصلة. انسحاب إسرائيل لا يجري إلا بخطوة إكراه دولية وليس انطلاقاً من اضطرار عملياتي لواقع جديد في الميدان”.
وأخيراً “السيناريو الخطر: وفيه يتدهور الوضع بسبب ’حزب الله‘ برعاية إيران ويقود لبنان إلى مواجهة عنيفة، لدرجة حرب أهلية من شأنها أن تدخل الدولة إلى فوضى – تؤثر مباشرة في أمن إسرائيل”.
بحسب حايموفتش فإنه “من السابق لأوانه التقدير إلى أي اتجاه يتطور اتفاق المبادئ لكن على إسرائيل أن ترافق التقدم لفهم وتشخيص التغييرات، وتمتنع عن فقدان السيطرة والإفادة القصوى من الفرصة مع حكومة لبنان”.
فرصة لقرارات مستقلة
على رغم التهديدات التي أطلقها أكثر من مسؤول إسرائيلي تجاه إيران ولبنان، تضع الأجهزة الأمنية نصب أعينها هدف الانتقال من التبعية إلى الشراكة مع الولايات المتحدة، ووضع حد لما سمته عصر المساعدة العسكرية الأميركية. أما الهدف العسكري إلى جانب استمرار احتلال لبنان والحفاظ على الحزام الأمني فهو سعي تل أبيب إلى تحقيق “التوازن العسكري بالهجوم والدفاع” أمام دول الشرق الأوسط وهو مطلب تريده طالما دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة.
أزرق – أبيض هو مصطلح يستخدم في إسرائيل للصناعة المحلية وهو انعكاس للون علم إسرائيل. وهذه الخطة التي عرضها يسرائيل كاتس وأصدر تعليماته في شأنها التي تهدف إلى استعجال زيادة الإنتاج المحلي مثل خطوط إنتاج لذخائر من أنواع مختلفة تعمل بطاقة إنتاجية متزايدة في أنحاء إسرائيل.
يقود طاقم مختص لإنجاز الخطة، المدير العام لوزارة الأمن، لواء احتياط أمير برعام، وهو إحدى أبرز الشخصيات المنافسة على منصب رئيس أركان الجيش القادم وسيعمل بتنسيق وثيق مع رجال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والسفير لدى إسرائيل مايك هاكابي، وذلك بهدف إعادة تعريف إطار العلاقات.
بحسب جهات أمنية مطلعة على الخطة، من المتوقع أن تؤثر الخطوة في الموازنة الأمنية الإسرائيلية، التي سيتعين عليها استيعاب كلف إنتاج محلي أعلى. ومع ذلك، على المدى البعيد، تمنح هذه الخطوة إسرائيل حرية عمل عملياتية أوسع، إذ إن الإنتاج الذاتي يسمح بتجاوز قيود سياسية أميركية على استخدام السلاح.
مسؤولون أمنيون قالوا إنه وفق السياسة المتبلورة تعتزم إسرائيل المطالبة بشراء منظومات سلاح وذخائر متنوعة، وقدرات تكنولوجية تشمل تعاونات لم تُكشف لها بعد أو لم تكن مطروحة حتى الآن.
وفي النهاية، تتوقع إسرائيل ضمن هذه الخطة أن تحقق هدف “كسر التوازن” مع دول المنطقة وضمان التفوق العسكري النسبي على جيوش ودول مختلفة في المنطقة، وفق مسؤول أمني.
