فاروق غانم خداج*
ثمة روائيون يكتبون ليُرَوا، وثمة روائيون يكتبون ليختبئوا. ربيع جابر من النوع الثاني، بل لعلّه المثال الأصفى والأندر في الأدب العربي المعاصر على كاتب يرفض أن يكون أكبر من كتابه. رجلٌ ولد في بيروت عام 1972 وسط دوي المدافع وأخبار الجبهات، وعاش في حضن الجبل اللبناني في بعقلين الشوفية هرباً من الحرب، ثم عاد إلى بيروت ليحمل سلاحاً من نوع مختلف: القلم.
طالب فيزياء يصير روائياً
حين انتسب ربيع جابر إلى الجامعة الأميركية في بيروت عام 1989 ليدرس الفيزياء، لم يكن أحد يتوقع أن طالب العلوم هذا سيتحوّل إلى أحد أبرز أصوات الرواية العربية في جيله. غير أن سحر الأدب كان أقوى من معادلات الفيزياء، فراح يستلهم الأفكار ويصوغ القصص، حتى نشر روايته الأولى «سيد العتمة» عام 1992 وهو في العشرين من عمره، فازت بجائزة الناقد للرواية ذلك العام، وكانت إيذاناً بمسيرة استثنائية.
ما لا يعرفه كثيرون أن ربيع جابر مارس لعبة الأقنعة الأدبية في مرحلة مبكرة. ففي عام 1996 نشر تحت اسم مستعار هو «نور خاطر» رواية بعنوان «الفراشة الزرقاء»، في ظاهرة نادرة في المشهد الأدبي العربي أن يتخفّى كاتب شهير خلف اسم آخر، كأنه يختبر حريته خارج هويته المعروفة. لاحقاً أُعيد نشرها باسمه الحقيقي، ليكتمل الكشف عن قبّعة الاختفاء التي طالما أجاد ارتدائها.
نحو عشرين رواية في أقل من ربع قرن
نشر ربيع جابر ما يقارب عشرين رواية بين عامَي 1992 و2014، وهو رقم يُذهل في الأدب العالمي لا العربي وحده. غير أن الأعجب من الغزارة هو التنوع: من الحرب الأهلية اللبنانية إلى العصر العثماني، ومن الهجرة اللبنانية إلى أميركا مطلع القرن العشرين إلى أعماق بيروت تحت الأرض، يجوب جابر في التواريخ والجغرافيات كأنه عاش في كل مكان وكل زمان. يقول الشاعر اللبناني عباس بيضون إنه يحوّل الرواية في كل تجربة إلى مباراة يخوضها شوطاً بعد شوط، ويجعل القارئ يحيا التاريخ نفسه.
ما يميّز منهجه الروائي ذلك الجهد البحثي الضخم الذي يسبق كل رواية. فعند كتابة «دروز بلغراد» قضى سنوات في مكتبة الطابق السفلي في الجامعة الأميركية يمسح أرشيفات الأوراق العثمانية. وبحسب ما رُوي عنه، وصل حدّ توزيع استمارات على السكان حين كان يُعدّ لرواية «طيور الهوليداي إن»، في مثال نادر على روائي يعمل بمنهجية الباحث الميداني قبل أن يمسك القلم.
حين يُكرّمه المؤرخون في هارفارد
تناول المؤرخ اللبناني الراحل كمال الصليبي أعمال ربيع جابر في محاضرة ألقاها في جامعة هارفارد، مشيداً بقدرته الاستثنائية على إعادة بناء التاريخ روائياً، ووصفه بأنه «حكواتي بالفطرة». وقد رأى الصليبي في جابر ما لا يراه كثيرون: روائياً يصنع تاريخاً موازياً لا يقل إقناعاً عن التاريخ الرسمي، بل يفوقه أحياناً في استجلاء الحقيقة الإنسانية.
وقد ترجمت رواياته إلى الفرنسية والألمانية، ومنها «دروز بلغراد» و«الاعترافات» و«رحلة الغرناطي»، فيما صدرت رواية «بيريتوس: مدينة تحت الأرض» بالفرنسية عام 2009 عن دار غاليمار العريقة في باريس. كما وصلت ترجمة روايته «الاعترافات» إلى الإنجليزية عام 2017 إلى القائمة القصيرة لجائزة PEN Translation Prize الأميركية، وهي من أرفع جوائز الترجمة الأدبية في العالم.
بوكر 2012: لحظة استثنائية ثم صمت
في مارس 2012، صعد ربيع جابر إلى المنصة في أبوظبي ليتسلّم الجائزة العالمية للرواية العربية عن «دروز بلغراد»، ليكون أول روائي لبناني يفوز بها. غير أنه ما أن انتهى الحفل حتى غادر القاعة مبتعداً عن الكاميرات والأسئلة، وعاد إلى بيروت وحيداً كأن شيئاً لم يكن، وفياً لطبيعته التي لا تُحبّ الأضواء.
بعد تلك المحطة توارى جابر عن الأنظار الأدبية، ومضى أكثر من عشر سنوات على آخر رواية نشرها. وبحسب ما أوردته صحيفة «الشرق الأوسط»، فإن دار التنوير للنشر، الناشر الحصري لأعماله، لا يكاد يمرّ أسبوع دون أن يرنّ هاتفها بأسئلة القرّاء والصحفيين ومؤسسات ثقافية في الولايات المتحدة وأوروبا عن جابر وعن عودته المنتظرة.
فيزيائي يطبخ ويشرب المتّة
خلف ذلك الصمت المهيب، ثمة إنسان بتفاصيل مثيرة للابتسام. فبحسب ما أدلى به معارفه لصحيفة «الشرق الأوسط» يعشق جابر الطهي ويتقن المطبخ اللبناني والحلبي والتركي وحتى العباسي، ويتحدث عن البهارات والصلصات لساعات دون ملل، فيما لا يغيب عنه كوبُ المتّة. والطعام ليس هواية خارج أعماله، بل ثيمة متكررة تتسرّب إلى رواياته وتمنحها نكهة واقعية لا تجدها عند كثير من الكتّاب. وكان معروفاً عنه أنه يفقد الكثير من وزنه حين يكون في طور التحضير لرواية جديدة، حتى كان أصدقاؤه يقلقون عليه ظانّين أنه مريض، ثم يدركون أن النحول علامة إبداع لا مرض.
ناسك الأدب العربي في زمن الضوضاء
في عصر يتسابق فيه الكتّاب على التغريدات والمقابلات وحسابات التواصل الاجتماعي، يقف ربيع جابر في الجهة المعاكسة تماماً، زاهداً في كل شيء. حين يسأله ناشره عن سبب غيابه الأدبي الطويل، يجيب ببساطة: «لم أكتب يوماً من أجل المال ولا الشهرة».
في هذا الموقف نبوءة عميقة لعصرنا: حين يصير الصمت أعلى صوتاً من الضجيج، وحين يصبح الغياب أكثر حضوراً من الحضور. ربيع جابر غائبٌ عن المشهد منذ سنوات، لكن رواياته لا تزال تُقرأ وتُدهش قرّائها حول العالم. وهذا وحده أبلغ ردٍّ على كل من يحسب أن الكاتب الحقيقي يُقاس بصخبه لا بأثره.
بيروت تنتظره. وقرّاؤه ينتظرون. وربما هذا الانتظار هو الرواية الأجمل التي لم يكتبها بعد.
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
