تبدأ الرواية غالبًا بفكرة تطرق ذهن الكاتب، أو شخصية تظل تطارده، أو مشهد لا يعرف بعدُ ما الذى يسبقه وما الذى سيأتى بعده، لكن انتقال هذه الفكرة من الخيال إلى كتاب يحتاج إلى مجموعة من الاختيارات، وهي التي يناقشها الناقد والروائى البريطانى ديفيد لودج فى كتابه “الفن الروائى”، الذى يمثل مدخلًا مهمًا لكل من يرغب فى كتابة الرواية أو فهم الطريقة التى تُصنع بها الحكايات.
صدر أصل الكتاب باللغة الإنجليزية عام 1993، وترجمه إلى العربية ماهر البطوطى عام 2002، ثم أصدرت مؤسسة هنداوى نسخة جديدة منه عام 2023. ويضم الكتاب خمسين فصلًا قصيرًا، يخصص كل واحد منها لتقنية روائية، مثل البداية، والتشويق، ووجهة النظر، وتقديم الشخصيات، وتيار الوعى، والمفاجأة، والانتقال الزمنى، والرمزية، والسخرية، والبناء السردى، وصولًا إلى النهاية.
البداية.. الجملة التى تفتح الباب
يعرف كل من حاول كتابة رواية صعوبة الجملة الأولى؛ فهى اللحظة التى ينتقل فيها العالم المتخيل من رأس الكاتب إلى الصفحة، وتبدأ معها العلاقة بين النص والقارئ.
يرى ديفيد لودج أن بداية الرواية تحمل مسؤوليات متعددة؛ إذ تقدم صوت الحكاية، وتمنح القارئ انطباعه الأول عن اللغة والشخصيات والمكان، وقد تزرع سؤالًا يظل حاضرًا خلال الفصول التالية.
وقد يبدأ الكاتب من قلب حدث مشتعل، أو من وصف مكان، أو من جملة حوار، أو من تقديم شخصية، أو من خبر يبدو بسيطًا قبل أن يكشف أثره لاحقًا. وتكمن قيمة البداية فى قدرتها على إدخال القارئ إلى العالم الروائى، ومنحه سببًا يدفعه إلى عبور الصفحة الأولى.
ويشرح لودج تقنيات الرواية من خلال مقاطع مأخوذة من أعمال كلاسيكية وحديثة، ويضع أمام القارئ نماذج لكتّاب من بينهم جين أوستن وهنرى جيمس وجيمس جويس، ثم يتأمل الطريقة التى تعمل بها كل فقرة داخل النص.
من يروى الحكاية؟
قبل أن يكتب الروائى الأحداث، يحتاج إلى تحديد الصوت الذى سيحكيها. فقد يتولى السرد بطل يتحدث بضمير المتكلم، أو راوٍ يقف خارج الحكاية ويعرف ما يدور داخل الشخصيات، أو صوت يقترب من شخصية واحدة ويرى العالم من موقعها.
ويؤثر هذا الاختيار فى كل ما يصل إلى القارئ. فالراوى الذى يعرف كل شىء يستطيع الانتقال بين البيوت والعقول والأزمنة، بينما تظل الشخصية التى تروى تجربتها محكومة بما شاهدته وعرفته واعتقدت أنه صحيح.
وقد يكون الراوى صادقًا، كما يمكن أن يكون محدود المعرفة أو خاضعًا لأوهامه ومصالحه. وهنا يظهر ما يسميه الكتاب «الراوى غير الموثوق به»، الذى يدفع القارئ إلى فحص كلامه والبحث عما يخفيه أو يعجز عن فهمه.
الشخصية تُبنى أمام القارئ
يستطيع الكاتب أن يقدم شخصيته فى فقرة واحدة، فيخبرنا بعمرها ومظهرها وعملها وتاريخها، كما يستطيع أن يتركها تتشكل تدريجيًا من خلال الكلام والحركة والاختيارات وطريقة تعاملها مع الآخرين.
ويتوقف الكتاب عند الاسم الذى يمنحه الروائى لشخصيته؛ فالاسم قد يكشف عن جيلها أو طبقتها أو بيئتها، وقد يحمل دلالة ساخرة أو رمزية. كما يناقش لودج طريقة الوصف، والفرق بين أن يخبر الكاتب القارئ بطبيعة الشخصية، وأن يضعها فى موقف يكشف طبيعتها من خلال الفعل.
والشخصية الروائية المقنعة تملك رغبة تسعى إليها، وعائقًا يعترضها، وتناقضات تجعلها قريبة من الطبيعة الإنسانية. وقد تحب وتؤذى، وتصدق وتخدع، وتتصرف بشجاعة فى موقف ثم تعجز عن مواجهة موقف آخر.
كيف تصنع التشويق؟
يرتبط التشويق بالمعلومات التى يمنحها الكاتب للقارئ، وتلك التى يؤجلها. فقد يعرف القارئ أن خطرًا يقترب من الشخصية بينما تظل هى غافلة عنه، أو يكتشف وقوع جريمة ويواصل القراءة بحثًا عن مرتكبها، أو يتابع علاقة عاطفية منتظرًا اللحظة التى تظهر فيها الحقيقة.
ويشير الكتاب إلى أن الرواية تجذب القارئ عندما تثير فى ذهنه أسئلة، ثم تدفعه إلى البحث عن الإجابات خلال الحكاية. ويختلف التشويق عن المفاجأة؛ فالتشويق يجعلنا ننتظر وقوع الحدث، بينما تأتى المفاجأة من اتجاه لم يكن ظاهرًا أمامنا.
وتصبح المفاجأة أكثر قوة عندما يكتشف القارئ أن علاماتها كانت موزعة داخل النص، وأن الكاتب أتاح له فرصة رؤيتها، لكنه وجّه انتباهه إلى مكان آخر.
الزمن ليس خطًا مستقيمًا
يمنح السرد الروائى الكاتب حرية واسعة فى التعامل مع الزمن. يستطيع أن يبدأ من طفولة الشخصية ويتحرك معها حتى الشيخوخة، كما يستطيع أن يبدأ من النهاية، ثم يعود إلى اللحظة التى صنعتها.
وقد تشغل ثانية واحدة صفحات عدة، إذا دخل السرد إلى وعى الشخصية واستعاد أفكارها وذكرياتها، بينما تمر سنوات كاملة فى جملة قصيرة. وهنا يفرق الكتاب بين زمن وقوع الأحداث والزمن الذى يمنحه السرد لكل حدث.
وتساعد العودة إلى الماضى على كشف سر أو تفسير موقف، بينما تتيح القفزة الزمنية الانتقال إلى مرحلة جديدة من حياة الشخصيات. ويحتاج كل انتقال إلى هدف يخدم البناء، ويحافظ على وضوح الحكاية فى ذهن القارئ.
المكان شريك فى الرواية
يبدو المكان فى بعض الروايات خلفية تتحرك أمامها الشخصيات، بينما يتحول فى أعمال أخرى إلى عنصر يصنع الحكاية ويؤثر فى مصائر أبطالها.
فالقرية تختلف عن المدينة، والبيت الواسع يحمل إيقاعًا يختلف عن غرفة مغلقة، والشارع المزدحم يفرض على الشخصية سلوكًا غير الذى تملكه فى مكان منعزل.
ويتناول لودج «الإحساس بالمكان» باعتباره إحدى أدوات الرواية، لأن القارئ يحتاج إلى رؤية العالم الذى يتحرك داخله الأبطال والشعور بتفاصيله. ويأتى ذلك عبر اختيار التفاصيل الدالة، والروائح والأصوات والضوء وحركة الناس، بما يجعل المكان جزءًا حيًا من التجربة الروائية.
تيار الوعى.. ماذا يحدث داخل الرأس؟
تتحرك الرواية بين العالم الخارجى وما يدور داخل الشخصية. ومن هنا يناقش الكتاب تقنيات مثل المونولوج الداخلى وتيار الوعى، التى تحاول الاقتراب من تدفق الأفكار والذكريات والمشاعر.
فالإنسان لا يفكر فى جمل مرتبة طوال الوقت؛ إذ ينتقل ذهنه من صورة إلى أخرى، ويستدعى الماضى بسبب رائحة أو كلمة أو صوت، ويخلط بين ما يراه وما يخشاه وما يتمناه.
واستخدم كتّاب مثل جيمس جويس هذه التقنيات لتقديم الحياة الداخلية للشخصية، ومنح القارئ فرصة الاقتراب من وعيها بصورة تتجاوز الوصف الخارجى المباشر.
لكل رواية لغتها
لغة الرواية جزء من عالمها، وترتبط بالشخصيات والزمن والمكان وطبيعة الحكاية. فالرواية التى تدور على لسان طفل تحتاج إلى صوت يختلف عن رواية يكتبها مؤرخ، والحكاية الساخرة تحتاج إلى إيقاع يختلف عن العمل المأساوى.
ويتناول «الفن الروائى» تعدد الأصوات، والنثر المنمق، والتناص، والسخرية، والرمزية، والواقعية السحرية، والرواية التجريبية، ليكشف اتساع الإمكانات المتاحة أمام الكاتب.
وتظهر هنا طبيعة الكتاب؛ فهو يقدم أدوات متعددة، ويترك للروائى مهمة اختيار ما يناسب حكايته. فالتقنية تكتسب قيمتها من أثرها داخل النص، ومدى قدرتها على التعبير عن التجربة التى يريد الكاتب تقديمها.
كيف تنتهى الرواية؟
تحمل النهاية عبء الإجابة عن الأسئلة التى صنعتها الرواية، أو ترك بعضها مفتوحًا بطريقة مقصودة. وقد تنتهى الحكاية بانتصار الشخصية، أو خسارتها، أو اكتشافها حقيقة تغير نظرتها إلى العالم.
ويخصص ديفيد لودج الفصل الأخير للنهايات، لأن الصفحة الأخيرة تعيد تشكيل ما قرأناه، وتحدد الأثر الذى يبقى بعد إغلاق الكتاب. وقد تقدم النهاية حلًا واضحًا، أو صورة رمزية، أو لحظة تترك القارئ أمام احتمالات متعددة. ويظل المهم أن تنبع من المسار الذى صنعته الرواية، وأن يشعر القارئ بأنها ثمرة طبيعية لما عاشته الشخصيات.
