تفكِّك رواية “حواليس” (دار عرب للنشر والترجمة، المملكة المتحدة، 2026) للكاتب العُماني محمد اليحيائي طبقات المجتمع في بلاده منذ النزاعات الأهلية عام 1895، التي يعدّها كثير من المؤرّخين مقدّمة للأحداث التي وقعت سنة 1913، عندما أُعيد إحياء نظام الإمامة، وبدأ الانقسام السياسي الطويل بين منطقتي الداخل والساحل. يسعى الكاتب، من خلال عرض تجارب إنسانية على الحافة، إلى هدم البنى الراسخة لعقود، لكن هذا الهدم لا يتم بشكل فج ومباشر، وإنما عبر مرايا تُماهي بين الواقع والمخيّلة، وما يتم نسجه من مرويّات شفوية، وقصص تُحاك وتتناقل ولا نسب لحقيقتها أو بطلانها.
خيوط شديدة الحساسية لا يمسك بها الكاتب، ولا يحاول أن يُحكم سيطرته عليها، بل يلقيها أمام القارئ ويدعوه، كما يدعو الشخصيات الروائية إلى نسجها، لاختيار الأسئلة الملحّة، وزعزعة أفكار بقيت لسنين طويلة لا يمكن المساس بها. الشيخ عبد الله بن راشد الذي ورث عمامة المحارب والثأر، في مواجهة القومندان (ضابط سابق) الذي يمثّل السلطة، وقد ارتبط في الذاكرة العُمانية، خصوصاً في النصف الأول من القرن العشرين، بالوجود البريطاني وبالقيادات العسكرية والإدارية التي عملت مع سلطنة مسقط. المصير المشترك للشخصيتين المتمثل في الاغتيال، تركه المؤلّف مجهولاً، ولم يحلّل أبعاده السياسية والاجتماعية، واكتفى بالتلميح: “لعلهم قرّروا قتل الماضي والمستقبل في نفس الوقت”.
لا يُقدّم النساء فاعلات مباشرات بل بصفة ذوات تتحرك داخل المجتمع
الرواية تهجس بالمؤامرات، والعداوات المبطّنة، والوشاة، والارتياب من كل حدث طارئ، ولعلّ ما شكّل طبيعة المجتمع هو نفسه ما يجعل الإنسان يقف على شروخ متعدّدة، محاولاً أن يوازن بين خساراته، أو إن كان فعلاً يمتلك حق الاختيار. الشخصية المعاصرة في الرواية هي شخصية المؤلّف غانم سالم، الذي يتخبّط بدوره بين متاهات السرد ووقائعه التي تبدو غرائبية، وهو يتلقّى جائزة عن كتاب ألّفه في الوقت نفسه الذي يواجه فيه تحقيقاً أمنياً من قبل الجهات التي كان لها دور في قتل والده.
محمد اليحيائي في هذه الرواية يتخلى عن سلطة الكاتب، ولعل الجدار الأساسي الذي سعى إلى هدمه، هو الجدار الفاصل بين الحقيقة والوهم. لقد ترك شخصياته تتحرّك بحرية، لتبدو كأنها تشارك في صناعة من يرويها، كما يقول الكاتب الأميركي بول أوستر: “أحياناً يكتب الكاتب شخصياته، وأحياناً تكتب الشخصيات الكاتب”. من هذا التداخل بين المؤلّف وشخصياته، وبين الذاكرة والخيال، يجد القارئ نفسه في منطقة بينيَّة لا تستقر فيها الحدود، فيصبح شريكاً، لا في محاولة الوقوف على تلك الأرض القلقة فحسب، وإنما في محاولة الخروج من المتاهات السياسية والاجتماعية المنظَّمة بحذر شديد.
بعد روايته “الحرب” (دار عرب للنشر والترجمة، المملكة المتحدة، 2023)، اختار الكاتب عنوان “حواليس” لروايته التالية؛ وهو اسم لعبة شعبية يمارسها أهل الساحل في مسقط، وتوجد ألعاب شبيهة بها في معظم المدن الساحلية، تقوم على نقل القواقع بين 28 حفرة رملية في خطّين متوازيين. غير أن العنوان الذي يبدو في ظاهره مستنداً إلى عالم اللعب والطفولة، يحمل في طبقاته الرمزية معاني أكثر تعقيداً: الانتقال، والاستحواذ، والسلب، وتغيير الحدود، وتحديد مواقع السلطة، والصراع على امتلاك مساحة الآخر. وهنا تكمن مفارقة العنوان المخاتل؛ إذ يستعير الأدب أحياناً من العوالم الهزلية والخيالية مدخلاً لطرح أكثر الأسئلة جدّية ومعاصرة.
عنوان العمل هو اسم لعبة شعبية يمارسها أهل الساحل في مسقط
هذا التقليد ليس غريباً في تاريخ الأدب، منذ مسرحية “الضفادع” لأريستوفانيس، التي تنطلق من عنوان ساخر وعالم عبثي، لكنها تنفتح على نقد ثقافي وسياسي عميق. في الأدب الحديث نجد الأمر نفسه في رواية “حفلة التيس” ذات العنوان الكرنفالي لماريو فارغاس يوسا الذي اختار اليحيائي عبارته تقديماً للكتاب “الرواية تدريب على الحرية”. المؤلف يراوغ، يرمي النرد ويبحث عن خطوات تعيد تشكيل الوقائع، كما يدور الحوار بين الشيخ عبد الله بن راشد والقومندان في قوله: “ما كتبه المؤلف لا يدخل في خانة التزوير، إنه يخلط الحقيقة بالخيال، أخذ شيئاً من تاريخك وأضاف شيئاً من خياله، هكذا يفعل كتّاب الروايات، يا شيخ”.
أمَّا الحضور النسوي في رواية “حواليس” فهو يتوزَّع عبر شخصيات تنتمي إلى أصول عربية متعدّدة، لكن هذا التعدّد لا يفضي إلى تفتّح ذاتي وهويات مستقلة، بقدر ما يجعل المرأة وسيطاً للتحولات داخل المجتمع، حيث تبدو نتاجاً لمعايير مزدوجة تتحكَّم في تمثيلها ضمن أفق ذكوري. هذا الحضور لا يُقدِّم النساء فاعلات مباشرات، بل بصفة ذواتٍ تتحرك داخل: الزواج، والأسرة، والعاطفة، والحماية الاجتماعية. المرأة أمام هذه التحديات، تقف داخل مسلخ وجودي، ضمن ما يسميه بيير بورديو بـ”العنف الرمزي”، تُمارَس فيه أشكال من الهيمنة غير المرئية، تضع جسدها بين حدّي العنف والتشييء. فإذا كانت الشخصيات الذكورية تمتلك، ولو على نحو وهمي، إمكان الحركة داخل فضاء ملتبس، فإن حضور المرأة يتخذ مساراً أكثر انغلاقاً. بهذا المعنى، تُصوّر المرأة بوصفها أداة للسلطة أو جزءاً من آلياتها، وهذا ما يجعل حضورها أقرب إلى علامة على مرحلة انتقالية في المجتمع، حيث لا تزال البنية الاجتماعية بين تاريخ مكتوم، وانفتاح مشوّش لم يتخذ شكله الموضوعي بعد.
لعلّ الشكوك التي تتناولها الرواية، حول بنية المجتمع العُماني وصراعاته، ما ينسجم مع رؤية كلود ليفي ستروس الأكثر إشراقاً حول هذا الموضوع المحوري حين يقول “إن الأفراد: في لهوهم، وأحلامهم، أو في هذيانهم، لا يُخلقون أبداً بصورة مطلقة، بل يكتفون باختبار بعض التشكيلات في سجلٍّ مثالي من الممكن إعادة تشكيله”. في هذا السياق، تأتي إحالة الرواية إلى منطق اللعب، والحوارات المتشظّية، والخلافات التي لم يتم حسمها، استجابة طبيعية لمحاولات ردم الانفصال الداخلي.
يراهن الكاتب على ديناميكية السرد لإنتاج احتمالات متعددة للفعل بدل الاكتفاء بمسار واحد مغلق. حول سؤال: “ما هو الوطن؟ وما يمكن أن يكون؟” الذي تطرحه شخصية الزنجباري هديب خميس، تتراكم توجسات المجتمع حول استحقاق كل فرد للانتماء، وإمكان التفكير في العدالة بما يتيح الانتقال إلى مساحات أكثر اتساعاً وتكافؤاً، تتقاطع فيها الحريات وتتحاور وتعيد تشكيل صلات نموها الإنساني المشترك، بدل أن تُحاصر داخل حفرة واحدة.
* شاعرة سورية
