بعد ما يقرب من 3000 عام على ملحمة هوميروس شديدة الشهرة، تعود “الأوديسة” (The Odyssey) إلى الشاشة الكبيرة في معالجة سينمائية جديدة، هذه المرة بتوقيع المخرج كريستوفر نولان، الذي يحول إحدى أهم الملاحم المؤسسة للأدب الغربي إلى فيلم يعد من أضخم إنتاجات 2026 وأكثرها انتظارا.
الفيلم من بطولة مات ديمون في دور أوديسيوس، ويشاركه آن هاثاواي، وتوم هولاند، وروبرت باتينسون، وزندايا، ولوبيتا نيونغو، وتشارليز ثيرون، وجون بيرنثال، وميا جوث، بينما كتب نولان السيناريو وأخرجه، وتولى هويت فان هويتيما التصوير، ولودفيغ غورانسون الموسيقى، وجينيفر ليم المونتاج. وقد صُوِّر الفيلم بالكامل بكاميرات IMAX، في سابقة هي الأولى لفيلم روائي طويل.
من الحرب إلى العودة.. لماذا تختلف “الأوديسة” عن “الإلياذة”؟
يصعب فهم ملحمة “الأوديسة” بمعزل عن الملحمة التي سبقتها، أي “الإلياذة”، فكلتاهما تُنسبان إلى هوميروس، لكنهما تنطلقان من سؤالين مختلفين تماما، فبينما تعد “الإلياذة” ملحمة تدور أحداثها في الأسابيع الأخيرة من حصار طروادة، وتركز على البطولة العسكرية وغضب أخيل وسعيه إلى المجد، نجد أن “الأوديسة” ملحمة نجاة وعودة، تبدأ بعد انتهاء الحرب، عندما يتحول الانتصار نفسه إلى بداية لمحنة جديدة أشد.
اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list
ينطلق كريستوفر نولان من هذا التحول الجوهري، فيختار تتبع رحلة عودة أوديسيوس (مات ديمون) الطويلة إلى مملكته إيثاكا، عندما يجد نفسه في مواجهة اختبارات متتالية، من وحوش البحر والساحرات إلى غضب بوسيدون، بينما تنتظره زوجته بينيلوبي (آن هاثاواي) وابنه تيليماخوس (توم هولاند) في وطن تغير كثيرا عما تركه عليه.
أوديسيوس رجل لا يبحث عن الخلود، إنما يرغب في النجاة والعودة إلى أسرته، لذلك يعتمد في حرب طروادة على الدهاء أكثر من القوة، ويتحول انتصاره في الحرب عن طريق حيلة حصان طروادة الشهيرة إلى عبء يطارده خلال رحلته.
هذا التباين الكبير بين الملحمتين كان أحد الأسباب التي دفعت بعض الباحثين، منذ القرن الثامن عشر، إلى التشكيك في أن “الإلياذة” و”الأوديسة” خرجتا من قلم شاعر واحد، فيما عُرف بـ”المسألة الهوميرية”. فقد رأى أصحاب هذا الاتجاه أن اختلاف البناء السردي، ونبرة العملين، والرؤية الأخلاقية، وطبيعة البطل في كل منهما، يشير إلى اختلاف في التأليف أو إلى تطور طويل داخل التقليد الشفهي، بينما يتمسك باحثون آخرون بوحدة المؤلف، معتبرين أن الفروق تعكس اختلاف الموضوع لا اختلاف الكاتب.
وفي الحالتين، يستثمر نولان هذا التمايز ليقدم “الأوديسة” كملحمة عن الإنسان بعد الحرب، لا عن الحرب نفسها، لذا يختلف الفيلم عن الكثير من الأفلام الأخرى التي تناولت ملحمة الإلياذة، مثل “طروادة” (Troy) على سبيل المثال.
أوديسيوس يدفع ثمن انتصاره
يتعامل فيلم “الأوديسة” مع حصان طروادة كبداية مأساة أخلاقية، فانتصار أوديسيوس لم يكن ثمرة القوة، بل نتيجة الحيلة والخداع، وهي صفات لم ينظر إليها الإغريق باعتبارها عيبًا بالضرورة، بل إحدى سمات البطل الكامل إلى جانب الشجاعة والقدرة القتالية، غير أن نولان يطرحها في الفيلم الأمر بشكل مختلف.
منذ مغادرة أوديسيوس طروادة، لا يعرف طريقًا مستقيمًا إلى الوطن، ويجد نفسه أسيرًا لسلسلة من العقوبات والاختبارات، التي تبدو، في القراءة التي يقدمها الفيلم، الثمن الذي يدفعه مقابل انتصاره، وتزداد هذه الفكرة وضوحًا مع غروره بعد هزيمة العملاق ذي العين الواحدة، أو “السكليوب”، وتصبح رحلة العودة، التي لا تنتهي عقباتها، هي ثمن هذا الغرور.
تفتح هذه الفكرة بابًا لمقارنة لافتة بين أوديسيوس وأوديب، أحد أشهر أبطال المأساة اليونانية، فكلاهما يعيش تحت سلطة قدر يبدو مستحيل الإفلات منه، وكلاهما يحاول مقاومة مصيره، لكنه ينتهي إلى تحقيقه بشكل أو بآخر، غير أن الفارق بينهما يكمن في طبيعة الذنب.
أوديب يحقق النبوءة دون علمه، فتغدو مأساته نتاج الجهل أكثر من الاختيار، أما أوديسيوس فيشارك بوعي في صنع مصيره، فهو يختار الخداع، ويختار الغرور، ويظن أن ذكاءه قادر على التفوق على الجميع، قبل أن يكتشف أن الحيلة لا تمنح صاحبها حصانة من العدالة.
يقدم العراف تريسياس لأوديسيوس نبوءة تخبره أنه سيفقد كل أفراد طاقمه، غير أنه يرفض الامتثال والتصديق، فيستمر في معاندة العالم، حتى يستسلم للهزيمة بعدما تجرفه المياه إلى شاطئ كاليبسو (تشارليز ثيرون).
الأوديسة.. فيلما مضادا للحرب
في الوقت الذي يشهد فيه العالم حروبا وصراعات ممتدة، من أوكرانيا والشرق الأوسط إلى السودان ومناطق أخرى، يأتي “الأوديسة” ليقدم قراءة مختلفة لإحدى أشهر الملاحم الحربية في التاريخ.
يبدأ كريستوفر نولان فيلمه في اللحظة التي تنتهي فيها المعركة، وهو لا يحتفي في عمله بسقوط طروادة، أو يحول الانتصار إلى مشهد بطولي، وينشغل، في الحقيقة، بما تركه هذا الانتصار من خسائر نفسية وأخلاقية لا تفارق المنتصر نفسه.
فتتحول رحلة أوديسيوس في الفيلم من مجرد مغامرة للعودة إلى الوطن، إلى رحلة رجل يحاول النجاة من آثار الحرب التي شارك في صنعها والانتصار فيها، فكل محطة يمر بها تكشف أن العودة إلى الحياة السابقة لم تعد ممكنة، وأن الحرب لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تستمر داخل الإنسان، في ذاكرته، والأهم في شعوره بالذنب.
أوديسيوس في الفيلم ضحية انتصاره وسقوطه الأخلاقي، وتنسجم هذه الرؤية مع اهتمام نولان المتكرر بتفكيك صورة البطولة التقليدية. ففي “دانكيرك” (Dunkirk)، انشغل بتجربة البقاء على قيد الحياة أكثر من تمجيد المعركة والانتصار العسكري، وفي “أوبنهايمر” (Oppenheimer)، انصرف إلى الثمن الأخلاقي للاكتشاف العلمي بدلًا من الاحتفاء بالإنجاز التاريخي.
ويواصل “الأوديسة” هذا المسار، لكن عبر العودة إلى واحدة من أقدم الحكايات المؤسسة للخيال الغربي، ليعيد قراءتها من منظور معاصر يرى أن الانتصارات العسكرية تُقاس بما تتركه من ندوب في حياة الأفراد والمجتمعات.
نجوم في الخلفية.. وفيلم لا يكتمل إلا داخل السينما
يظهر في “الأوديسة” فجوة كبيرة بين حجم طاقم التمثيل والمساحة الدرامية التي تحظى بها معظم الشخصيات. فالفيلم يضم مجموعة من أبرز نجوم هوليوود، لكن باستثناء أوديسيوس وأفراد عائلته، تبدو بقية الشخصيات مجرد محطات رئيسية في رحلة الفيلم، وليست شخصيات درامية مستقلة.
غير أن ذلك لا يعود إلى سوء كتابة أو إهدار للممثلين، بقدر ما يرتبط بطبيعة الملحمة نفسها؛ فـ”الأوديسة”، منذ نص هوميروس، لا تقدم نفسها كرواية جماعية متعددة الأبطال، مثل “الإلياذة” على سبيل المثال، بل هي رحلة فردية يمر خلالها البطل على أشخاص يغيرون مسار رحلته ثم يختفون من السرد.
ولهذا، فإن شخصيات مثل سيرسي، وكاليبسو، وبوليفيموس، وحتى الخصوم في إيثاكا، تؤدي أدوارًا محورية في تطور الأحداث، وإن ظلت محدودة زمنيًا. كما أن استعانة نولان بهذا العدد من النجوم لا تبدو استعراضًا، بقدر ما تعكس مكانته داخل الصناعة، وقدرته على جذب ممثلين كبار للمشاركة في أدوار قصيرة لكنها مؤثرة داخل البناء الدرامي.
ولا يختلف الأمر كثيرا عندما يتعلق بتجربة المشاهدة نفسها، فمن قبل عرضه، يؤكد المخرج وكل من شارك في الفيلم أنه صُمم ليُشاهد داخل قاعة السينما، لا على الشاشة المنزلية، أو المنصات الإلكترونية، فالتصوير بكاميرات آيماكس، واتساع الكادرات، والتصميم الصوتي الدقيق، والموسيقى، كلها عناصر تتكامل لتصنع تجربة غامرة يصعب نقلها كاملة إلى شاشة أصغر. صحيح أن الفيلم يظل محتفظًا بقيمته الدرامية أينما عُرض، لكن جزءا معتبرا من تأثيره البصري والوجداني يرتبط بالمكان الذي يُشاهد فيه.
وربما لا ينبغي النظر إلى ذلك باعتباره نقطة ضعف، بل انعكاسًا لتحول تشهده السينما المعاصرة. ففي عصر أصبحت فيه منصات البث الوسيط الأكثر انتشارا، يسعى بعض المخرجين، وفي مقدمتهم كريستوفر نولان، إلى تقديم أفلام تجعل الذهاب إلى السينما حدثا في حد ذاته.
