بعد أكثر من 10 ليال من الهجمات الأمريكية المكثفة على إيران بهدف تقويض قدرتها على التحكم بمضيق هرمز، دون أن تنجح في إحداث تحول في موقف طهران، يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن معادلة ردع جديدة وغير مسبوقة، تتمثل بضرب وتدمير البنية التحتية المدنية في قلب العاصمة طهران، في مسعى لرفع الكلفة على إيران، وفق محللين.

لكن تهديد ترمب، استدعى سريعا وعيدا إيرانيا في المقابل، بالردّ بالمثل، واستهداف البنية التحتية والجسور ومنشآت الطاقة في المنطقة، إذا مضت واشنطن في تنفيذ تهديداتها، مما ينذر بانزلاق المواجهة إلى حرب مفتوحة.

ومساء اليوم الأربعاء، توعد الرئيس الأمريكي بالرد على أي اعتداء إيراني يستهدف السفن في مضيق هرمز من خلال استهداف الجسور ومحطات الطاقة في العاصمة طهران والمناطق المجاورة لها، التي ظلت بعيدة عن جولة القصف الحالية.

وقال ترمب، في تدوينة عبر منصته تروث سوشيال، “من الآن فصاعدا في كل مرة تطلق فيها إيران النار على سفينة في مضيق هرمز سواء كان ذلك بصاروخ أو طائرة مسيّرة أو أي سلاح آخر ستقوم الولايات المتحدة بقصف وتدمير جسر أو محطة توليد طاقة، بما في ذلك تلك الواقعة في طهران أو بالقرب منها”.

ويأتي تحذير الرئيس الأمريكي بعد يوم من تلويحه بضرب موقع نووي إيراني في جبل الفأس، وتأكيده خلال مؤتمر صحفي مع الرئيس اللبناني جوزيف عون في البيت الأبيض أن “الحصار في مضيق هرمز متواصل ولا أحد يعبر منه”.

US President Donald Trump salutes as a US Army carry team carries the flag-draped transfer case containing the remains of 1st Lt. Tyler James Feehan, 25, of Ewa Beach, Hawaii, during a dignified transfer solemn event for US service members killed during operations in the Middle East, at Dover Air Force Base in Dover, Delaware, on July 22, 2026.ترمب يشارك في استقبال جثامين 4 جنود أمريكيين قتلوا في الأردن والعراق خلال التصعيد الأخير مع إيران (الفرنسية)الجمود العسكري ومأزق ترمب

وتأتي تهديدات ترمب الجديدة في إطار الجمود العسكري الحالي بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل عمليات عسكرية متبادلة خلال الليالي الأحد عشر الماضية.

ويشير مراسل الجزيرة في واشنطن أحمد هزيم إلى أن حالة الجمود دفعت -بحسب مسؤولين أمريكيين- إلى بحث خيارات أخرى مع ترمب، تركزت على توسيع نطاق الحملة العسكرية، في سبيل إجبار وإخضاع إيران على القبول بالرؤية الأمريكية لحرية الملاحة في مضيق هرمز، بما يحدّ من قدرتها على فرض رسوم عبور، أو تهديد السفن التجارية والناقلات.

وعقب التهديدات الجديدة، نقل موقع أكسيوس بأن ترمب يدرس استئناف العمليات القتالية الكبرى في إيران، مرجحا أن تشمل حملة عسكرية مشتركة مع إسرائيل، على غرار عملية “الغضب الملحمي”، في 28 فبراير/شباط الماضي.

ونقل الموقع الأمريكي عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن ثمة استعدادات لاحتمال توسيع نطاق الحرب ضد إيران، لتشمل حملة عسكرية منسقة وشاملة خلال أيام، لافتا إلى مناقشات جارية حول إمكانية عقد اجتماع بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المكتب البيضاوي الأسبوع المقبل.

لكن مراسل الجزيرة أحمد هزيم يشير في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأمريكي يمرّ في وضع سياسي صعب للغاية، وفق وصف مسؤول أمريكي، إذ لا يستطيع تحقيق هدف إعادة فتح مضيق هرمز، رغم ما قدمه لإيران من تنازلات في مذكرة التفاهم المبرمة قبل أكثر من شهر، كما أنه لا يستطيع -في الوقت ذاته- توسيع إطار الهجمات العسكرية، دون أن يدفع ثمنا سياسيا في انتخابات التجديد النصفي.

ويلفت هزيم إلى أن توسيع الهجمات لا يحظى بشعبية بين أنصار ترمب، إذ تحدثت صحيفة بوليتيكو الأمريكية، عن أن ثلث أنصار حركة “ماغا” فقط يؤيدون هذه الحرب، في حين كانوا يشكلون أكثر من النصف في شهر مايو/أيار الماضي.

ومن هنا يسعى ترمب الضغط على طهران عبر التهديد باستهداف البنية التحتية لإيلام الجانب الإيراني أكثر، أملا بدفعه إلى التوصل لتفاهم يناسب واشنطن، ويعيد حركة الملاحة في هرمز إلى سابق عهدها قبل الحرب.

بيد أن هناك تحديات أخرى تصطدم بهذا التهديد، وفق مراسل الجزيرة، مشيرا إلى الحديث عن الاستنزاف في مخزون الولايات المتحدة والبنتاغون من الذخائر والصواريخ.

وسعى وزير الحرب الأمريكي بيت هِغسيث -أمس الثلاثاء- أمام الكونغرس، إلى إقناع المشرعين بإقرار ما يطلبه من تمويل إضافي وطارئ، بقيمة 89 مليار دولار، ستخصص منها 67 مليار دولار لتغطية تكلفة الحرب مع إيران، التي قال إنها تجاوزت 37 مليار دولار.

الردّ الإيراني: “حريق لا يمكن احتواؤه”

ولم يتأخر الردّ الإيراني على تهديد الرئيس الأمريكي، إذ نقلت وكالة تسنيم عن مصدر عسكري إيراني، قوله إنه في حال استهداف الجسور المنشآت الحيوية في طهران، فسُيقابل باستهداف بنى تحتية ومنشآت للطاقة في المنطقة.

وواصل المصدر العسكري وعيده، محذرا من أن “أي مغامرة محتملة للرئيس ترمب ستؤدي مرة أخرى إلى إحراجه”، مضيفا أن الولايات المتحدة أدركت خلال الأيام العشرة الماضية، بأن إيران قادرة على استهداف أي موقع تحدده.

معادلة الردّ بالمثل

وكرر موقع “نور نيوز”، المقربة من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، تهديدات مماثلة، ردا على تصريحات ترمب، مشددا على أن “بدء حرب تستهدف البنية التحتية في إيران يعني إشعال حريق يصعب احتواؤه في المنطقة، وربما يتجاوزها”.

ونقل عن مصدر عسكري وعيده بأن “أي هجوم على جسر أو محطة طاقة إيرانية” سيواجه بـ”رد انتقامي”، وفق وصفه.

وبحسب مدير مكتب الجزيرة في طهران نور الدين الدغير، فقد توعد قائد عسكري في مقر خاتم الأنبياء الإيراني، بأن طهران سترد بالمثل، وفق معادلة الجسور مقابل الجسور والموانئ مقابل الموانئ، ومصادر الطاقة والنفط مقابل مصادر الطاقة والنفط في المنطقة.

وتتزامن التهديدات الإيرانية، مع التأكيد مجددا على التحكم الحصري بمضيق هرمز، الذي تدور حوله الخلافات والمعارك، إذ يؤكد التلفزيون الإيراني في أعقاب تهديد ترمب، بأن المضیق تحت سيطرة طهران، مشددا على أنه “لا يمكن لأي سفينة من أي مكان في العالم العبور من خلاله”.

قاليباف: معادلة الحرب واضحة

وفي السياق ذاته، هدد رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، بأنه “لن تكون أي بنية تحتية آمنة في المنطقة إذا لم يتم ضمان أمننا”، واصفا معادلة الحرب بأنها واضحة، مضيفا “إما كل شيء أو لا شيء”.

وشدّد قاليباف، على أن أمن مضيق هرمز، يكمن في “خروج القوات الأمريكية”، وأن الوضع في المضيق لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب.

من جهته، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن الشعب الإيراني لن يستسلم أمام التهديد، مضيفا “أكدنا دائما أهمية الدبلوماسية وتسوية الخلاف عبر مسارات سياسية”.

قاليباف: لن تكون أي بنية تحتية آمنة في المنطقة إذا لم يتم ضمان أمنناقاليباف: لن تكون أي بنية تحتية آمنة في المنطقة إذا لم يتم ضمان أمننا (غيتي)دلالات تهديدات ترمب

وفي الحديث عن دلالات تهديد الرئيس الأمريكي، يرى محللون بأن اللجوء إلى استهداف الجسور والمرافق المدنية الحيوية في طهران، يعكس تحولا في طبيعة الهجمات العسكرية، بعد أن ركزت على الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي ومخازن العتاد الإيراني، في خطوة تعكس قناعة أمريكية بأن ذلك سيرفع الكلفة على إيران.

وتركزت خريطة الضربات الأمريكية خلال الليالي الأحد عشر الماضية على المناطق الساحلية الجنوبية، إذ راوحت بين جزر وموانئ ومواقع عسكرية داخل نطاق يشرف على مضيق هرمز، فيما لم تطل أيها العاصمة طهران.

طهران في دائرة الاستهداف

وينوّه أستاذ تسوية الصراعات الدولية، محمد الشرقاوي إلى أن إعادة العاصمة طهران بكل ما تحمل من رمزية سياسية، إلى صدارة بنك الأهداف، ينذر توسع الحرب وعودتها إلى أسبوعها الأول، مشيرا إلى النظرية المكرسة لدى الحرس الثوري الإيراني، في الرد بالمثل.

ويرى الشرقاوي في حديث للجزيرة، بأن التصعيد الأمريكي في الأسبوعين الأخيرين، يستند إلى فرضية أن إيران وصلت إلى مستوى من الضعف، وأن ثمة حاجة إلى مواصلة القصف وصولا إلى انهيارها، مشيرا إلى أن هذه الرؤية التي كان انطلق منها الجيش الأمريكي في حرب الأربعين يوما، وأيضا حرب الـ12 يوما، منتصف العام الماضي.

وقال إن ترمب متشبع بمبدأ القوة، ويجد في السردية الإسرائيلية ما يحفز على مواصلة القصف، مستدركا بأن هناك أصواتا أخرى تنادي بالمفاوضات، بالنظر إلى أن الأسلوب العسكري سبق تجربته، ولم يكن ذا جدوى.

epa13126439 Iranians walk past an anti-US billboard depicting US President Donald Trump in a coffin alongside the slogan 'We Kill Trump' at Enghelab Square in Tehran, Iran, 22 July 2026. Tensions between Iran and the US continue over the Strait of Hormuz following US strikes on several locations across Iran. EPA/ABEDIN TAHERKENAREH RESTRICTIONS: NO Access Israel Media/Persian Language TV Stations Outside Iran/Strictly No Access BBC Persian/VOA Persian/Manoto TV/Iran International TV. (As mandated by Iran's Directorate General for Foreign Media) --لوحة في إحدى شوارع طهران تُظهر ترمب داخل نعش (الأوروبية)
ترمب يراهن على الانقسام الإيراني

لكن، وفي إطار البحث عن دوافع تهديدات ترمب، قال الباحث في الدراسات الاستراتيجية والأمن الدولي، كينيث كاتزمان، إن الولايات المتحدة ترى انقساما في النظام الإيراني، بين من يعتقد بأنه يجب أن تكون هناك تسوية، وبين “المتشددين”، الذين يصرّون على مواصلة الحرب.

وقدّر كاتزمان -في حديث للجزيرة- بأن منشور ترمب يسعى إلى ممارسة ضغط داخلي على إيران، عبر تشجيع من وصفهم بـ “الوسطيين والمعتدلين”، والتوجه نحو المفاوضات، بالنظر إلى أن التهديدات الأمريكية ستعزز وجهة نظرهم، من خلال التحذير من أن حياة الإيرانيين ستسوء، وإحراج “المتشددين”، جراء الدمار الذي يلحق بإيران.

وتشير التحليلات إلى أن الحصار الأمريكي على الموانئ والسفن الإيرانية الذي أكمل أسبوعا منذ إعادة فرضه في 14 يوليو/تموز الجاري، لم يشكل تأثيرا واضحا لصالح واشنطن، وفق تحليل بيانات أجرته وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة.

ورصدت الوحدة عبور 19 سفينة مرتبطة بإيران من أصل 44 سفينة منذ دخول الحصار الأمريكي حيز التنفيذ، وحتى ظهر أمس الثلاثاء.

كما كشفت تقييمات استخبارية أمريكية أن الموجة الجديدة من الهجمات على مواقع إيرانية، المستمرة منذ 11 يوما، لم تفعل الكثير لتغيير سلوك إيران، بحسب ما أكده مسؤول أمريكي لصحيفة “ذا أتلانتيك” في تقرير نشرته أمس الثلاثاء.