أطل زياد الرحباني على قراء جريدة “السفير” بتجربة صحافية ملفتة، عبر مقالات حملت عنواناً جامعاً: “أعذر من أنذر”. استمرت هذه التجربة حوالي عشرة أشهر، بين 23 تشرين الأول/ أكتوبر 1997 و22 آب/ أغسطس 1998، نشر خلالها أربعة وثلاثين مقالاً (وفق ما هو متوفر في الأرشيف)، تنوعت بين النقد السياسي اللاذع، والهجاء الاجتماعي، والمشاهد الحوارية المسرَّحة، والتأملات الفلسفية الساخرة، لتشكّل في مجموعها ظاهرة استثنائية في صحافة التسعينيات من القرن العشرين، وفي مسيرة الرحباني الإبداعية على السواء.

لا تكمن أهمية هذه التجربة في كونها مجرد “كتابة صحافية” لشخصية فنية معروفة، بل في السياق الذي أُنْتِجت فيه، والأسئلة التي أثارتها عن علاقة المثقف بالسلطة والمجتمع، في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية. فالكتابة الصحافية، مهما كانت ذاتية أو إبداعية، تظل محكومة بظروف إنتاجها: البيئة السياسية التي تنشأ فيها، طبيعة المنبر الذي يحتضنها، وخلفية الكاتب نفسه وتجربته السابقة. وفي حال زياد، تتضاعف أهمية هذا السياق.. إذ إن مقالاته جاءت تتويجاً لمسار إعلامي بدأ في السبعينيات، وتعاقبت عليه وسائط متعددة، وتقاطع مع تحولات كبرى في تاريخ لبنان الحديث.

في النصف الثاني من التسعينيات، عاش اللبنانيون “سلم ما بعد الحرب”، ذلك السلم الهش الذي أتى بعد انتهاء الحرب الأهلية رسمياً، بتوقيع اتفاق الطائف بين أمراء الحرب، فأنشأ واقعاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً معقّداً، طغى عليه الاستقرار الأمني النسبي مقابل تهميش السياسات الاجتماعية، وتراجع دور الدولة، واحتلال العدو الإسرائيلي لقسم من الجنوب. خضعت البلاد للوصاية السورية، التي تمثلت في وجود عسكري وسياسي مؤثِّر على حكومات رفيق الحريري (1992-1998) المدعوم من السعودية، لكنه واجه انتقادات متصاعدة؛ بسبب سياساته الاقتصادية التي اتُّهمت بأنها تخدم المصرفيين والمقاولين على حساب الطبقات الفقيرة. قامت العلاقة بين “الترويكا” الرئاسية: (الحريري، بري، الهرواي) على المحاصصة في: (المشاريع، الوظائف العامة، المشاعات، الأملاك البحرية والنهرية…)، مع احتساب حصة للوصاية السورية التي نظرت إلى لبنان كبقرة حلوب. ثم تعكرت هذه العلاقة وصارت مشحونة سلباً، وانعكس ذلك في مناخ سياسي متوتر، إذ بلغ الدين العام مستوى خيالياً بالنسبة إلى مساحة لبنان وعدد سكانه، وتراجعت القيمة الشرائية للعملة، وفرضت الحكومة سياسات تقشفية، بناءً على توصيات صندوق النقد الدولي، مع بدء الحديث عن خصخصة المؤسسات العامة: (كهرباء لبنان، الاتصالات، الخطوط الجوية). هذه السياسات أثارت موجة من الاحتجاجات الشعبية والنقاشات الإعلامية حول العدالة الاجتماعية، وخلقت فجوة واسعة بين الطبقة السياسية-المالية المترفة والغالبية الفقيرة أو المهمشة.

مقالات ذات صلة

اجتماعياً وثقافياً، عاش لبنان أزمة هوية حادة، تجلت في الانقسام الطائفي المستمر، وضعف الدولة في توفير الخدمات الأساسية، وانتشار ظاهرة الهجرة، مع استمرار تداعيات الحرب الأهلية في الذاكرة الجمعية. وفي خضم ذلك، برز دور المثقفين والإعلاميين، بعدما صار لكل طائفة منابرها الإعلامية المرئية والمكتوبة والمسموعة. لكن النقد الحقيقي للواقع كان يصطدم بحدود الرقابة الذاتية أو الرسمية، أو بسياسة “الخط الأحمر”، التي كانت تفصل بين المسموح والممنوع في الخطاب العام. في هذا المناخ، كانت جريدة “السفير” أحد المنابر النادرة، التي حاولت الحفاظ على مساحة من النقد الجريء، من دون أن تتخلّى عن التزامها السياسي التقليدي. و”السفير” منذ أن أسسها الأستاذ الراحل طلال سلمان سنة 1974، كانت صوتاً معارضاً للنظام السياسي اللبناني القائم، وللاحتلال الصهيوني، وللتدخلات الخارجية، مع انحياز واضح إلى القضايا العربية (خاصة الفلسطينية) وإلى الطبقات المهمشة. وفي العقود التي تلت، رسّخت “السفير” مكانتها كواحدة من أهم الصحف اليومية في لبنان والعالم العربي، بفضل خطها التحريري الجريء، وتنوع كتّابها، واحتفاظها بمساحة للرأي المخالِف والنقد الصريح.

في النصف الثاني من التسعينيات، وبعد اتفاق الطائف، الذي أنهى رسمياً الحرب الأهلية في لبنان، بلغ الدين العام مستوى خيالياً بالنسبة إلى مساحة لبنان وعدد سكانه، وتراجعت القيمة الشرائية للعملة، وفرضت الحكومة سياسات تقشفية، بناءً على توصيات صندوق النقد الدولي، مع بدء الحديث عن خصخصة المؤسسات العامة: (كهرباء لبنان، الاتصالات، الخطوط الجوية). هذه السياسات أثارت موجة من الاحتجاجات الشعبية والنقاشات الإعلامية حول العدالة الاجتماعية، وخلقت فجوة واسعة بين الطبقة السياسية-المالية المترفة والغالبية الفقيرة أو المهمشة.

بحلول التسعينيات، ومع تحولات ما بعد اتفاق الطائف، وتراجع التيار اليساري عربياً وعالمياً، وجدت “السفير” نفسها في موقف صعب.. إذ كانت ملتزمة بخط عروبي يساري، لكنها في الوقت نفسه مضطرة إلى التعامل مع واقع سوري-لبناني جديد، ومع حكومات الحريري التي كانت تمثِّل توجهاً اقتصادياً رأسمالياً، حمى حيتان المال والهدر والفساد. وقد انعكس هذا التوتر على صفحات الجريدة. هذا الموقف الناقد دفعت “السفير” ثمنه غير مرة، لكنه كان فضاءً ملائماً لتجربة زياد الرحباني، فمنحته الجريدة الحرية التي يحتاج إليها؛ للتعبير عن مواقفه بسخرية وتهكم، بعيداً عن القيود في أية صحيفة أخرى. ولا يُخفى أن طلال سلمان، صاحب الجريدة، كان يكنّ تقديراً خاصاً لزياد وإنتاجه الفني والموسيقي.

زياد في التسعينيات

في مطلع التسعينيات، كان زياد قد بلغ مرحلة من النضج الفني، إلى جانب كونه شخصية مؤثرة جداً في الأوساط الثقافية اليسارية، يحتفي به النقاد، ويُحاكي المثقفون أسلوبه، وتُتَداول مقولاته كأمثال سائرة عند جيلين من اللبنانيين والعرب. وكان قد أطل على جمهوره عبر مسرحيتين: “بخصوص الكرامة والشعب العنيد” (1993)، و”لولا فسحة الأمل” (1994)، بالإضافة إلى لقاء جماهيري شبابي ضم أكثر من 700 مشاركة ومشاركاً (1994)، وعزفه في حفل السيدة فيروز وسط بيروت (1994)، الذي شهد جدلاً واسعاً لدى جمهور زياد، حيث كان بعض الشباب قد نظَّم عريضة ضد حفل فيروز في منطقة “سوليدير”، التي ترمز إلى الجشع الرأسمالي، وكان زياد أحد الموقِعين عليها…

يُعرف عن زياد أنه يكره الكتابة، ولعل هذه العبارة المنسوبة إلى الشاعر جوزف حرب تعود إلى مطلع التسعينيات، مع إطلاق مسرحية “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”، حيث كتب جوزف النص التعريفي بالمسرحية، الذي وُزِّع عند مدخل مسرح “البيكاديللي” على المشاهدين. إلا أن زياد كتب كثيراً قبل تجربة السفير، فإذا استثنينا مسرحياته ونصه “صديقي الله” عندما كان طفلاً، يمكن اعتبار جميع تجاربه الإذاعية نصوصاً مكتوبة وإن لم تُنشر ورقياً. بدأ ذلك في السبعينيات مع برنامج “بعدنا طيبين، قولوا الله!”، الذي قدّمه زياد مع الفنان جان شمعون عبر أثير إذاعة لبنان الرسمية من بيروت (بعدما انقسمت الإذاعة وصارت تبث من عمشيت كذلك). كان برنامجاً سياسياً ساخراً، تميّز بطابعه الفكاهي الناقد. هذه التجربة كانت الأولى التي يظهر فيها زياد، كصوت نقدي جماهيري خارج المسرح. ثم أتت تجربة الثمانينيات، مع اشتداد الحرب، حين انتقل زياد إلى إذاعة “صوت الشعب” (إذاعة “الحزب الشيوعي اللبناني”)، وقدَّم برامج منها: “العقل زينة”، و”تابع لشي تابع شي”، التي كانت أطول وأكثر تنوعاً، وضمت حوارات واسكتشات وأغاني. هذه البرامج جعلت من زياد ظاهرة إذاعية، وكرّست صورته كصوت المعارضة الناقد للحرب وللميليشيات، خاصة في زمن اغتيال القادة الشيوعيين على أيدي الظلامية الإسلاموية.

مقالات ذات صلة

يُذكَر أنه بالتزامن مع كتابته في “السفير”، ظهر زياد في حلقتين من برنامج “حوار العمر”، عبر شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال، مع الصحافية جيزيل خوري. وكان خطابه الأكثر جرأة في تاريخ البرنامج، إذ ناقش قضايا الدين، والسياسة، والطائفية، بطريقته الخاصة، ما أثار جدلاً واسعاً. هذه التجربة المرئية، وإن كانت مختلفة عن الصحافة، إلا أنها تُشاركها في نزعة الكشف والمواجهة، لكنها تختلف في طابعها الحواري المباشر والارتجالي.

بدأ زياد رحلته الكتابية، بمقالٍ عنوانه: “ومن كل بدّ، غيفارا مات البارحة” (23 تشرين الأول/ أكتوبر 1997)، وانتهى بمقال عن “السوق السوداء” (22 آب/ أغسطس 1998)، مروراً بخمسة مقالات حاسمة، نُشرت بين 27 تموز/ يوليو و3 آب/ أغسطس 1998، شكّلت مجتمعةً ما يمكن اعتباره “خاتمة” واعية لهذه التجربة.

بالتوازي مع نشره المقالات في “السفير”، كان زياد منخرطاً في نشاطات فنية ومواقف عامة أشعلت جدلاً واسعاً كذلك، وكانت لها صلة مباشرة بما كان يكتبه. في آذار/ مارس 1998، أعلن زياد عن حفلين في قاعة “أسامبلي هول” في الجامعة الأميركية في بيروت، لكنهما تعرضا للإلغاء والتعطيل بعد ضغوط من جهات سياسية أو أمنية. هذه الحادثة أثارت موجة من التضامن مع زياد، واحتجاجات ضد قمع الحرية الفنية. وقد عَكس زياد هذا الحدث في مقالاته بطريقة ساخرة، ما يدل على الترابط بين ما يعيشه وما يكتبه. بعد أزمة “الأسامبلي هول”، نظّم زياد حفلاً مجانياً في مسرح البيكاديللي في بيروت، بمناسبة عيد العمال في الأول من أيار/ مايو 1998. الحفل كان عبارة عن أمسية غنائية واسكتشات ساخرة، حضرها جمهور غفير، وأثبتت أن زياد عصيّ على جميع محاولات التعطيل. حظي هذا الحفل باهتمامٍ واسع، وتزامنت مقالاته في تلك الفترة، مع أجواء النضال الرمزي ضد الرقابة والتهميش.

زياد في “السفير”

بدأ زياد رحلته الكتابية بمقالٍ عنوانه: “ومن كل بدّ، غيفارا مات البارحة” (23 تشرين الأول/ أكتوبر 1997)، وانتهى بمقال عن “السوق السوداء” (22 آب/ أغسطس 1998)، مروراً بخمسة مقالات حاسمة، نُشرت بين 27 تموز/ يوليو و3 آب/ أغسطس 1998، شكّلت مجتمعةً ما يمكن اعتباره “خاتمة” واعية لهذه التجربة.

المقال الأول جاء كردة فعل حادّة على النشاطات المرافِقة لزيارة أرنستو غيفارا الابن إلى بيروت، بين 19 و26 تشرين الأول/ أكتوبر 1997، بالتزامن مع الذكرى الثلاثين لاستشهاد والده، وبعد يومين من دفن رفاته في كوبا. وقد رافقه رفيق سلاح والده، المناضل أورلاندو بوريغو. وكان الهدف المعلن من الزيارة “إعلان التضامن الأممي مع الأسرى اللبنانيين والعرب في المعتقلات الإسرائيلية، ودعم نضال الشعب اللبناني لاستعادة أرضه المحتلة”. في مقاله، انتقد زياد بشكل واضح الزيارة ومنظِّمي النشاطات المرافقة لها، وخص بالذكر “الحزب الشيوعي اللبناني”، والفنانين مارسيل خليفة وسامي حواط. لا ندري إن كان قد “تورَّط” في كتابة هذا المقال ونشره آنذاك، كردّ على حادثة محددة، ليجد نفسه مضطراً إلى المتابعة بـ33 مقالاً حملت ترويسة: “أعذر من أنذر”، بدءاً من 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1997. بعض المقالات اكتفى بالترويسة وكان بلا عنوان، وبعضها الآخر حمل عنواناً محدداً: (“لو تكلم وجدي الملاط”، “ذروة ذكاء هبل رأس المال”، “ووقف في مكانه”، “أساس.. لا معدن يا ناس”، “العمل بعيونك”،…) ، أو كان عبارة عن فقرات لكل منها عنوان فرعي.

في مقالاته، استخدم زياد اللغة الفصحى حيناً، واللهجة الدارجة حيناً آخر، أو خلط بينهما، “باللغتين”، على حد تعبيره، كما في مقال “حذار!” (19 آذار/ مارس 1998). من الواضح أن رئاسة التحرير التي كانت تُحذِّر من استخدام العامية إلا للضرورة القصوى، تغاضت عن استخدامها في مقالات زياد، واعتبرت مقالاته مساحة حرّة. وعند استعراض هذه المقالات، يمكننا أن نقف عند خصائص محددة لها في الشكل والمضمون.

بالتزامن مع كتابته في “السفير”، ظهر زياد في حلقتين من برنامج “حوار العمر”، عبر شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال، مع الصحافية جيزيل خوري. وكان خطابه الأكثر جرأة في تاريخ البرنامج، إذ ناقش قضايا الدين، والسياسة، والطائفية، بطريقته الخاصة، ما أثار جدلاً واسعاً. هذه التجربة المرئية، وإن كانت مختلفة عن الصحافة، إلا أنها تُشاركها في نزعة الكشف والمواجهة، لكنها تختلف في طابعها الحواري المباشر والارتجالي.

في الشكل، يعرف كل من عمل في الصحافة الورقية أهمية المساحة الممنوحة لمقال معين، وهي تقاس بالسنتيمتر على عمود (تُقْسم صفحة الجريدة إلى ثمانية أعمدة). فعلى الكاتب أن يقولب أفكاره في كلمات ضمن هذه المساحة. وعلى الرغم من أن “السفير” كانت سبّاقة إلى تنويعات في الإخراج، مكّنت الكتّاب من استغلال المساحة بشكل مريح، وحبّذت ترك مساحات بيضاء إخراجياً، كما اعتمدت “فونتين”: “أسود وأبيض”، وخصّت المادة الخبرية بالأسود (13 كلمة في كل سم/ عمود)، ومادة المقالات بالأبيض (11 كلمة في كل سم/ عمود)، بحيث تكون القراءة أكثر راحة.. وعلى ذلك، من الواضح أن زياد تمرّد على الشكل الإخراجي “المريح” الملزِم للكتّاب. وأبرز مظاهر هذا التمرد، إلى جانب عدم التزامه بمساحة محددة وإهماله تصدير خمسة مقالات بعناوين، كانت كالآتي:

كانت لمسة الفنان سعد حاجو واضحة في تجربة زياد، حيث أرفقت بعض المقالات برسوم لحاجو، منها في الإعلان عن حفل “اشتغل الوضوح”، ضمن مقال “الوقت الآن وليس غداً”، بتاريخ 29 كانون الثاني/ يناير 1998، أو إدراج الإعلان عن حفل “اتحدوا وحّدوه”، في 28 نيسان/ أبريل 1998 (حفل عيد العمال في الأول من أيار/ مايو)، أو إدراج كاريكاتور لحاجو بعنوان “الجانب السلبي” في 6 حزيران/ يونيو 1998، وكاريكاتور “إلى فارس خشّان” في 20 من الشهر نفسه، أو إدراج رسم دائرة فقط ضمن مقال “حذار!” السالف ذكره.

نُشِر مقالان بخط اليد، لا بالحروف الطباعية، في 16 و17 تموز/ يوليو 1998. الأول حمل عنوان “نفس نوع الشغلة”، والثاني “تصويب لمقال ما في متل كذب إلا هيدا”، الذي كان قد نشر في 13 من الشهر نفسه. والواضح أن “التصويب” المقصود هو أن يكون المقال بخط اليد.

تنوعت تواقيع المقالات، إذ نجد اسم “زياد الرحباني” تحت 20 مقالاً، وصورته الشخصية تحت خمسة منها، فيما ترك مقالين بدون توقيع، ووقع واحداً باسم “حبر ناشف”، ووقع ستّة باسم مستعار، هو “دايفد رايش”.

مقتطف من زاوية كتبها زياد الرحباني باسم “حبر ناشف”. أرشيف جريدة السفير (7 آذار/ مارس 1998)

في المضمون، شكلت المقالات استمراراً للصرخة التي أطلقها زياد منذ مطلع التسعينيات في وجه الرأسمالية المتوحشة، وسياسة الخصخصة والتسليع التي نفذتها حكومات رفيق الحريري، إلى جانب صرخة أخرى فحواها “أننا لا نزال هنا، ونعارضكم بشدة”. وكأنه يحكي باسم اليسار. فعلى الرغم من أن اليسار خرج من الحرب الأهلية مهزوماً مشتتاً، وتَصدّر المشهد أمراء الحرب، وقسّموا الغنائم في ما بينهم.. وعلى الرغم من انهيار حليف اليسار الأساسي، الاتحاد السوفياتي، وسيطرة الولايات المتحدة بنماذجها السياسية والثقافية والإعلامية على العالم، استمر اليساريون في معارضة السلطة، بالسبل والأدوات الممكنة، ومنها الكتابة.

مقالات ذات صلة

وقد طغى التلغيز على محتوى مقالات زياد، فهو يتهكم مباشرة على الرأسمالية المتوحشة وتهميشها المعارضة ومحاولات إلغائها، إلا أن زمن الوصاية السورية اقتضى لغة محبوكة ملغّزة في كثير من الأحيان، وموجهة إلى فئة محددة في بعضها، كما في مقال “صباح الخير يا ماما”، بتاريخ 26 آذار/ مارس 1998، حين كتب: “جاءنا من عدة قراء أصدقاء أنهم لم يفهموا من زاوية أعذر من أنذر ولا شيء…”. بالإضافة إلى ذلك، لعب التكرار دوراً في تأكيد أفكار زياد التي أراد إيصالها، كما في مقال “كوميديا بالدارج”، ثم “كوميديا سوداء” بتاريخ 20 حزيران/ يونيو 1998. كما تضمنت المقالات تكراراً من نوع آخر، وهو أن يعيد زياد نشر مادة كانت مستخدمة سابقة، كما في مقال 17 كانون الثاني/ يناير 1998، بعنوان “البنت والبيانو”، وهو نص من برنامجه الإذاعي “العقل زينة”، أو ورد تحت عنوان “من الشعر والنثر” في 8 آذار/ مارس 1998، والنص عبارة عن قصيدة نثرية، من مسرحية “بالنسبة لبكرا شو”، مطلعها: “تناديني وأسكت…”.

خاتمة التجربة

يبدو أن زياد أدرك أنه يتجه إلى إنهاء تجربته في “السفير”، ويظهر ذلك من المقالات الأخيرة، ففي 27 تموز/ يوليو 1998، قال: “أيها اللبنانيون ترقبوا غداً: الحل”. لم يكن مقالاً، مع أنه ورد تحت ترويسة “أعذر من أنذر”، بل مجرد إعلان عن مقال الغد. وفي اليوم التالي لم يعنوِن مقاله بـ”الحل”، وإنما بـ “أسعدتم صباحاً” وحمل توقيع “دايفد رايش”، وكان المقال عبارة عن بيان مباشِر، تبنى الاشتراكية الديمقراطية وديكتاتورية البروليتاريا حلاً للأزمة السياسية، بعد عرض لمعاناة المواطن اللبناني.

تلا هذا المقال مقالان حملا العنوان نفسه “العيد” في 1 و3 آب/ أغسطس، والمقصود عيد الجيش. وهو حدث وطني بامتياز، لكن زياد تناوله بطريقته النقدية، مازجاً بين التهكم على السياسيين، والثناء المزدوج (الساخر وغير الساخر) على الجيش. نبرة المقال تشي بأنه جزء من “ختام” يليق بمناسبة وطنية، لكنه أيضاً يترك الباب مفتوحاً لمقال مكمِّل ثان، ينتهي بملاحظة مهمة: “من المستحسن قراءة الجزء الأول من هذا المقال الذي نُشر في عدد نهار السبت 1 آب وانتهى بالمقطع التالي…”. المقال الثاني يستمر في نقد سياسة الحكومة والوزراء، والتعويل على المؤسسة العسكرية. لكنه ينتهي بشكر الجيش اللبناني، على ما فعله، وعلى ما سيفعله يوماً ما.

من زاوية “أعذر من أنذر” بمناسبة عيد الجيش. أرشيف جريدة السفير (1 آب/ أغسطس 1998)

وبعد انقطاع دام عشرين يوماً ظهرت المادة الأخيرة من هذه السلسلة، تحت عنوان “السوق السوداء” بتاريخ 22 آب/ أغسطس 1998. تحت العنوان رسم سعد حاجو مستطيلاً أسود. ومع هذه الصورة ترك القارئ من دون أية إشارة إلى أنها الحلقة الأخيرة من السلسلة، وكأنه اختار ألا يعلن عن النهاية، بل تركها تتلاشى بهدوء، تماماً كما بدأت.

في مقالاته، استخدم زياد اللغة الفصحى حيناً، واللهجة الدارجة حيناً آخر، أو خلط بينهما، “باللغتين”، على حد تعبيره، كما في مقال “حذار!” (19 آذار/ مارس 1998). من الواضح أن رئاسة التحرير التي كانت تحذر من استخدام العامية إلا للضرورة القصوى، تغاضت عن استخدامها في مقالات زياد، واعتبرت مقالاته مساحة حرّة.

في زمن الوصاية السورية على لبنان، طغى التلغيز على محتوى مقالات زياد، فهو يتهكم مباشرة على الرأسمالية المتوحشة وتهميشها المعارضة ومحاولات إلغائها، لكن الوضع العام حينذاك اقتضى لغة محبوكة ملغّزة في كثير من الأحيان، وموجهة إلى فئة محددة في بعضها، كما في مقال “صباح الخير يا ماما”، بتاريخ 26 آذار/ مارس 1998، حين كتب: “جاءنا من عدة قراء أصدقاء أنهم لم يفهموا من زاوية أعذر من أنذر ولا شيء…”. 

يمكن القول إن مقالات الأيام الأخيرة شكّلت خاتمة واعية لتجربة زياد في “السفير”، سواءً من حيث النبرة الأكثر تأملاً، أو من حيث الترابط الموضوعي بين المقالات. هذه المقالات تعيد طرح الأسئلة الأساسية التي شغلت زياد طوال السلسلة: عن الدولة، الجيش، القمع، الحرية، والعدالة الاجتماعية، لكنها تفعل ذلك بنبرة أكثر هدوءاً وتكثيفاً، وكأن الكاتب يلخِّص ما سبق قبل أن يغادِر. السلسلة التي بدأت بتمجيد ثوري عالمي (غيفارا)، تنتهي بوصف واقعي لسوق سوداء محلية، مما قد يشير إلى تحول من المثال الثوري إلى الوعي بالواقع اليومي، ومن الخطاب العالمي إلى الهم المحلي. وهذا التحول بحد ذاته يعكس نضجاً في مشروع زياد النقدي، أو على الأقل تنوعاً في أساليب مقاربته للواقع.

***

في المحصلة، وعبر تجربته في “السفير”، تمكن زياد من تحويل هذه الزاوية، على الصفحة الأخيرة من الصحيفة، إلى فضاء نقدي متعدد الأبعاد، جمع بين السياسي والاجتماعي والفلسفي، وتميز بأنه فكك خطاب السلطة بأدوات السخرية والتهكم. إذ لم يكتفِ زياد بنقد السياسات الحكومية أو شجب الفساد، بل تجاوز ذلك إلى تفكيك آليات خطاب السلطة نفسها. فهو لم يهاجم القرارات فقط، بل هاجم لغة القرار، وطريقة تقديمه، ومنطقه الداخلي. في مقالاته عن حكومة السنيورة -الحريري، مثلاً، سخِر من الحريري والسنيورة بطرق مختلفة، ومن لغة التقارير، ومن ادعاءات الحكومة أنها تحقق استقراراً ما، بينما يعاني المواطن من الغلاء والبطالة. هذه السخرية لم تكن مجرد أداة بلاغية، بل كانت منهجاً نقدياً يكشف عن التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع. كان زياد واضحاً في انحيازه الواعي إلى الناس وليس إلى أيديولوجيا جامدة، إذ لم يكن يسارياً تقليدياً، بل انحاز إلى الفقراء والمهمشين والمواطنين العاديين، وعاش آمالهم.