على وقع تصعيد إسرائيلي متواصل ومتنامٍ في لبنان، وحديث متواتر حول قرب التوصل إلى إطار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، يطرأ تطور لافت في المسار التفاوضي الخاص بلبنان، حيث يكشف مصدر رسمي رفيع المستوى للجزيرة عن مفاوضات مباشرة الأسبوع المقبل مع إسرائيل، يرجح أنها ستُعقد في واشنطن، تحت وعد أمريكي بوضع حد للاعتداءات الإسرائيلية على نحو تدريجي، وصولا إلى لحظة وقف إطلاق نار تام.

لكن المسار التفاوضي المرتقب، لن يؤدي إلى “اتفاق سلام” بين لبنان وإسرائيل، وفق ما كشفه المسؤول اللبناني، إنما إلى “وقف نهائي” للاعتداءات بين البلدين، مرورا بانسحاب إسرائيلي كامل، مع الإشارة إلى أن أي مسعى إيراني لوقف إطلاق النار محط ترحيب في لبنان، باشتراط مروره عبر المؤسسات الدستورية اللبنانية، وعلى نحو يسهم في تنفيذ قرار “حصر السلاح بيد الدولة”.

وبالتوازي مع ذلك، يؤكد مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية -اليوم الخميس- أن مسؤولين من ‌إسرائيل ولبنان سيعقدان جولة ثالثة من المحادثات في واشنطن يومي 14 و15 مايو/أيار الجاري.

فما دلالات التطور الجديد الذي بدا أنه يعيد رسم الخطوط الحمراء بالنسبة للبنان الرسمي قبل جولة التفاوض المرتقبة، وهل يعكس انفتاحا أكبر على الدور الإيراني؟

تصريح المسؤول اللبناني للجزيرة وما يحمله من تطورات جديدة، يؤكد على 6 نقاط أساسية، هي:

ضغط أمريكي على إسرائيل

إذ يلفت المسؤول إلى أن أمريكا ستسعى لخفض التصعيد الإسرائيلي تمهيدا لتثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى الخطوة التفاوضية الثانية.

جدول الأعمال اللبناني الأولي

وأشار إلى أن المفاوضات ستتناول المسارين الأمني والسياسي لمعالجة القضايا الخمس التالية:

1- الانسحاب الكامل
2- الحدود
3- الأسرى
4- النازحون
5- إعادة الإعمار

لا لقاء بين عون ونتنياهو

ويكشف المسؤول أن الرئاسة اللبنانية أبلغت واشنطن بأنها لا ترغب بعقد لقاء بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهي ترى أن اللقاء هذا قد يؤدي إلى نتائج معاكسة وإجهاض مساعي الاستقرار، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تفهمت ذلك.

كومبو يجمع الرئيس اللبناني جوزيف عون ونتنياهوالرئيس اللبناني جوزيف عون (يمين) ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (وكالات)
اتفاق السلام غير وارد

كما يكشف المسؤول أن لبنان لا يتجه إلى توقيع اتفاقية سلام، بل يدخل مسارا حده الاقصى استعادة الحقوق مقابل اتفاق عدم اعتداء.

المسعى الإيراني مشكور ولكن

ويؤكد المسؤول اللبناني أيضا أن جهد إيران في وضع وقف إطلاق النار بلبنان ضمن المسار التفاوضي بينها وبين واشنطن، محل ترحيب، مستدركا بأنه يجب أن يعبر من خلال مؤسسات الدولة ويُسهم في تنفيذ “حصر السلاح بيد الدولة”.

مدى طويل لحصر السلاح

وبشأن هذه النقطة، يوضح مدير مكتب الجزيرة في لبنان مازن إبراهيم أن المسؤول كشف عن مقاربة جديدة، تتمثل بالمضي في “حصر السلاح بيد الدولة”، لكن وفق جدول زمني طويل الأمد، أسوة بتجارب أخرى مثل أيرلندا، لافتا إلى أن ثمة اعتبارات سياسية اقتصادية واجتماعية ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، عند تنفيذ قرار حصر السلاح.

صورة نشرها حزب الله لأحد مقاتليه عبر حسابه في تيليغرامصورة نشرها حزب الله لأحد مقاتليه عبر حسابه في تليغرام (التواصل الاجتماعي)”اغتيال بيروت” والتطور اللبناني.. تباين في الرؤى

ويأتي الإعلان الأمريكي وتصريح المسؤول اللبناني عن محادثات بلاده مع إسرائيل، بعد يوم من أول هجوم إسرائيلي على بيروت منذ أن وافقت على ‌وقف ⁠هش لإطلاق النار في منتصف أبريل/نيسان الماضي، بعدما عقدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اجتماعا ضم سفيري ⁠البلدين في محادثات مباشرة نادرة.

ويؤكد المسؤول اللبناني أن عملية الاغتيال التي أعلنت إسرائيل أنها استهدفت فيها قائد قوة “الرضوان” التابعة لحزب الله مالك بلوط، مساء أمس الأربعاء، كانت تسعى لعرقلة مسار التفاوضي والتشويش عليه، ليس في لبنان فقط، إنما بين واشنطن وطهران.

وفيما يتفق بعض المحللين مع وجهة نظر المسؤول، بأن نتنياهو سعى عبر هذا التصعيد إلى إحباط التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني وشيك، والسعي لـ”فصل المسارات” لإبقاء الساحة اللبنانية مفتوحة للاستهداف بعيدا عن أي صفقة إقليمية، ذهب آخرون إلى القول إن الغارة المفاجئة سرّعت بحدوث التطور اللبناني.

ويتبنى القول الأخير، الكاتب والمحلل السياسي بشارة شربل، مضيفا -في حديث للجزيرة- أن إسرائيل أرسلت رسالة واضحة وبالتنسيق مع الولايات المتحدة، إلى إيران، بأن لبنان لن يكون على طاولة المفاوضات بين واشنطن وطهران، وأن التفاوض بين بيروت وتل أبيب سيبقى محصورا في لبنان.

وكانت هيئة البث الإسرائيلية نقلت عن مسؤول كبير أن عملية الاستهداف “جرت بالتنسيق مع الولايات المتحدة”.

لكن المحلل السياسي علي حيدر، ذهب إلى عكس ذلك تماما، قائلا للجزيرة إن اللقاءات بين لبنان وإسرائيل كانت ستُعقد بكل الأحوال، وأن إسرائيل كانت مطمئنة من عدم تأثير العملية في بيروت على مسار المفاوضات، بالنظر إلى التجربة التي تثبت بأن المساعي الدبلوماسية لطالما كانت طوال الوقت تُنفذ “تحت النار”.

المسار المطروح والانفتاح على إيران

ورغم أن التعويل كله -بالنسبة للبنان الرسمي- ينصب على الولايات المتحدة في إرساء اتفاق يلزم إسرائيل، إلا أن المسؤول اللبناني واسع الاطلاع، أبدى نبرة أقل حدة تجاه الربط الإيراني والمتجسد فيما يُعرف بـ”توحيد الساحات”، الأمر الذي تحاربه إسرائيل وتسعى لعدم تثبيته.

بل ذهب الأمر إلى أبعد من ذلك، إذ يعرب المسؤول عن ترحيب بلاده بجهود طهران الساعية لوقف إطلاق النار في لبنان، ضمن الإطار التفاوضي الأوسع مع الولايات المتحدة.

ويتزامن ذلك، مع تواتر الحديث عن قرب التوصل إلى مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، وفق ما كشف الإعلام الأمريكي نقلا عن مسؤولين في البيت الأبيض، وهو الأمر الذي أقر بصحته كذلك كل من إيران وباكستان.

ولعل ما يجدر بالذكر في هذا المقام، ما أوردته صحيفة يديعوت أحرونوت -اليوم الخميس- إذ قالت إن الاتفاق الأمريكي الإيراني المرتقب “قد يعيد تشكيل الساحة اللبنانية”.

وأكدت الصحيفة الإسرائيلية، أن إسرائيل تلقت معلومات تفيد بإصرار إيران على تضمين بند يربط جميع الجبهات، ويوقف القتال عليها، مضيفة أن الولايات المتحدة “وافقت” على ذلك، رغم أن هذا البند لا يلائم إسرائيل.

وكان الرئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، أكد أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أبلغه رسميا، عبر اتصال هاتفي، بأن الولايات المتحدة وإيران أدرجتا بند “وقف إطلاق النار في لبنان” على طاولة المفاوضات.

ويشير المحلل السياسي بصحيفة يديعوت أحرونوت إيتمار آيخنر، إلى قلق المسؤولين الإسرائيليين من أن تؤدي التفاهمات الأمريكية مع إيران إلى تقويض حرية تحرك الجيش الإسرائيلي في لبنان، أو حتى الضغط باتجاه انسحابه، ما يهدد بشل القدرات العسكرية الإسرائيلية وتحييد الأهداف الإستراتيجية التي أُعلنت في بداية الحرب.

توقعات ومخاوف

ويتوقع الكاتب والمحلل السياسي نقولا ناصيف أن الطرح اللبناني سيقابل بردود فعل سلبية بالغة من حزب الله، على اعتبار أن لبنان رسميا يسعى عبر المفاوضات المرتقبة إلى الحسم بشكل نهائي بينه وبين حزب الله، والقفز فوق المراحل وعامل الزمن، عبر الانتقال من المفاوضات التقنية إلى السياسية.

وقال إن الفجوة ستتسع، مستبعدا الوصول إلى اتفاق، مشيرا إلى أن النقاط المطروحة تنتمي إلى المسار الأمني مع إسرائيل، لكن المسار السياسي وتحديدا مع حزب الله وقرار نزع سلاحه، لا زال مجهولا، إذ لم يجر التطرق إليه على نحو مفصل.

“ضفة غربية ثانية”: ويستشعر المحلل السياسي حيدر خطورة في المفاوضات المرتقبة بين بيروت وتل أبيب في واشنطن، ما دفعه إلى استحضار ما يجري وتشبيهه بتجربة “الضفة الغربية”، في إشارة إلى أنها مجردة من أي قوة، ولديها سلطة سياسية ذات ارتباطات بالولايات المتحدة، و”تنفذ إملاءاتها” تحت شعار “إذا لم ننفذ سنتعرض للدمار”.

ويقول حيدر “إذا نظرنا إلى المطالب الإسرائيلية التي تسعى إلى تنفيذها وأداء السلطة في لبنان، نستنتج بأنه يراد -عبر المفاوضات المقبلة- دفع لبنان لكي يكون ضفة غربية ثانية”.

فجوة كبرى

وبالعموم، ثمة فجوة وبون شاسع بين رؤيتي الدولة اللبنانية وحزب الله إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، لطالما عبرا عنها مؤخرا، فالأخير اعتبر ذلك “تنازلا مجانيا” من السلطة، وشدد على رفضه القاطع مسار التفاوض المباشر، غير أنه حث على انتهاج المسار غير المباشر.

ويؤكد حزب الله أنه لن يتخلى عن سلاحه، ويشير دوما إلى أن الهدنة الحالية لم تكن لتحصل، “لولا موقف إيران في محادثات باكستان”.

لكن الرئيس اللبناني جوزيف عون، يعبر عن مساعيه ورغبته بالوصول إلى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، على غرار اتفاقية الهدنة التي وقعها البلدان عام 1949، وألمح سابقا إلى أن حزب الله جرّ البلاد إلى الحروب.

ويوم الثلاثاء الماضي، قال ⁠وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إنه يمكن تحقيق ⁠السلام بين لبنان وإسرائيل، لكنه يتطلب أن تكون لدى الحكومة اللبنانية القدرة على محاربة حزب الله.

والحال هذه وفي ظل الحديث عن مسار تفاوضي جديد، تشير الوقائع في الميدان إلى ثابت واحد، تصعيد متواصل ومتفاقم في وتيرة القصف الإسرائيلي وعمليات نسف لقرى الجنوب وبلداتها، وتوسع للغارات لتشمل البقاع الغربي وشمال نهر الليطاني.