كان الدكالي صاحب “أنا والغربة عايش جوال” يتمتع بالصحة والنشاط وبالمزاج الرائق إلى آخر أيام حياته، فقد أحيا قبل 10 أيام من رحيله، حفلة غنائية في مسرح محمد الخامس في العاصمة الرباط. وقد طلبت النيابة العامة في الدار البيضاء من الشرطة العلمية والتقنية بالتدخل لنقل جثة الموسيقار الراحل إلى براد الأموات في المعهد الوطني للطب الشرعي من أجل التشريح وتحديد ظروف الوفاة وأسبابها. ويأتي هذا القرار في ظل احتمال أن يكون هذا الرحيل المفاجئ ناجماً عن خطأ طبي.
وكانت أسرة الفنان الراحل طالبت بفتح تحقيق فوري للكشف عن ملابسات وفاته داخل إحدى المصحات الخاصة بمدينة الدار البيضاء، خصوصاً أنه دخل إلى المصحة ماشياً على قدميه في وضع صحي وصف بالعادي، غير أن مضاعفات مفاجئة عقب إجراء الجراحة حالت دون أن يفتح عميد الأغنية المغربية عينيه، مما يفتح باب الشك حول وجود تقصير مهني من الفريق الطبي المشرف على العملية. وكانت العملية عبارة عن تدخل طبي على مستوى البروستات باعتماد تقنية الليزر، وتشير أسرة الراحل إلى احتمال تعرضه لتسمم دوائي، عبر تناوله دواء تسبب له في حساسية حادة.
تقاطع مع موسيقى العالم

الدكالي في حفلة غنائية (صفحة الفنان – فيسبوك)
برحيل عبدالوهاب الدكالي يستعيد محبوه من مختلف الجغرافيات تلك الأغنية القديمة التي تقول كلماتها: “مرسول الحب/ فين مشيتي وفين غبت علينا؟/ خايف لا تكون نسيتينا وهجرتينا/ وحالف ما تعود”، فالدكالي الذي يحمل منذ عقود لقب “عميد الأغنية المغربية” هو الاسم الأكثر بروزاً وشهرة في جيله من رواد الأغنية العصرية، وهو الأكثر تأثيراً في مسارها، عبر مقترحاته الموسيقية التي خرجت بالغناء المغربي من التراثية والتقليد إلى مواكبة العصر من جهة والانفصال عن محاكاة الطرب المشرقي من جهة أخرى.
راهن الموسيقار المغربي الراحل على تحديث الموسيقى المغربية عبر خلق تفاعلات عدة وواسعة مع موسيقى العالم من دون التفريط في المكون العربي والأمازيغي ومن دون تجاوز العمق الأفريقي، وجعل الآلات الغربية الأحدث تتجاور مع الآلات التراثية المغربية والعربية، لخلق تلك النغمة التي تتلاءم مع جغرافية المغرب وخصوصيته باعتباره بوابة أفريقيا والعالم العربي على أوروبا.
لم يكن الدكالي صوتاً رخيماً ومؤلفاً موسيقياً متفرداً وعازفاً ماهراً فحسب، إذ يمكن أن يضاف إلى هذه الخصوصيات حضوره الدرامي على المسارح ومنصات العرض، فقد كان له أداء استعراضي خاص يجمع بين حركة يديه وتحولات قسمات وجهه ومداعبته شعره وضحكاته وتقديمه الطريف لأغانيه، وتوقفه أحياناً عن الغناء لسرد إحدى محكياته الكثيرة، كان يتقصد أن يخلق نوعاً من البهجة في الصالات منزاحاً ما أمكن عن غيوم الحزن التي تغطي سماء الغناء العاطفي.

الدكالي مع عبد الحليم حافظ (صفحة الفنان – فيسبوك)
تأثر في بداياته بالمدارس المشرقية خلال إقامته في القاهرة، لكنه سرعان ما عاد للبحث في التراث المغربي عن العناصر التي يمكن دمجها في أغنية مغربية جديدة تراهن على المعاصرة، وانفتح على الموسيقى العالمية مستوحياً مداخل وحلولاً موسيقية لأغانيه من أنماط تنتمي إلى جغرافيات متفرقة.
راهن الدكالي منذ البداية على الخروج من المحلية الضيقة، لذلك استهدف جمهوراً عريضاً من كل البلدان العربية، وذلك عبر مدخلين: أن تكون الموسيقى المقترحة غير منفصلة وغريبة عن الموسيقى العربية الأكثر مرجعية في تلك الفترة، خصوصاً في مصر والشام، ثم انتقى القطع الفنية التي سيقدمها لا عبر التركيز على العربية الفصحى فحسب، بل أيضاً عبر اختيار كلمات وتراكيب مغربية يمكن أن تشكل مشتركاً في مختلف اللهجات العربية، لذلك تفادى المعجم الغارق في محليته، وطوع اللهجة المغربية كي تستوعبها مقامات طربية. جنح إلى شعراء بإمكانهم كتابة نصوص شعرية قائمة على السرد، وراهن في تشكيلاته الموسيقية على الانتقالات التي تترجم تحولات القصة من ركود إلى توهج وإشراق أو انكسار.
نجومية مبكرة
حمل عبدالوهاب الدكالي عوده وصعد إلى خشبات المسارح من أجل الغناء منذ الخمسينيات، وبلغ النجومية باكراً، وقد بلغت مبيعات أغنيته الأولى على الأسطوانات “يا الغادي في الطومبيل” مليون نسخة، وكان هذا الرقم لافتاً بالنسبة إلى التجربة الغنائية الأولى في سياق تشكل حقيقي للأغنية العصرية. وفي مطلع الستينيات سافر إلى القاهرة وأقام بها فترة، حيث كون صداقات عميقة مع عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش وقدم حفلات لمصلحة الإذاعة والتلفزيون في مصر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لم يتوقف حضور الدكالي في مصر عند الغناء، بل امتد إلى عالم السينما، حين شارك في بعض الأفلام الاستعراضية رفقة محمد عبدالوهاب ونجاة الصغيرة وفريد الأطرش وصباح وشادية، مثل “القاهرة في الليل” و”منتهى الفرح”. وتعاقبت مشاركاته في أفلام متنوعة في مصر والمغرب من إخراج يوسف شاهين ومصطفى الدرقاوي، لكنه أدرك أن السينما ليست عالمه، وأنه خلق للغناء والتأليف الموسيقي، لذلك اقتصرت مشاركته في السينما لاحقاً على تأليف الموسيقى التصويرية.
كان الدكالي يبحث دائماً عن التنويع في أدائه، لذلك غنى بالفصحى وبالدارجة المغربية والعامية المصرية، وأحياناً باللغة الفرنسية، كذلك فإنه مارس الفن التشكيلي عبر إنجاز مجموعة من اللوحات التي عرضها في مناسبات قليلة، وكان مختصاً في رسم البورتريهات التي احتفى فيها بوجوه يحبها تنتمي في الغالب إلى عالم الفن والثقافة، والشأن العام أيضاً.
عاش الدكالي حياة فنية ثرية جداً، وظل عقوداً مرجعاً عند العشاق بصوته المتفرد وألحانه المجددة وأناقته اللافتة. غنى في كثير من مسارح العالم، وأعاد غناء أعماله عدد كبير من الفنانين العرب، وعزفت ألحانه فرق أوركسترالية دولية، وقلده ملك المغرب وساماً من درجة فارس، كذلك كرمته مؤسسة الفاتيكان في مناسبتين بسبب أغانيه ذات الطابع الإنساني، ويضاف إلى هذا التقدير ذلك الحب الكبير والاستثنائي الذي يكنه له عشاقه داخل المغرب وخارجه.
