لندن – “القدس العربي”:
دعا فائزون سابقون بجائزة الأغنية الأوروبية “يوروفيجن” إلى منع مشاركة إسرائيل ومقاطعة المسابقة بسبب كارثة غزة، قائلين إنه لا يمكن فصل العرض عن الواقع السياسي. وفي تقرير أعده أليكس ماكدونالد لموقع “ميدل إيست آي”، قال إن منظمي المسابقة ظلوا يؤكدون ضرورة إبعاد السياسة عن هذا الحدث الفني، مع أن السياسة لعبت دورا محوريا فيها، حيث تندلع الخلافات حول الشؤون الدولية وحقوق الإنسان والاضطرابات الداخلية سنويا.
فقد أشعلت “ثورة القرنفل” عام 1974 في البرتغال، التي أطاحت بالديكتاتورية وأدت إلى استقلال مستعمراتها الأفريقية، شرارة تلك الثورة بعد بث أغنية البرتغال في مسابقة “يوروفيجن” في ذلك العام “وبعد الوداع” للمغني باولو دي كارفاليو.
وفي عام 2009، استجوبت السلطات في أذربيجان 43 شخصا بعد تصويتهم لصالح أغنية أرمينيا في المسابقة، بينما تبادلت أوكرانيا وروسيا الاتهامات بشأن غزو الأخيرة حتى طردت روسيا عام 2022.
ويمكن القول إن أكبر جدل سياسي في تاريخ المسابقة تمحور حول مشاركة إسرائيل منذ بدء الإبادة الجماعية في غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023.
أكبر جدل سياسي في تاريخ المسابقة تمحور حول مشاركة إسرائيل منذ بدء الإبادة الجماعية في غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023
وقالت المغنية الدنماركية إيميلي دي فورست، الفائزة بمسابقة الأغنية الأوروبية عام 2013 “يوروفيجن”، للموقع: “بالنسبة لي، الأمر يتعلق أولا وقبل كل شيء بالكارثة الإنسانية المدمرة في غزة والخسائر الفادحة في أرواح المدنيين”، و”لكنه يتعلق أيضا بما يعنيه عندما تحاول المؤسسات الثقافية الانفصال التام عن الواقع السياسي، لا أعتقد أن الموسيقى موجودة بمعزل عن العالم المحيط بنا”.
وتعد المغنية الدنماركية، التي فازت بالمسابقة في سن العشرين بأغنية “أونلي تيردروبس”، واحدة من بين عدد من نجوم “يوروفيجن” الذين عارضوا علنا مشاركة إسرائيل في مسابقة 2026 في فيينا.
وأعلنت هيئات البث الإذاعية الوطنية في أيرلندا وإسبانيا وأيسلندا وسلوفينيا وهولندا بالفعل عدم مشاركتها، بينما حث العديد من الموسيقيين والناشطين الآخرين على الانسحاب من الحدث.
وكانت إيميلي دي فورست واحدة من أكثر من 1,000 فنان وقعوا عريضة “لا موسيقى للإبادة الجماعية” التي تدعو إلى مقاطعة “يوروفيجن”، إلى جانب الفائز الأيرلندي بالمسابقة عام 1994 تشارلي ماكغيتيغان، وبيتر غابرييل، وماسيف أتاك، وبيورك، وماكليمور، وموغواي، وبرايان إينو، وغيرهم الكثير. وعلى عكس بلد ماكغيتيغان، تشارك الدنمارك، موطن فورست، في المسابقة، وهو أمر أشعرها بخيبة أمل، لكنه لم يكن مفاجئا تماما.
وقالت لـ “ميدل إيست آي” إنها توقفت عن التواصل مع أصدقائها وخاطرت بدخلها المالي من خلال التعبير عن رأيها، لكنها قالت: “أحيانا يكون للنزاهة ثمن”. وقالت: “أجد صعوبة بالغة في فكرة إمكانية فصل مسابقة يوروفيجن تماما عن الواقع السياسي. ببساطة، لا أعتقد أن ذلك ممكن بعد الآن”، مضيفة أن “إبقاء إسرائيل في المسابقة هو أيضا قرار سياسي”.
وقد قرر اتحاد البث الأوروبي، المشرف على المسابقة، في كانون الأول/ديسمبر السماح لإسرائيل بالمشاركة في مسابقة “يوروفيجن”، رغم الضغوط التي مورست عليه في الجمعية العامة للاتحاد لإجراء تصويت على هذه المسألة.
وأعلنت فرقة نيمو، الفائزة السويسرية بمسابقة “يوروفيجن” 2024، أنها ستعيد الجائزة ردا على القرار، موضحة أنه بينما تدعي مسابقة “يوروفيجن” بأنها تمثل “الوحدة والشمول والكرامة للجميع”، فإن مشاركة إسرائيل تتعارض مع هذه الأهداف.
وقال تشارلي ماكغيتيغان، الفائز بمسابقة “يوروفيجن” عام 1994، لـ “ميدل إيست آي” إنه كان ينوي إعادة جائزته اقتداء بنيمو، إلى أن لفتت زوجته انتباهه إلى أنه لم يتسلم جائزة مادية. وقال مازحا: “لنفترض إذا أنني أعدت جائزة رمزية!”.
علنت هيئات البث الإذاعية الوطنية في أيرلندا وإسبانيا وأيسلندا وسلوفينيا وهولندا بالفعل عدم مشاركتها، بينما حث العديد من الموسيقيين والناشطين الآخرين على الانسحاب من الحدث
وكان ماكغيتيغان ثالث متسابق أيرلندي يفوز بالمركز الأول في مسابقة “يوروفيجن” على التوالي، مما أثار شائعات بأن تكلفة استضافة الحدث كانت تقلق هيئة الإذاعة والتلفزيون الأيرلندية لدرجة أنها لم تكن ترغب في فوزه. وبصفته من أشد المعجبين بمسابقة “يوروفيجن” منذ صغره، قدم ماكغيتيغان، برفقة ناشطين مؤيدين لفلسطين، التماسا إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون الأيرلندية للانسحاب من مسابقة 2026، ونجح في إقناع الهيئة بذلك. وقال: “أنا لست عضوا في أي منظمة، هذا رأيي الشخصي فقط، ولحسن الحظ، قررت إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون الأيرلندية بعد التصويت عدم المشاركة، وهذا أمر يحسب لها”.
وقال إنه لم يستطع التزام الصمت بعد مشاهدة الصور المروعة للإبادة الجماعية في غزة، والتي راح ضحيتها حتى الآن أكثر من 72,000 فلسطيني، مع فقدان آلاف آخرين يفترض أنهم لقوا حتفهم تحت الأنقاض وتدمير معظم القطاع. وقتل المئات منذ دخول المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة حيز التنفيذ في 14 كانون الثاني/يناير، قبل أسبوع من اختيار إسرائيل للمشاركة في مسابقة الأغنية الأوروبية.
وأوضح ماكغيتيغان أن اهتمامه بهذه القضية يعود إلى زمن أبعد، مستشهدا بفوز إسرائيل في مسابقة الأغنية الأوروبية عام 2018، حيث قامت قواتها، بعد أيام قليلة من فوزها، بقتل 62 فلسطينيا في غزة، من بينهم ستة أطفال، خلال مسيرات العودة الكبرى السلمية. وأضاف: “لو حدث ذلك في بلدنا، ولو قتل 62 شخصا بهذه الطريقة، لما كنا نحتفل بفوزنا في يوروفيجن”.
كما اعترض على فكرة أن الترفيه “غير سياسي”، مشيرا إلى وجود تاريخ طويل للموسيقى كقوة للتغيير الاجتماعي وتسليط الضوء على الظلم. وأوضح قائلا: “عندما ننظر إلى فنانين مثل بيت سيغر من ستينيات القرن الماضي، ووودي غوثري، وبوب ديلان، وجوان بايز، نجد أن جميع هؤلاء الفنانين استخدموا موسيقاهم للترويج للسلام، ولجذب الانتباه إلى الظلم”. وأضاف: “هناك اتجاهان فكريان في هذا الأمر؛ فبعض الدول تنظر إلى هذا على أنه مجرد ترفيه، ولا ترى للترفيه أي مكان في السياسة، أما أنا فأرى عكس ذلك”.
وحتى الآن، كانت إسبانيا هي الدولة الوحيدة من بين ما يسمى “الدول الأربع الكبرى”، وهي الدول المؤهلة تلقائيا للمسابقة، التي انسحبت. وفي أيلول/سبتمبر، عقب إعلان إسبانيا، طلب موقع “ميدل إيست آي” من وزارة الثقافة والإعلام والرياضة البريطانية التعليق على الجدل الدائر، لكن طلبه قوبل برفض التعليق، وأحيل الأمر إلى هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، التي تشرف على مشاركة المملكة المتحدة في مسابقة “يوروفيجن”.
وقالت “بي بي سي” أيضا إنها لن تدلي بأي تعليق. كما تواصل الموقع مع الموسيقيين الذين يمثلون المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا في مسابقة عام 2026، لكنه لم يتلق أي رد حتى وقت النشر.
ومع انطلاق النسخة السبعين من مسابقة “يوروفيجن” يوم الثلاثاء المقبل، يخطط المتظاهرون للتجمع أمام مقر المسابقة في فيينا.
وقالت الشرطة، في مؤتمر صحافي يوم الثلاثاء، إنها تتوقع “إغلاقات ومحاولات لتعطيل” العاصمة النمساوية، مع توقع مشاركة نحو 3,000 متظاهر من مؤيدي فلسطين وإسرائيل. وأضافت الشرطة أنه سيتم حظر استخدام الطائرات المسيرة ضمن نطاق 1.5 كيلومتر من المواقع، بما في ذلك موقع المسابقة، كما سيشكل مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي “أف بي آي” فريق عمل في نيويورك الأسبوع المقبل، يمكن للسلطات النمساوية التواصل معه على مدار الساعة للتصدي للتهديدات الإلكترونية.
ويصادف عشية الحفل الختامي، 15 أيار/مايو، يوم النكبة، الذي يحيي فيه الفلسطينيون ذكرى عمليات التهجير والمجازر التي وقعت عام 1948 وأدت إلى قيام دولة إسرائيل.
ومن جانبها، قالت دي فورست إنها تعارض مشاركة إسرائيل ولن تشعر بالارتياح لحضورها، لكنها أوضحت أن انتقادها موجه إلى اتحاد البث الأوروبي والقرارات المتخذة على المستوى المؤسسي، وليس إلى الفنانين الأفراد أو الجمهور العادي.
وقالت إن مسابقة “يوروفيجن” لطالما خلقت شعورا بالتواصل والترابط “عبر البلدان والثقافات”، وإن المعجبين القدامى ما زالوا يرغبون في استمرار المسابقة.
وأضافت: “في الوقت نفسه، أعتقد أنه ينبغي على الناس الاستمرار في التعبير عن آرائهم بصراحة وطرح الأسئلة الصعبة ورفض تجاهل الأمر وكأن شيئا لم يكن”، فـ “للمعجبين تأثير أكبر مما يدركون أحيانا، وبخاصة بشكل جماعي”.
