بين من يرى الدراما مرآة ثقافية تعكس نبض المجتمع وتحولاته، ومن يعتبرها أسيرة القوالب الموسمية وحسابات السوق، يتشكل نقاش نقدي يتجاوز حدود الشاشة، ليصل إلى جوهر الرسالة الفنية ودورها الحقيقي.

فهناك من يؤكد أن الدراما لا تُقاس بعدد الأعمال، ولا بزخم العرض الرمضاني، بل بقدرتها على صناعة أثر وبصمة وهوية راسخة، فيما يضعها آخرون في دائرة الجدل بين الجودة والانتشار، وبين المغامرة والتكرار.

في سياق هذا التباين، تتجدد الحاجة إلى قراءة نقدية هادئة، بعيدة عن الضجيج، تعيد طرح السؤال الأهم: ماذا تقول هذه الأعمال فعلاً عن مجتمعاتها؟ وهل ما يُعرض انعكاس صادق للواقع، أم مجرد استجابة سريعة لمعادلات السوق والموسم؟.

وأكد عدد من المبدعين أن الدراما الإماراتية قادرة على الانطلاق أوسع، والمنافسة بشكل أقوى خليجياً وعربياً، مشيرين إلى أن مسلسل «دارا» نموذج يحتذى للأعمال التوثيقية المميزة والناجحة.

رسالة درامية

يقول الفنان الإماراتي الدكتور حبيب غلوم: إن الدراما الإماراتية لا تشبه المجتمع الإماراتي في تحولاته وواقعه، والعاملين في المجال يتحملون مسؤولية هذا الابتعاد، لأنهم ابتعدوا إلا في ما ندر عن الواقع المعاش.

وأوضح أن هناك من يحمل رسالة درامية بصدق، لكن في المقابل، هناك من يطرح أفكاراً يغلب عليها العنف والغرابة والمبالغة بحجة الاختلاف، وأن بعض القنوات والمنصات تشجع هذا التوجه، وأن الإماراتي اليوم لا يجد نفسه في الدراما التي تقدم له، لذلك ينصرف عنها. وأضاف أن المشكلة ليست في تطوير الصورة أو آلية التنفيذ، فالتغيير مطلوب في الشكل، لكن المضامين تبتعد عما يحتاجه الإنسان الإماراتي، والعمل يجب أن يكون محلياً ومباشراً للفرد الإماراتي، وأن محاولة إرضاء الجميع «ضرب من الخيال».

وأكد أهمية التوثيق في الأعمال الدرامية، مشيراً إلى مسلسل «دارا» من إنتاج مؤسسة دبي للإعلام، الذي يتناول حادثة سفينة غرقت في الستينيات، معتبراً أن مثل هذه الأعمال توثق مرحلة مهمة مرت على الإمارات وأهلها. وانتقد حبيب غلوم طرح بعض الأفكار التي لا تمت بصلة إلى واقع المجتمع، مضيفاً: «إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى التركيز على الجودة لا الكمية، وكسب مشاهد إماراتي يشعر بأن العمل ينتمي إليه، بعيداً عن الترند». وشدد على أن الفنان لا ينبغي أن يرضخ لفكرة الموسم لتقديم محتوى لا ينسجم مع ثقافة المجتمع، والدراما رسالة يجب أن تدعم القيم والفضيلة والانتماء، وأن تقدم ما نفخر به.

وقال أحمد حسن أحمد، مخرج ومدير فني: «أنظر إلى الدراما من زاوية مختلفة عن زاوية المشاهد العادي. ما يهمني ليس فقط الصورة الجميلة أو الميزانية العالية، بل الفكرة، والهوية، والقدرة على البقاء».

وأوضح أنه خلال العامين الأخيرين لا يمكن إنكار تطور الدراما الإماراتية إنتاجياً، إذ أصبحت الميزانيات أكبر، وتحسن مستوى الصورة والإضاءة والتصميم الفني.

وأشار إلى أن معظم الأعمال ما زالت تُعرض حصرياً على قنوات محلية، ما يحد من تأثيرها وفرص انتشارها عربياً، مؤكداً أن العمل الدرامي اليوم لا يعيش داخل حدود الدولة، بل على المنصات، ومن دون استراتيجية توزيع ذكية، قد يمر حتى أفضل إنتاج مروراً عابراً. أما على مستوى المحتوى، فرأى أن المشكلة أعمق، خصوصاً في الأعمال التراثية، حيث يلاحظ توجهاً متكرراً نحو المعالجات الكوميدية الخفيفة التي تفتقر إلى العمق، ويتم اختزال التراث أحياناً في ملابس قديمة، ولهجة سطحية، وبعض المواقف الطريفة، في حين أن التراث الإماراتي تاريخ اجتماعي واقتصادي وثقافي غني، يستحق معالجة درامية جادة. وأكد أنه لا يرى بحثاً حقيقياً في اللهجة، ولا اشتغالاً على التفاصيل الدقيقة للحياة القديمة، ولا صراعاً درامياً يعكس التحولات التي مر بها المجتمع، وأن كثيراً من الأعمال تبدو مكررة، ولا تضيف معرفة أو قيمة ثقافية حقيقية.

جرأة النص

ولفت إلى أن الدراما الخليجية تتجه اليوم نحو مسلسلات قصيرة مكثفة، لا تتجاوز 10 – 15 حلقة، تعتمد على نص محكم، وإيقاع سريع يناسب المشاهد المعاصر، بينما لا تزال بعض الأعمال أسيرة نمط تقليدي، لم يعد يواكب تغير سلوك الجمهور.

وقال، إن الدراما الإماراتية لا تحتاج ميزانيات أكبر، بقدر ما تحتاج جرأة في النص، واستثماراً حقيقياً في الكتابة والبحث، إضافة إلى شراكات مع منصات إقليمية، ورؤية ثقافية واضحة، تعكس هوية الإمارات بعمق، وأن القصص الحقيقية موجودة، لكن لم يتم استخراجها بالشكل الذي يليق بها.

لا توثق ذاكرتنا

من جهته، قال جمعة بن ثالث، باحث في التراث، إن الدراما الخليجية اليوم لم تتحقق فيها هذه التغطية، ولم تعد تشده شخصياً للجلوس أمام التلفاز، خصوصاً في ظل عالم السوشال ميديا. وأضاف أن كثيراً من المسلسلات تقوم على أفكار مكررة، مثل خلاف بين الأبناء، أو وجود ابن مدمن مخدرات، أو طرح قضايا لا تناقش واقعاً اجتماعياً حقيقياً، وأن الأعمال لا تناقش قضايا اجتماعية موجودة، ولا حتى من ناحية فكاهية، بل يُفرض عليها الطابع الفكاهي.

وأشار إلى وجود أعمال جميلة، خاصة تلك التي تتناول قصصاً حدثت في الإمارات قبل 120 سنة أو أكثر، حيث يتم تصويرها وتحويلها إلى مسلسلات تكشف أحداثاً لم تكن معروفة بتفاصيلها، مثل قصص السفن التي غرقت، وكيف نجا الناس، وأين وقع الحادث؟. واعتبر أن هذا النوع من الخط الدرامي، هو الذي يستفيد منه المشاهد، لأنه يقدم حدثاً حقيقياً، بصورة بصرية تساعد على فهمه، وخير مثال على ذلك مسلسل «دارا» المميز، الذي عرض مؤخراً على تلفزيون دبي خلال الدورة الرمضانية الأخيرة.

ورأى بن ثالث أن كثيراً من المسلسلات المعاصرة ليس لديها أي هدف برسالة واضحة، ولا تعالج قضايا تمس المجتمع الإماراتي، بل تُدخل أحياناً كلمات وأفكاراً دخيلة. وأوضح أن البرامج التراثية التي تُعرض عبر الشاشات جميلة ومفيدة، إذ تتيح للمشاهد سماع المصطلحات والكلمات التراثية، ومتابعة العروض والمعلومات في إطار تثقيفي، وأنها تمنح فائدة حقيقية، في حين أن كثيراً من المسلسلات لا تمس المواطن بشكل وثيق.

بين الانتشار والجودة

وقال الناقد الفني جهاد أيوب: «إن مشكلة صناع الدراما العربية تُقاس بالانتشار على حساب الجودة، وبسجن العمل في شهر رمضان فقط، ما غيب الدراما عن الحدث والثقافة والحضور، وأصبح دورها صناعة نجم تغيب عنه الشمس سريعاً، حتى «البصمة» لم تعد موجودة، مع التأكيد أن التعميم خطأ».

ووصف الدراما بأنها متعثرة، لأنها في بعض الأحيان تقدم موضوعات متكررة، ومبعثرة بسبب غياب المغامرة.

وأشار إلى أن هنالك عوامل تتحكم بالقضايا التي تطرح، إضافة إلى ما يطلبه السوق، مع تجاهل الحياة الواقعية ومشكلاتها.

وأكد أن الدراما الإماراتية قادرة على الانطلاق أوسع، والمنافسة خليجياً وعربياً، داعياً إلى دعم المسرح، والخروج من عباءة الدراما الموسمية، وأن يكون الحضور بالتصالح مع الواقع، لا باختراع قصص بعيدة عنه، والعمل على التسويق ودعم الجيل الشاب، وإقامة ورش كتابة متخصصة، وتشكيل لجان تُعنى بتحسين المستوى الفني، إضافة إلى صياغة قرار يدعم إنتاج أعمال محلية تُعرض بما يليق بالطموح الإعلامي.