منعت أكاديمية فنون وعلوم السينما الأميركية ترشح فيلم للممثل الأميركي المشهور فال كيلمر، الذي توفي في أبريل/ نيسان 2025، من الترشح لأوسكار 2027. صدر هذا القرار بعد أيام قليلة من عرض نسخة من فال كيلمر تم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي أمام جمهور من مشغلي دور السينما، وبمساعدة عائلة الممثل الراحل، تمكّن المخرج كويرتي فورهييز من نقل رؤيته الفنية لشخصية نجم السينما السابق. وجاء في نص القرار أن القواعد الجديدة تشترط أن يكون التمثيل أداءً بشريًا حقيقيًا ومثبتًا، وليس نسخة رقمية، مؤكدة أن الإبداع البشري يجب أن يظلّ في مركز عملية صناعة الأفلام، كما قالت لينيت هويل تايلور، رئيسة الأكاديمية. واشترطت أيضًا أن تكون السيناريوهات من تأليف بشري، لا نصوصًا مولّدة بالذكاء الاصطناعي.
في الواقع ليس أن يُعاد ممثل إلى الحياة ويُكلّف بأداء بطولة، أو دور ما في فيلم، هو ما أثار الأسئلة في ذهني فحسب، فنحن نرى باستمرار فيديوهات ونماذج رديئة مولدة بالذكاء الاصطناعي تحفل بها مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة في الحرب الإعلامية غير المنضبطة، والتي لا تحدها حدود، وتدور افتراضيًا بين مكونات الشعب السوري، بعضها ضد بعض، رديفة للحرب على الواقع، التي لم تخمد نيرانها بعد، كما ينبغي لبلاد ناضل شعبها وأطلق شعارات تأسيسية عنوانًا لهذا النضال، ترنو إلى الديمقراطية والعدالة والحرية، وإسقاط نظام الاستبداد، فإذا بها يصح فيها القول: كلام الليل يمحوه النهار، أو المثل الشعبي الرائج في بعض المناطق السورية “كلام الليل مدهون بزبدة إذا طلعت عليه الشمس ذاب”. فتحقق شرط، يبدو اليوم كأنه الكافي والوافي وهو سقوط نظام القمع والاستبداد (على أهميته)، لكن الشعارات التي انتفض من أجلها الشعب ابتلعها النسيان. أما بالنسبة للسينما كصناعة حقيقية ومهمة، وهوليوود التي تشكل أبرز نماذجها، فإن اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي مسألة حساسة فيها، فقد كان ذلك على وجه الخصوص محور إضرابات عام 2023 التي شلّت صناعة السينما الأميركية، حيث حذّر الممثلون والكتّاب من أن هذه التكنولوجيا، من دون تنظيم، ستهدّد وجود مهنهم نفسها. وهنا يبدو أن المشكلة تنطوي على مشكلات عدة، اقتصادية، وإنسانية، وأخلاقية، وغيرها.
بل اتقدت في بالي الأسئلة مع المخاوف، أسئلة تبدو مثل الطلاسم أمام هذا المستقبل المتسارع في هجومه علينا، مستقبل يربك حتى الدول والمجتمعات المتقدمة والمنخرطة في مجال الذكاء الاصطناعي الذي لم يعد في الإمكان كبح جموحه، أو السيطرة عليه في بعض المجالات، بالتوازي مع سرعة تطوره وعدم قدرة الإنسان على مواجهة أنماط من الحياة بات يديرها بجدارة.
لا نملك حق إنكار واقع أن كل تقدم تكنولوجي له فوائده التي قد تفوق توقعاتنا، ولكن ماذا عن “الإنسانية” التي قد تُبعد، بقصد أو بضرورة يفرضها أداء الذكاء الاصطناعي، عن مركز الحكاية؟ أو كما تنبّأ جان ــ فرانسوا بونيفون، مدير البحث في علم النفس المعرفي في مدرسة تولوز للاقتصاد: “سنكون شهودًا على تحوّل جذري في الثقافة الإنسانية، والذي من حيث أهميته يعادل عودة المستكشفين من الصين في زمن ماركو بولو، محملين بالجديد، مثل النقود الورقية، واختراع المطبعة على يد غوتنبرغ… جميع الصدمات الثقافية الكبرى التي شهدتها أوروبا سيتم اختزالها في بضع سنوات”. كما عبّر مثقفون مؤثرون، مثل عالم الفيزياء الذي توفى عام 2018، ستيفن هوكينج، عن مخاوفهم من أن يصبح الذكاء الاصطناعي تهديدًا لبقاء الإنسانية، بما أنه قد يسيطر على عدد من جوانب حياتنا اليومية وتنظيم المجتمع.
وفقًا للبرلمان الأوروبي، يشير الذكاء الاصطناعي إلى أي أداة تستخدمها آلة “من أجل تقليد السلوكيات المتعلقة بالبشر، مثل التفكير، والتخطيط، والإبداع”. ويُستخدم مصطلح الذكاء الاصطناعي التوليدي للإشارة إلى نماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على إنشاء محتويات جديدة يمكن أن تكون على سبيل المثال نصوصًا، أو صورًا، أو أصواتًا، أو فيديوهات. ويلاقي اهتمامًا متزايدًا في جميع أنحاء العالم مواكبًا لازدهاره الكبير.
“لا نملك حق إنكار واقع أن كل تقدم تكنولوجي له فوائده التي قد تفوق توقعاتنا، ولكن ماذا عن “الإنسانية” التي قد تُبعد، بقصد أو بضرورة يفرضها أداء الذكاء الاصطناعي، عن مركز الحكاية؟”
ونظرًا لتأثيراته الاجتماعية العميقة، تشعر عدد من المنظمات والحكومات بالقلق بشأن الآثار الأخلاقية للذكاء الاصطناعي. كذلك فإن منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة “اليونسكو” جعلت هذا الأمر في صلب اهتماماتها ومتابعتها، إذ ترى أنه بالإضافة إلى عدد من الأطر والإرشادات الأخلاقية التي يتم تطويرها حاليًا من قبل الحكومات والشركات ومنظمات المجتمع المدني، يمكن لليونسكو أن تقدم نهجًا متعدد التخصصات وكونيًا وشاملًا لتنمية الذكاء الاصطناعي من أجل خدمة الجنس البشري والتنمية المستدامة والسلام. والمنظمة تلتزم بتعزيز التأمل، ونشاط البحث، والحوار العام الأخلاقي، القائم على حقوق الإنسان، فيما يتعلق بتداعيات التقنيات الجديدة والناشئة وآثارها المحتملة على المجتمع. وفي دورته الثامنة عشرة، قام المجلس الحكومي للبرنامج المعلوماتي من أجل الجميع (PIPT) التابع لليونسكو بالمراجعة والموافقة على مدونة السلوك الأخلاقي لمجتمع المعلومات، التي وضعها فريق العمل التابع لبرنامج PIPT حول أخلاقيات المعلومات. مع الملاحظة بأن هذه الدورة عقدت في عام 1974، فكم تغير العالم بعدها؟
الأخلاق في مجتمع الذكاء الاصطناعي القائم على تجميع البيانات
إن هذا التطور والتوسع في مجالات الذكاء الاصطناعي بكل مناحيه أو تصنيفاته يثير مشكلات أخلاقية تتراوح بين اختفاء الوظائف التقليدية إلى إلغاء الطابع الإنساني للعلاقات البشرية والمجتمع بأسره، مرورًا بالأضرار الجسدية أو النفسية التي قد تسببها للبشر، لكن المقلق أكثر هو التحويل، أو التعديل، الذي سيطرأ على الهوية الإنسانية، الثقافية والروحية والأخلاقية، وهذه بحد ذاتها متنوعة تنوع شعوب الأرض، وليست منظمة “يونسكو” غير راعية لهذا التنوع. علاوة على أن الذكاء الاصطناعي حتى اليوم لم يجب على سؤال مهم وهو هل يملك من الوعي ما يؤهّله ويمدّه بالقدرة على تلبية التوقعات العاطفية لدى البشر؟ هناك إجماع عام على أن الأنظمة الذكية صناعيًا ليست واعية بمعنى التجربة الإنسانية، حتى وإن كانت قادرة على الإجابة على أسئلة تتعلق ببعض السياقات، وما يبدو لنا أحيانًا أنه استجابة عاطفية ظاهريًا ما هو إلا نتاج خيالنا، أو تلقٍّ لما يدغدغ رغباتنا.
“منذ الإطلاق العام للتطبيق الحواري ChatGPT، الذي أنشأته شركة OpenAI، في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، أخذ الذكاء الاصطناعي التوليدي (وأصبح يُشار إليه فيما بعد بـ”الذكاء الاصطناعي”) مكانة مركزية في النقاش العام والاقتصادي”
يعتمد الذكاء الاصطناعي على جمع أو اكتساب البيانات، وتخزينها، ومعالجتها، وإرجاعها. وتعود الخصائص الاستثنائية للآلات المعرفية إلى الكميات التي تتحول إلى نوعيات. هذا ما توضحه معظم المقالات المهتمة بهذا الشأن، وهذه التكنولوجيا تستند إلى عناصر عدة، كالبيانات التي يتم جمعها بواسطة مستشعرات مختلفة، ليتمكن من تصنيفها وتخزينها، وسرعة معالجة هذه البيانات، والقدرة على اتخاذ القرار، وهذه تعتمد على خوارزميات التعلم الآلي. وبالتالي، فإن استجابته لتعليم معين تعتمد على “تجربته”، أي البيانات التي تعرض لها. استنادًا إلى هذا النهج، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي تزداد قدرته وتتسع بزيادة البيانات التي يجمعها وبالوصول غير المحدود إليها، هذا ما صار يُجمع عنا نحن البشر من خلال ارتباطنا الدائم بشبكة “الإنترنت”، لكن ألا تشكّل الطريقة التي يتم بها اختيار وتصنيف البيانات مشكلة اجتماعية ثقافية؟ في دراسة منشورة في موقع “يونسكو” جاء: على الرغم من أن عددًا من تطبيقاته موجود في المجال العام، فإن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يتم تطويرها وإدارتها بواسطة شركات متعددة الجنسيات، التي ينتمي معظمها إلى القطاع الخاص، ولديها التزامات أقل تجاه الصالح العام. هذه القضية توضع كأولوية أمام الدول المتقدمة التي تسعى حكوماتها إلى حماية مواطنيها بقدر ما تسعى إلى الخوض في هذه الميادين التي تميز عصرنا الحالي، وتستشرف المستقبل، خاصة لكون هذه التكنولوجيا تعتمد على الوصول إلى البيانات، سواء كانت شخصية، أو عامة.
منذ الإطلاق العام للتطبيق الحواري ChatGPT، الذي أنشأته شركة OpenAI، في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، أخذ الذكاء الاصطناعي التوليدي (وأصبح يُشار إليه فيما بعد بـ”الذكاء الاصطناعي”) مكانة مركزية في النقاش العام والاقتصادي. الأسئلة التي يثيرها تتراوح بين الأخلاق واحترام الملكية الفكرية وصولًا إلى تأثيره على سوق العمل والإنتاجية. إنه يوفر عددًا من الإمكانيات للشركات من حيث إنشاء المحتوى، والتصميم الجرافيكي، والتعاون بين الموظفين، أو خدمة العملاء، على سبيل المثال. لكن في مجتمعاتنا وشعوبنا التي تعطلت منذ عقود طويلة عن المساهمة في إنتاج الحضارة الإنسانية، فإن استخدام هذا التطبيق ينتشر بسرعة خيالية، بل أصبح لدى شرائح كبيرة مرجعًا معرفيًا واستشاريًا طبيًا وقانونيًا واقتصاديًا وابتكاريًا، وإلى ما هنالك من أوجه نشاط البشر، من دون معرفة علمية، أو نقدية، تجاه هذا التطبيق، وغيره من تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتاحة.
إن التأمّل العميق والواسع لواقعنا الممتد من عقود طويلة، وحالة الانهيار المجتمعي، والنكوص إلى مراحل ما قبل الدولة في مناطق عديدة، وما قبل عصر التطور التقني والعلمي، ومن ثم تأمل لهاث أفراد مجتمعاتنا خلف الأجهزة الذكية، وإدمان المنصات، وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بعدها ChatGPT والذكاء الاصطناعي، هذا التمعّن يظهر أمامنا صورة مخيفة بسبب الهوة الكبيرة بين واقعنا العلمي والاجتماعي والاقتصادي والقانوني والحقوقي، وبين فضاءات العصر، وأدواته ورموزه الحضارية. على وجه الخصوص أن في عالم يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي، يجب أن تمكّن التربية والتعليم المواطنين من الحصول على الوسائل اللازمة لاكتساب أشكال جديدة من التفكير النقدي، شبه المعدوم لدينا، بما في ذلك “الوعي بالخوارزميات”، والقدرة على التأمل في تأثير الذكاء الاصطناعي على المعلومات والمعرفة واتخاذ القرارات.
في ظل هذا الواقع، كيف ستكون استجابات الذكاء الاصطناعي، خاصة في ما يتعلق بالمعلومة والثقافة العامة والقيم والأخلاق، حول المشكلات والقضايا التي تخصنا؟ ربما تكون الحالة السورية نموذجًا حيًا اليوم. نموذج للتشظي المجتمعي والخلاف حول قضايا كثيرة، والسعي دومًا عند الغالبية إلى ادعاء امتلاك الحقيقة في معظم القضايا، ومنها تصنيف القيم والأخلاق، فإذا كان يتم تصنيف الفعل، أو الشخصية، على أنها أخلاقية، أو غير أخلاقية، وكذلك القواعد المتبعة بوعي، أو من دون وعي، في الأفعال التي تعبر عن الشخصية، فإن هذه القواعد ليست نفسها لأفراد مختلفين، أو لعصور مختلفة، أو لحضارات مختلفة، أو لمجتمعات مختلفة، بل هي متغيرة، ولا توجد جماعة بشرية، مهما كانت بدائية، لا تعرف القواعد ولا تميز بين الخير والشر، إنما الخير والشر لم يعودا مفهومين ثابتين، بل هما نسبيان، تتدخل في صوغهما المجموعات البشرية، فكيف بحالة يعاني فيها المنطق، فتتوه الحدود بين الصح والخطأ، كذلك القانون، إذ تتبدل الحدود بين ما هو قانوني، أو غير قانوني، شرعي، أو غير شرعي، كذلك الفن والثقافة والمنتج الثقافي، فيختلط الجمال بالقبح، في ما لو نجا الفن من التجريم؟
وصلت بعض المجتمعات البشرية إلى مستوى من الحوار والمباراة بين الذكاء الاصطناعي والذكاء البشري، وتسعى السلطات المخولة إلى ترشيد هذه العلاقة واستنباط محددات لها، ووضع قيم وأخلاقيات تواكب هذا التحول المتسارع، بينما نحن نستهلك ونسخّر ما تنتجه في تعميق الشروخ والانهيارات، أي نسخة من الذكاء الاصطناعي يمكن أن تنقذنا؟
