لن يكون من الحكمة في شيء استباق الجولة الثالثة من “المحادثات” التمهيدية لـ”المفاوضات” الجوهرية المفترض أن يضع لها إطارها الإجرائي المفاوضون اللبنانيون والإسرائيليون بإشراف الولايات المتحدة الأميركية ورعايتها، لأن الوقائع الميدانية والديبلوماسية التي تسابق جولة الخميس والجمعة في واشنطن تكفي بقتامتها لردع الطموحات المنتفخة غير الواقعية.
يذهب وفد لبنان لـ”التفاوض” وسط سؤالٍ “كارثي” صار يختصر كل تداعيات الحروب المتعاقبة على لبنان منذ “تحرير ” عام 2000 حتى اللحظة التي سيجلس فيها الوفد في مواجهة الإسرائيليين، وهو أي ضمانة لقدرة الدولة اللبنانية على نزع سلاح “حزب الله”، ما دامت هذه نقطة الفصل والحسم والبدايات والنهايات في تعامل الخارج والداخل مع واقع لبنان الداراماتيكي؟
المفارقة الرمزية التي سترافق انعقاد جولة واشنطن الثالثة، تتمثل في تزامن انعقادها مع اقتراب موعد الذكرى
الـ26 لتحرير الجنوب من احتلالٍ اسرائيلي مديد صار لبنان يدرجها في عداد المناسبات الوطنية منذ ذلك التاريخ، أي في 25 أيار 2000، بعدما كان لبنان لا يزال محتلاً من “عدوين متحالفين” هما النظام البعثي السوري برئاسة حافظ الأسد وإسرائيل. وليس من منطلق الشغف بالتاريخ ومفارقاته ومرات كوارثه التي تستحضر تجارب تتماثل وجوهها لأن بعض المناطق والشعوب والثقافات المتخلفة “تعيد التاريخ نفسه”، ولأن التاريخ ممر إلزامي لصنع الحاضر والمستقبل المتبدلين، ترانا نقف عند تلك المقارنة الثقيلة الجاثمة على خلفية التجربة التفاوضية التي يخوضها لبنان الآن.
قبل 26 عاماً، وقبيل الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب وبعض البقاع الغربي، برزت معالم “ذعر” لدى نظام حافظ الأسد، رغم أن الأسد الأب كان في آخر أيام احتضاره، كما لدى اتباعه وحلفائه في السلطة اللبنانية، لأنهم ادركوا أن ورقة التين والذريعة التاريخية والسبب الأساسي الذي أتاح لهم ترسيخ وصايتهم الاحتلالية على لبنان، ستسقط بالضربة الكارثية القاضية على الوصاية السورية إذا حصل الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
أي فارق اليوم =؟
في الواقع الراهن، ترانا نتساءل، ماذا يختلف تمسك الثنائي الشيعي، “المقاتل” منه والسياسي، عن تقاطع أهداف نظام الأسد آنذاك مع الاحتلال الإسرائيلي للجنوب والبقاع الغربي لكي يبرر له وصايته الاحتلالية، في ظل ما يعلنه الثنائي راهناً بموقف هو الأشدّ تنكراً إطلاقاً لوجود الدولة اللبنانية كلاً وليس فقط لخيارها التفاوضي؟ يرتسم عشية الجولة الثالثة من محادثات واشنطن، سؤال افتراضي، ماذا تراه سيفعل الثنائي الشيعي إن نجح المفاوض اللبناني في فرض الكثير من مطالبه بدءاً بتثبيت وقف النار وسواه من المطالب بدعم من إدارة دونالد ترامب؟ على صعوبة توقع الإيجابيات فيما تتصاعد دورة العنف المتدحرج عشية المحادثات مع كل إيحاءاتها المثيرة للتشاؤم، ماذا لو أقلعت المفاوضات الجوهرية بعد ذلك؟ هل سيبقى الثنائي الشيعي ينادي بربط مصير لبنان بمكالمات عباس عراقجي، “الوصي الديبلوماسي” المكلف من الحرس الثوري الإيراني، مع رئيس المجلس لكي تتصاعد تبعات رفض الثنائي الشيعي للخيار التفاوضي للدولة اللبنانية، الذريعة التي تحتاجها طهران لإبقاء ملف لبنان ورقة ابتزاز في مفاوضاتها مع أميركا؟ أليس التاريخ هنا يعيد نفسه أم أن إيران وحليفها الوحيد اليتيم في لبنان الثنائي الشيعي يستوحيان من “معلم” عتيق إسمه حافظ الأسد تجربةً ارتدت عليه وبالاً قبل وفاته بأيام، ولاحقت نظام ابنه حتى السقوط المدوي؟ ما دام التاريخ بالتاريخ يذكر، عسى المقبل من الأجوبة التي ينتظرها اللبنانيون لا يتأخر.
