الفيلم مقتبس من نسخة عن موضوع الفيلم ذاته أُنتجت عام 1972 بتوقيع المخرج خايمي دي أرمينان، كاتب الفيلم الجديد الذي أخرجه فرناندو غونثاليث مولينا، وقدم للمرة الأولى في مهرجان مالقة السينمائي الـ29 خلال الثامن من مارس (آذار) 2026، قبل عرضه على منصة “نتفليكس” في الأول من الشهر الجاري.

تدور أحداث الفيلم خلال الفترة بين عامي 1999 و2000، في مدينة بامبلونا الإسبانية، حيث تعيش أديلا (إليزابيث مارتينيث)، وهي شابة في الـ26 من عمرها، حياة منغلقة تحت سلطة والديها المحافظين. تعمل في تعليم الأطفال بمدرسة الأحد للتعاليم الدينية، وتساعد في متجر والدها لترميم التحف والملابس القديمة.

حياة مقيدة

تعيش أديلا حياة مقيدة تخلو من إيقاع الفضاءات الاجتماعية، ولا تملك أصدقاء سوى الكاهن المثلي الأب خوسيه ماريا (باكو ليون) التي تبوح له بهواجسها المضطربة، وتخبره بأنها مختلفة عن بقية الفتيات، وأنها طويلة وعريضة الكتفين، وأنها لا تحيض، وقد بدأت بتناول هرمون الإستروجين منذ كانت في الـ14.

وكان لحياة أديلا أن تستمر على هذا النمط من الخضوع الغامض، لولا أن لقاءً مرتبكاً جمعها بالمصرفي سانتياغو (إينيكو ساغاردوي) انتهى بقبلة غامضة على مقربة من الأمطار التي انهمرت في داخلها. وتعزز هذا الشعور المحير بعد تجاذب حسي متردد مع متخصصة العلاج الفيزيائي إيزابيل (آنا كاستيو)، وهي مثلية لا تعرف عن هوية أديلا شيئاً.

هذان الحدثان فجرا أسئلة عاصفة في روح الشابة التي قررت، على رغم رفض والدتها (ناغوري أرانبورو)، زيارة عيادة نسائية (بعدما كانت تزور عيادة الذكور)، لتكتشف أنها “خنثى” أو مزدوجة الجنس (Intersex)، وأن والديها قررا ما يشبه عملية “إخصاء” لها، مع إبقاء أعضائها الأنثوية. وجرى ذلك خلال مرحلة الطفولة، مما يعني أن أسرة أديلا قررت تغيير شخصية هذه الفتاة من دون إرادتها، الأمر الذي يدفعها إلى التمرد على الأسرة ومغادرة المنزل، والانطلاق في رحلة البحث المضنية عن الذات، واكتشاف الهوية العابرة جندرياً، وكان قرارها الأبرز في هذا المشوار اختيار اسم (A.D) الذي يومئ إلى “ذكر” مع أن هذا التجنيس ليس دقيقاً لا من الناحية البيولوجية ولا النفسية ولا الواقعية، لأن الالتباس بقي يرخي بظله الثقيل على مختلف الأحداث والمواقف التي واجهت (أديلا A.D).

ممثلة ثنائية الجنس

1271928-my-dearest-senorita-sur-netflix-un-drame-espagnol-sur-l-identite-et-l-amour.jpg

ثنائية الهوية الجنسية (نتفليكس)

ومن فضائل الفيلم، وهي كثيرة، أنه اختار ممثلة ثنائية الجنس لتأدية دور صعب ومعقد. وتخوض الممثلة تجربة تمثيل من دون ماض طويل في الوقوف أمام الكاميرا، بل وتأدية دور البطولة في عمل متقن وذكي تجنب الوقوع في فخاخ المجانية والإسفاف الترويجي، أو الانحياز الأيديولوجي، وإنما استمر يسير على خيط رفيع محكم دعمه بشدة السيناريو البارع الذي أزال الفارق بين الواقع والسينما، وجعل الممثلة تتصرف بحرية مطلقة وأمان كثيف، وتعبر عن الاضطراب العاطفي والعذاب الداخلي لهوية الشخصية الجندرية، كأنها تروي سيرة ذاتية من تأليفها وتصويرها وإخراجها.

لم ينشغل الفيلم أبداً في خلق “بروباغندا” لفكرة، ولم يسع إلى تقديم مرافعة عن فئة اجتماعية، بل إن طموحه الأساس تركز على إنتاج سردية عن كيفية تقبل أنفسنا، والمساهمة في خلق سردية موازية وضرورية عن كيفية تقبل الآخرين لنا، ومراعاة هويتنا الجندرية التي من الصعب حصرها في إطار ثابت ونهائي.

ومن شأن فيلم مشغول بأنفاس فلسفية تُسائل نشأة التصورات الإنسانية، أن يثير/ أو يجدد النقاش حول مصدر الأحكام القاطعة بخصوص “ثنائيي الجنس” أو “اللا ثنائيين” أو “متدفقي الهوية الجندرية”، لأنهم ليسوا كما يقدمهم المخيال الجماعي، أو بعض الكتابات المحكومة مسبقاً بخلفيات أخلاقية أو دينية أو معتقدات اجتماعية، لأن الحديث عن الحدود والفرز الجندري والتصنيف الجنسي الواضح لم يأت بفعل البيولوجيا وتاريخ الجينوم، بل بفعل الاجتماع، كما عبر ميشيل فوكو في “تاريخ الجنسانية”، إذ أكد بأن الهويات الجندرية هي بنى تاريخية واجتماعية، وليست حقائق طبيعية أو بيولوجية.

تأثيرات ميشيل فوكو

وشكلت تصورات الفيلسوف الفرنسي الما بعد بنيوي أساساً لما صار يعرف بـ”النظرية الكويرية” (Queer Theory)، التي رفدتها التشييدية الاجتماعية (Social Constructionism)، بسعيها الحثيث إلى الكشف عن الطرق التي يشارك بها الأفراد والجماعات في بناء واقعهم الاجتماعي المتصور.

وفي كتابها “فوكو والنظرية الكويرية” (Foucault and Queer Theory) الصادر عام 1999، تقدم الكاتبة البريطانية تامسين سبارغو مدخلاً إلى أفكار فوكو وتطور الثقافة الكويرية، مع عرض وجهات نظرها الخاصة حول المعيارية الجنسية والسادية والماسوشية، والأداء والتحول الجنسي ونهاية النوع الاجتماعي، والتحرر مقابل الاختلاف. وترى سبارغو أن من السمات الأساس لتحليل فوكو للجنسانية، أن الفرد لا ينظر إليه على أنه ذات ديكارتية مستقلة (“أنا أفكر، إذاً أنا موجود”) تمتلك هوية فطرية أو جوهرية موجودة بمعزل عن اللغة. فما نعتبره عادة أو عرضاً “الذات”، يُنظر إليه بدلاً من ذلك على أنه وهم اجتماعي البناء باعتباره نتاجاً للغة وخطابات محددة مرتبطة بتقسيمات المعرفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما يتطلع إليه فيلم (My Dearest Señorita)، من دون أن يفصح عن ذلك، هو تقليص فجوة العداء للمختلفين عن سواهم بسبب صراعات الهوية الجندرية، وهو أمر ممكن وفي متناول التحقق الفعلي، لأن البنائية الاجتماعية، بحسب موقع (EBSCO)، تفترض أن الواقع والمعرفة والمعنى تُخلق من خلال التفاعلات الاجتماعية والافتراضات المشتركة واللغة، بدلاً من وجودها بصورة مستقلة كحقائق موضوعية. وتجادل بأن المجتمع هو الذي يحدد ما هو “طبيعي” أو “صحيح” في ما يتعلق بمفاهيم مثل النوع الاجتماعي.

الفعل يتقدم على الهوية

من غير الإنصاف، كما تضمر رسائل الفيلم، أن يبقى أصحاب الهويات الجندرية العابرة للاستطاعة البشرية منبوذين، ولا يجري تقبلهم إلا داخل مجتمعاتهم البديلة، فقط لأنهم أشخاص مزدوجو الجنس. وهنا يحرص الفيلم على عدم الخلط بين هؤلاء، وبين تجربة المتحولين جنسياً، لأن خطاب الفيلم ذو أفق إنساني فسيح. ويحاجج ، برهافة، في أن الهوية الجنسية لا تستبطن ولا تفترض حكماً معيارياً على صاحبها. ولعل إسناد دور بارز إلى القس المثلي الأب خوسيه ماريا الذي يتصرف بأخلاقية عالية من دون إملاءات ميتافيزيقية، يعني أن الفعل يتقدم على الهوية، لا سيما عندما يركز على ثنائية الحب والحرية.

السينما تقاتل

وتحيل شخصية القس هنا إلى فيلم (Conclave) الصادر عام 2024، إذ يجري، بحسب وقائع الفيلم، انتخاب بابا للفاتيكان يكون مثلي الجنس، مما يعني أن ذلك يقع في دائرة الاحتمال، بالتالي دائرة التقبل، ومن ثم صيرورة ذلك واقعاً في المستقبل. السينما تقترح القضايا الساخنة وتشتبك مع الإشكاليات التي يهجس بها البشر، خصوصاً مجتمع الفن والفكر والثقافة ممن يفهمون السينما على أنها فن الحياة بكل تفاصيلها وتمزقاتها وهواجسها، كما أن السينما هي نبتة الخيال التي تطمح أن تكون شجرة فغابة.

السينما أيضاً تقاتل. وكما أن البابا المنتخب في الفيلم، الذي أخرجه إدوارد بيرغر، لم يختزل في كونه مزدوج الجنس، فإن أديلا أيضاً لا تعرف فقط من خلال اختلافها البيولوجي، فهي شخصية كاملة لها أحلامها وصراعاتها وعلاقاتها وحساسيتها الفنية.

 ولأديلا الحق كله في أن تشكل هويتها في منأى عن ضغط توقعات الآخرين، ولها أيضاً أن تكتشف نفسها ببطء وتجعل جسدها بيتها، وهو ما عبرت عنه كلمات الأغنية الختامية للفيلم:

“أضع نفسي بين يدي، أكتشف نفسي ببطء شديد، جسدي هو بيتي، أنا موطني، أختار الأنوار، أختار خطواتي، أختار اسمي، أختار حبي”.