من بروفات مسرحية “فلاغرانتي” في تونس، 16 مايو/أيار 2022 (فرانس برس)

عشر سنوات قضاها مشروع القانون المتعلّق بالفنان والمهن الفنية في أروقة البرلمانات المتعاقبة في تونس منذ طرحه سنة 2016، حتى تمّت المصادقة عليه في منتصف الشهر الجاري، منهياً حالة إرباك تشريعية عبر منح الفنّان صفة قانونية وجبائية، لكنه قد يقيد حرية الفنان وإنتاجه ويفتح باب سجال قد يستنزف الوسط الثقافي لسنوات مقبلة.

يضمّ القانون جملة أحكام تهدف إلى مزيد من تنظيم الممارسة المحترفة للمهن الفنية، والرقابة على العلاقات التعاقدية بين الأطراف المتدخّلة، ويتضمّن كذلك تنصيصاً على إرساء منظومة علاج وتغطية اجتماعية لممارسي العمل الفني، بالإضافة إلى ضبط معايير عرض الأعمال الفنية في وسائل الإعلام العامة والخاصة، ونسب حضور المصنّفات الوطنية في المهرجانات.

حظيت هذه المصادقة بمباركة طيف واسع من الفنّانين، ممثلين في نقابات الفنون الموسيقية والفنون المسرحية والفن التشكيلي، لكنّها أثارت في الوقت نفسه حفيظة آخرين، ممن لهم اعتبار رمزي في الساحة، لعلّ أهمّهم المخرج المسرحي توفيق الجبالي، الذي شنّ هجوماً على القانون، وخاصة الفصل 40 منه، الذي يفرض على الفنّان حمل بطاقة فنية حتى يتمكّن من ممارسة العمل الفنّي بصفة احترافية، ويسلّط على المخالفين خطية مالية قد تصل إلى 10 آلاف دينار (نحو 3 آلاف دولار أميركي). 

ينظّم القانون الجديد العلاقات التعاقدية بين أطراف الإنتاج الفني

لكنّ الطيف السّاعي إلى مأسسة العمل الفنّي والمبارك لمنح الفنان تعريفاً تشريعياً لأوّل مرة، يحاجج في المقابل بأنّ الرافضين لهذا التحوّل هم المنتفعون من الوضع القائم بتشغيل الهواة من دون أي عقود أو مقابل مالي، ما انعكس سلباً، أولاً على جودة المحتوى المقدّم، ثم على وضعية الممثل والفني والمؤلف المحترف الذي يعاني البطالة والإقصاء.

من الناحية الاقتصادية يسعى القانون إلى تقديم حلول تشاركية مبتكرة، لإنهاء الهشاشة المزمنة لوضعية الفنان، من بينها إدراج طابع جبائي في كل المعاملات الفنّية، مثل عقود الأداء والتنظيم والإشهار، تذهب مداخيله إلى صندوق يكفل للمتدخّلين في هذه المهنة، والذين يتسم عمل أغلبهم بالموسمية والتقطّع الدائم، تغطية صحية ومعاشاً تقاعدياً كريماً، في محاولة لطي صفحة نظام التغطية الاجتماعية للفنّانين المعمول به منذ 2002، والذي لا يراعي خصوصيات العمل الفنّي المتقطّع، كما أنّه يعاني من ديون متراكمة.

يلزم القانون الجديد وسائل الإعلام أن تكون الأعمال الدرامية المعروضة تونسية الإنتاج بنسبة 60%، كما يشدّد على رفع قيمة مقتنيات الهيئات الإدارية من اللوحات الفنّية التشكيلية والمنحوتات التونسية، فضلاً عن مراقبة المهرجانات الغنائية لإنهاء تهميش الموسيقي التونسي لصالح الفنّان الأجنبي. هذا النهج الذي يغازل الفنان المحلي، ويرفع شعارات السيادة الوطنية والمعاملة بالمثل، يهدّد في المقابل مبدأ الانفتاح الفنّي وجودته، إذ يتجه نحو إرساء مقاربة كمّية تُلزم الإعلام بعرض، والجمهور باستهلاك مواد فنية، دون جودة فنية حقيقية فقط لأنها صُنعت محلياً، كما قد يفتح الطريق إلى مزيد من المحسوبية والفساد في مستوى لجان شراء الأعمال التشكيلية، تزامناً مع رفع الميزانيات المخصّصة لذلك لتصبح أكثر إغراء لجميع الأطراف. 

هكذا يضع القانون الفنان التونسي أمام معضلة قديمة، تتمثل في حقّ هذا الميدان في التنظّم وضمان الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي وتحصين نفسه “من سماسرة الفن”، في مقابل مطلب الحرّية المطلقة التي بها يكون الفن فناً. فالمنتقدون للقانون الجديد يرون أن مجرّد التسليم بحق الوزارة أو أي هيكل منبثق عنها، في تزكية الفنان عبر البطاقة المهنية، يعمّق حالة من الطبقية التي تفصل بين الفنّان المحترف، والفنّان الهاوي، والخارج عن القانون، كما يُنظر إلى العقوبات المسلّطة على المخالفين على أنّها مجحفة وتنبئ بحقبة عنوانها الضبط والرّدع، قد تزيد من التضييق على هامش الحرية المتبقي.

ولا يأتي هذا القانون بحلول شاملة، على الأقل نظرياً، لمشاكل الفنانين بحسب ما يدّعيه المتحمّسون له، إذ يقول الفنّان التشكيلي والأكاديمي عماد جميّل لـ”العربي الجديد”، أن القوانين لم توجِد بعد حلاً لعرض الأعمال الفنّية في الخارج، وأنّ الفنّان التونسي الذي يعرض لوحاته في محافل عالميّة لا يزال يواجه مهانة إدخال أمواله بطرق غير شرعية، كما أكّد أن القانون يحدّد الخطوط العريضة لمسؤوليات الدّولة تجاه الفنّانين فقط، بينما لا تزال آليات التنفيذ مجهولة وبعيدة زمنياً.