بين جدران الغاليريهات التي اعتادت أن تكون البوابة الأولى لعبور الفنان إلى الجمهور، وشاشات المنصات الرقمية التي أتاحت للمبدعين الوصول المباشر إلى العالم بضغطة واحدة، يشهد المشهد التشكيلي تحولات عميقة تعيد رسم ملامح العلاقة بين الفن ووسائط عرضه.

فمع صعود الفنان المستقل القادر على تسويق أعماله وبناء جمهوره خارج الأطر التقليدية، تبرز تساؤلات جوهرية عن مستقبل صالات العرض الفنية: هل ما تزال تحتفظ بدورها التاريخي وسيطاً ثقافياً وجمالياً، أم أن العصر الرقمي فرض نموذجاً جديداً أكثر تحرراً وانفتاحاً؟

وفي هذا الاستطلاع، يرصد فنانون ومديرو غاليريهات ملامح هذا التحول، وحدود التكامل والصراع بين الفضاء الواقعي والمنصة الافتراضية في عالم الفن المعاصر.

دور محوري

أكدت الفنانة التشكيلية عائشة العبار، مؤسِّسة «غاليري عائشة العبار»، في تصريح لـ«البيان»، أن العلاقة بين الفنان وصالات العرض الفنية تتجاوز المفهوم التقليدي للوساطة، مشيرةً إلى أن «الغاليري» ينهض بدور محوري في إدارة المسيرة المهنية للفنان ونقله من النطاق المحلي إلى العالمية.

واستناداً إلى خبرتها التي تمتد ثماني سنوات في التعامل مع الوسط الفني، أوضحت العبار أن هناك نوعاً من التوجس يسود لدى غالبية الفنانين تجاه فكرة وجود وسيط، سواء أكان صالة عرض واقعية أو منصة رقمية، لافتةً إلى أن هذا التخوف ينبع من شعور الفنان بأن الارتباط بـ«غاليري» قد يقيّد حريته أو يفرض عليه احتكاراً معيناً، نظراً لأن الصالة تتولى إدارة كل الجوانب من الألف إلى الياء، ومنها الترويج، والتسويق، وتنظيم المعارض.

وشددت على ضرورة استيعاب الفنان دوره الأساسي بصفته مبدعاً ومنتجاً للعمل الفني، وترك المهام الإدارية والتسويقية للجهات المختصة.

وقالت: «الإدارة الفنية ليست مهمة سهلة، فالوصول إلى منصات كبرى مثل «آرت دبي» يتطلب وجود صالة عرض تدعم الفنان، حيث تشترط معظم المعارض العالمية المرموقة مرور سنوات من التعاون بين الفنان والغاليري لضمان مستوى معين من الاحترافية».

وفي سياق حديثها عن التطور الرقمي، أشارت العبار إلى أن المنصات الإلكترونية والوسائط الرقمية تعد أدوات مساعدة فعالة جداً، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن صالات العرض الواقعية، مرجعةً ذلك إلى طبيعة الفن التشكيلي التي تعتمد على التجربة الحسية، ومؤكدةً أن المقتني يحتاج دائماً إلى رؤية العمل الفني من قرب، واستشعار ملمس الخامات والألوان، وهو ما لا توفره الشاشات.

ولفتت مؤسِّسة «غاليري عائشة العبار» إلى أن صالات العرض تمثل ملتقى ثقافياً يتيح للمقتنين فرصة الجلوس مع الفنانين، وزيارة استوديوهاتهم، وفهم الفلسفة الكامنة وراء أعمالهم، مضيفةً أن فترة جائحة «كورونا» أثبتت هذه النظرية، حيث تزايد شغف الناس للعودة إلى المعارض الواقعية بمجرد إعادة الفتح، مؤكدين أن التجربة الرقمية، برغم أهميتها، تظل منقوصة دون التفاعل المباشر مع العمل الفني وبيئته الثقافية.

واختتمت العبار حديثها بالإشارة إلى أن النجاحات الكبرى التي حققها فنانون إماراتيون وعالميون ارتبطت دائماً بوجود علاقة ولاء وثقة متبادلة مع صالات العرض التي تمثلهم، ما أسهم في تعزيز التنافسية الفنية ورفع قيمة الأعمال الإبداعية في السوقين المحلي والدولي.

وأكدت بنديتا غيون، المديرة التنفيذية لمعرض «آرت دبي»، أن الدور الذي تقوم به صالات العرض الفنية (الغاليريهات) ضمن المنظومة الثقافية هو دور جوهري ومستمر، مشددةً على أن هذا النموذج الفني لن يندثر أمام التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

وأوضحت غيون أن قدرة صالات العرض والقائمين عليها على رعاية المواهب الفنية وتقديم الدعم والمساندة لهم، والاستثمار في مسيرتهم الإبداعية على المدى الطويل، ستظل هي النهج السائد والأكثر تأثيراً في المشهد الفني، مشيرةً إلى أهمية عدم إغفال الواقع الراهن، حيث تظهر وسائل تواصل ومنصات رقمية جديدة باستمرار، ما يؤثر بشكل مباشر في قدرة الفنانين على التواصل مع جمهورهم والمجتمع الدولي بشكل أكثر انفتاحاً وسرعة.

وفيما يتعلق بتأثير التكنولوجيا في النماذج التقليدية، نفت المديرة التنفيذية لـ«آرت دبي» أن تكون الابتكارات والتطورات الرقمية بمنزلة تهديد لنموذج صالات العرض التقليدية، مؤكدةً أنها تمثل طبقات تكميلية تعزز المشهد الفني ولا تلغيه.

واختتمت غيون حديثها بالتأكيد أن التركيز يجب أن ينصب على كيفية تسخير الأدوات الرقمية لتعزيز التجربة الفنية، وإتاحة فرص للوصول إلى محتوى وأعمال فنية لم يكن من الممكن الوصول إليها بالوسائل التقليدية وحدها، بما يسهم في إحياء الفن وتقديمه بصور مبتكرة تخدم الفنان والجمهور على حد سواء.

تحولات رقمية

من جانبه، أكد إياد قنازع، مؤسس وصاحب «غاليري إياد قنازع» في أبوظبي، أن المنصات الرقمية باتت تؤدي دوراً جوهرياً ومصيرياً في قطاع الفنون المعاصرة، مشدداً على أننا نعيش في عصر التكنولوجيا الذي لا يمكن إغفال تأثيره في انتشار الإبداع.

وأوضح قنازع، في حديثه حول التحولات الرقمية، أن التأثير الذي تفرضه وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية يمثل دفعة قوية لتسويق الفنانين أعمالهم، ليس على النطاق المحلي في دولة الإمارات فقط، بل على مستوى الوطن العربي والعالم أجمع، ما يفتح آفاقاً جديدة للانفتاح الثقافي والفني.

وفي سياق متصل، أشار قنازع إلى طبيعة العلاقة بين الفنان والوسيط الثقافي، مؤكداً أنها علاقة تكاملية تشبه الدائرة التي يكمل بعضها بعضاً. وبرغم إقراره بقدرة الفنان على التواصل المباشر مع المقتنين والجمهور، لفت إلى ضرورة وجود «الغاليري» كونه جهة احترافية داعمة؛ نظراً للاختلاف الجوهري بين العقلية الإبداعية التي يمتلكها الفنان والعقلية التسويقية المطلوبة للنجاح في سوق الفن.

واختتم قنازع حديثه بالتأكيد أن دور «الغاليري» يتجاوز مجرد العرض، ليشمل الترويج الاحترافي، وتنظيم المعارض بدقة، وسرد قصص الفنانين بأسلوب يجذب المتلقي، مؤكداً أن هذا الدعم هو ما يمنح الفنان المساحة الكافية للتركيز على إبداعه، في حين تتولى المؤسسة الفنية مهمة إيصال هذا الإبداع إلى العالم.

وأكدت فاطمة الكردي، من «غاليري أيكون كونتيمبوراري»، أهمية الدور الجوهري المستمر الذي تقوم به صالات العرض الفنية في المشهد الثقافي العالمي، مشددةً على أن «الغاليري» يظل منصة لا غنى عنها رغم الطفرة الرقمية وانتشار المنصات الإلكترونية.

وأوضحت أن دور صالة العرض يتجاوز مجرد عرض اللوحات، بل يمتد ليشكل منظومة دعم متكاملة للفنان؛ فبينما ينشغل الفنان بتطوير أدواته وممارسته الفنية، يتولى «الغاليري» إدارة الجوانب التسويقية والتجارية، ويسعى لتمثيل الفنان في المحافل والمتاحف العالمية في مدن كبرى مثل نيويورك وفينيسيا، إضافة إلى المتاحف الكبرى في أوروبا وأمريكا.

وفيما يخص التحدي الرقمي، أشارت الكردي إلى أن التكنولوجيا لا تلغي دور «الغاليري»، بل تعززه، حيث يمكن دمج الأعمال الرقمية ضمن معروضات الصالات التقليدية، مؤكدةً أن العلاقة بين الطرفين هي علاقة تكامل تهدف إلى تغذية العقل والبصر معاً، وليست علاقة تصادم.