تم تحديثه السبت 2026/5/30 01:44 م بتوقيت أبوظبي

تشهد صناعة السياحة تحولًا جذريًا تقوده منصات التواصل الاجتماعي، حيث باتت تطبيقات مثل تيك توك وإنستغرام تلعب دور “الدليل السياحي” لجيل كامل.

وذكرت إذاعة “إر.إف.إي” الفرنسية أنه مع تزايد اعتماد المستخدمين على هذه المنصات لاختيار وجهاتهم، لم يعد التأثير مقتصرًا على إلهام الرحلات، بل امتد ليشمل إعادة تشكيل تدفقات السياح عالميًا، وصولًا إلى الضغط المفرط على بعض الوجهات.

من الإلهام إلى القرار: المنصات الرقمية تقود اختيارات السفر

في فرنسا، تشير بيانات تيك توك إلى أن نحو ثلثي مستخدميه البالغ عددهم 25 مليونًا يجرون عمليات بحث مرتبطة بالسفر. كما ارتفعت مشاهدات محتوى السفر بنسبة 410% منذ عام 2021، في مؤشر واضح على التحول في سلوك المسافرين. ولم يعد البحث عبر غوغل الخيار الأول، إذ يفضل 45% من جيل “زد” الاعتماد على تيك توك وإنستغرام لتخطيط رحلاتهم.

هذا التحول يعكس تغيرًا أعمق في الثقة، حيث يفضل المستخدمون توصيات أشخاص يشبهونهم بدلًا من المصادر التقليدية. ويعزز هذا ما يُعرف بـ”العلاقة شبه الاجتماعية”، حيث يتحول المؤثر إلى مرجع قريب يتبعه الجمهور بشكل يومي، ما يمنحه تأثيرًا مباشرًا على قرارات السفر.

أماكن تتحول إلى “ترند”: من شوارع باريس إلى مدن العالم

تحولت مواقع عديدة حول العالم إلى نقاط جذب سياحي بفضل انتشارها على المنصات. ففي باريس، أصبح “شارع كريميو” في الدائرة الثانية عشرة موقعًا شهيرًا لالتقاط الصور، حيث يتوافد السياح يوميًا لإعادة إنتاج صور شاهدوها عبر الإنترنت.

ولا يقتصر الأمر على فرنسا، إذ امتد هذا النمط إلى مدن مثل سيول وريو دي جانيرو، بل وحتى إلى وجهات أقل شهرة سابقًا. فمدينة شفشاون المغربية، المعروفة بأزقتها الزرقاء، أصبحت من أبرز الأمثلة على مواقع دفعتها الشهرة الرقمية إلى واجهة السياحة العالمية.

تسويق سياحي جديد: الشركات والدول تدخل على الخط

أدركت شركات الطيران والفنادق ووكالات السفر قوة هذه المنصات، فبدأت في الاستثمار المكثف في حملات المؤثرين. وقد سجلت شركة “إير فرانس” مثلًا ارتفاعًا كبيرًا في التفاعل بعد تعاونها مع صناع محتوى.

كما انخرطت دول بأكملها في هذا التوجه، حيث تعتمد هيئات السياحة في اليونان ومدغشقر على المؤثرين للترويج لوجهاتها. وتشير بيانات تيك توك إلى أن 77% من مستخدميه مستعدون لحجز رحلات بناءً على توصيات يشاهدونها على المنصة، ما يعكس تحولًا في أدوات “القوة الناعمة” السياحية.

الوجه الآخر: عندما تتحول الشهرة إلى عبء

لكن هذا النجاح الرقمي يحمل آثارًا سلبية متزايدة. فقد شهدت بعض الوجهات تدفقًا سياحيًا كثيفًا في وقت قياسي، كما حدث في قرية كساميل الألبانية، التي تحولت من موقع هادئ إلى وجهة مزدحمة خلال عام واحد فقط.

وتواجه مدن ومناطق عدة تداعيات هذا “الانتشار الفيروسي”، إذ تعاني من تآكل بيئي وارتفاع تكاليف المعيشة. ففي فرنسا، تتعرض منحدرات إتريتا لضغط بيئي متزايد، بينما شهدت جزيرة بالي ارتفاعًا حادًا في الأسعار، وفي بالما دي مايوركا تصاعدت احتجاجات السكان ضد السياحة المفرطة.

نقاش حول السياحة الجماعية: أزمة توزيع أم سلوك؟

يرى خبراء أن المشكلة لا تكمن فقط في كثافة السياح، بل في تركزهم في نقاط محددة بسبب خوارزميات المنصات، التي تعزز التوصيات نفسها لملايين المستخدمين. هذا النمط يخلق ما يشبه السياحة المقلدة، حيث يسعى الجميع إلى زيارة الأماكن نفسها للحصول على التجربة ذاتها.

ويشير هذا إلى أن الظاهرة ليست مجرد “سياحة جماعية”، بل نتيجة نموذج اقتصادي رقمي يركز الطلب على عدد محدود من الوجهات لتحقيق عوائد أكبر.

محاولات التنظيم: حلول جزئية لمشكلة عالمية

بدأت بعض الوجهات في اتخاذ إجراءات للحد من الضغط السياحي. فقد فرضت البندقية رسوم دخول للزوار، بينما حددت دوبروفنيك عدد السياح وفرضت قيودًا على الحركة داخل المدينة، كما اعتمدت جزر فارو أيام إغلاق للحفاظ على البيئة.

وفي فرنسا، طُرحت فكرة التعاون مع المؤثرين لتوجيه السياح نحو وجهات أقل ازدحامًا، غير أن هذه المبادرات لا تزال محدودة التأثير، إذ لا تعالج جذور المشكلة المرتبطة بالخوارزميات ومنظومة التسويق السياحي العالمية.

سياحة رقمية بلا بوصلة؟

ويعكس صعود تيك توك وإنستغرام تحولًا عميقًا في صناعة السياحة، حيث انتقلت سلطة التوجيه من المؤسسات الرسمية إلى الأفراد والمنصات الرقمية. وبينما توفر هذه الأدوات فرصًا هائلة لاكتشاف العالم، فإنها تطرح تحديات كبيرة تتعلق بالاستدامة والتوازن.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة لإعادة التفكير في كيفية إدارة تدفقات السياح، بما يضمن حماية الوجهات والحفاظ على جاذبيتها، دون التضحية بالمكاسب الاقتصادية التي توفرها السياحة الرقمية.