لا يتعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الملف الإيراني بلغة المفاوض التقليدي. فالرجل الذي يكرر أن إيران وافقت بالفعل على عدم امتلاك سلاح نووي لا يبدو معنياً فقط بإعلان تقدم تفاوضي، بل بتثبيت صورة سياسية داخلية تقول إن الضربات العسكرية والضغوط القصوى دفعت طهران أخيراً إلى الاقتراب من الشروط الأمريكية.
ويأتي في هذا السياق قوله، أمس، إن إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي، وإن «الوضع بشأن إيران يتطور بسرعة وسيكون جيداً جداً»، وقوله كذلك: «لسنا بحاجة الآن إلى نشر قوات برية».
مراوغة
لكن خلف هذا التفاؤل العلني، يبدو المشهد أكثر تداخلاً، رغم أن الضبابية الإيرانية بشأن المفاوضات لا تعني بالضرورة تعثّر المفاوضات، بقدر ما تعكس مراوغة إيرانية لكسب الوقت قبل العودة إلى الطاولة.
التناقض الظاهري في التصريحات لا يعني أن قنوات التفاوض مغلقة، بل ربما يشير إلى أن المفاوضات أخذت وتيرة مختلفة، وانتقلت إلى مرحلة أكثر حساسية حول شكل الصفقة النهائية، وأن الأمر لا يتعلق بمبدأ التفاوض بحد ذاته.
لذلك بدا لافتاً ما قاله ترامب عن رغبته في لقاء مرشد إيران مجتبى خامنئي، وفي حديثه ما يحمل دلالات تتجاوز البروتوكول أو التصريحات النمطية للرئيس الأمريكي.
هذا التصريح يهدف للإيحاء بأن المفاوضات بلغت المستوى الأعلى، وأن الاتفاق المحتمل لم يعد مجرد تفاهم تقني بل مشروع تسوية سياسية كبرى يطبخ على نار «الضغوط القصوى».
وتنقل «سكاي نيوز عربية» عن الخبير في الشؤون الإيرانية فراس إلياس قوله إن الطرفين يحاولان إنتاج «سردية تفاوضية» تخدم مصالحهما الداخلية، مشيراً إلى أن المسألة تتجاوز إدارة المشهد الإعلامي.
حيث يريد ترامب اتفاقاً يعكس استسلاماً إيرانياً طويل الأمد، يتضمن تنازلات تتعلق ببرنامجها النووي، بينما تسعى طهران إلى اتفاق لا يبدو داخلياً كأنه تنازل فرضته الحرب والعقوبات.
إنهاك
ووفق المراقبين، تبدو الأوضاع الداخلية في إيران ليست مريحة، إذ إن الاقتصاد الإيراني يعاني من الإنهاك، كما أن الضغوط البحرية والمالية تضيّق هامش المناورة أمام المسؤولين في إيران، الذين يواجهون صعوبة في التواصل واتخاذ القرارات، إضافة إلى أن الضربات التي تعرضت لها الميليشيات الموالية لطهران في المنطقة أضعفت «الأذرع» التي تعتمد عليها إيران منذ زمن طويل.
لذلك فإن ترامب لا يتحدث عن مجرد العودة إلى تفاهم نووي محدود، بل يطمح إلى اتفاق يعيد تشكيل البيئة النووية الإيرانية بالكامل، عبر تفكيك أجزاء أساسية من البرنامج ومنع استعادة قدراته مستقبلاً.
الورقة الأخطر
في هذا السياق، يبرز مضيق هرمز بوصفه الورقة الأخطر التي تستغلها طهران، حيث يعد استهدافها للملاحة واستخدامها المضيق كأداة ضغط أو ابتزاز اقتصادي أعمال قرصنة من قبل الحرس الثوري الإيراني، تشكل تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة ولأمن الطاقة العالمي. حيث إن مجرد التهديد بإغلاق «هرمز» كفيل بإرباك الأسواق العالمية ورفع أسعار الطاقة.
وبعيداً على التصريحات العلنية، تبدو المفاوضات كأنها معلّقة بين الحرب والتسوية، حيث تتشكل بين التفاؤل الأمريكي والمراوغة الإيرانية، ملامح صفقة محتملة، لكنها قد تكون أقرب إلى نتائج للعبة «شد الحبال» منها إلى اتفاق نهائي ناضج.
