بالترو في نيويورك، مارس 2026 (جيلبرت كاراسكيلو/ Getty)
بينما تشهد الأوساط الهوليوودية حراكاً سياسياً لافتاً في ما يخص القضية الفلسطينية، تَمثّل بأسماء عديدة، نذكر منها خافيير بارديم ومارك رافلو وهانا إينبيندر، تطل علينا الممثلة غوينيث بالترو في إعلان يروّج لشركة عقارات إسرائيلية في هرتسليا.
يأتي هذا الظهور التجاري في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تواجه دولة الاحتلال ملاحقات بسبب ارتكابها جرائم حرب، وتطهير عرقي، وإبادة جماعية بحق أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان. في هذا السياق، يتجاوز الإعلان كونه مجرد نشاط تسويقي لنجمة عالمية، ليتحول إلى أداة تساهم في محاولة عزل السلوك السياسي والعسكري لدولة الاحتلال عن صورتها العامة، واستخدام الواجهة الحداثية والرفاهية الغربية غطاءً لعقود من التهجير القسري.
يعتمد المحتوى البصري للإعلان الذي تظهر فيه غوينيث بالترو على تصدير نمط الحياة الصحي والفاخر المرتبط بعلامتها التجارية الشخصية؛ إذ تبدأ اللقطات بملامح روتين صباحي اعتيادي ومصمم بعناية: الاستيقاظ، والتذمر الهادئ من الصباح الباكر، والحديث عن حاجة القهوة إلى قهوة أخرى، ثم الانطلاق في نزهة جري صباحية لاستعادة الطاقة. ينتهي هذا المشهد الاستعراضي الفردي بتقديم مشروع الشقق السكنية الفاخرة المعروف باسم 51 Park في هرتسليا، والذي تطوره شركتا “أفيف” (Aviv) و”ميليسرون” (Melisron).
المفارقة في هذا الطرح تكمن في الفجوة الهائلة بين فردانية الرفاهية المتمثلة في الاستيقاظ وممارسة الرياضة، وبين الواقع الجمعي العنيف الذي أُنشئت عليه الجغرافية المستضيفة للمشروع. يبدو اختيار النغمة الهادئة والجماليات البصرية النظيفة محاولة واعية لإلغاء التاريخ العنيف للمكان؛ فمدينة هرتسليا الحالية، التي تحمل اسم ثيودور هرتزل مؤسس الصهيونية الحديثة، تأسست عام 1924 (خلال فترة الانتداب البريطاني) على أراضي قرية الحرم الفلسطينية الساحلية.
تاريخ هذه المنطقة يشير بدقة إلى عملية تفكيك ديموغرافي وجغرافي؛ فقرية الحرم التي كانت تنبض بالحياة، احتُلت وطرد سكانها الأصليون البالغ عددهم نحو 600 نسمة قسراً خلال أحداث النكبة عام 1948. وبالتالي، فإن الاستثمار العقاري الفاخر الذي تروج له غوينيث بالترو اليوم يقوم حرفياً على أنقاض جغرافية مسلوبة وشعب هُجِّر من أرضه، وهو ما يحول العقار من مساحة عيش مادية إلى رمز للمحو البنيوي المستمر.
أثار الإعلان ردات فعل فورية وواسعة على منصات التواصل الاجتماعي، إذ تركزت النقاشات حول توقيت الحملة والمسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتق الشخصيات العامة في زمن النزاعات الكبرى.
في هذا السياق، علّقت خبيرة التجميل وسيدة الأعمال العراقية الأميركية هدى قطان بوضوح قائلة: “إنها تعرف تماماً ما يحدث هناك! هذا الفيديو مقزز! عار عليها”. هذا التعليق يزيح حجة الجهل السياسي التي غالباً ما تتذرع بها الشخصيات الفنية عند تورطها في ملفات سياسية، مؤكداً أن الانخراط في حملة تسويقية بهذا الحجم في ظل البث الحي والمستمر للمأساة الإنسانية في قطاع غزة هو قرار واع ينطوي على تجاهل متعمد للضحايا.
بدورها، عبّرت عارضة الأزياء والناشطة الحقوقية الفلسطينية الأميركية ألانا حديد (شقيقة جيجي وبيلا حديد) عن انزعاجها من طبيعة الطرح الإعلاني قائلة: “مستوى الرأسمالية المنفلتة مذهل وصادم ووحشي. يا فتاة، هل فتحتِ صحيفة أو شاهدتِ الأخبار؟ هذا ليس مجرد انفصال عن الواقع (صمم صمم)، بل هو تواطؤ فعلي”. يضع هذا التحليل الإصبع على طبيعة السلوك التجاري الذي يرى في الأزمات الإنسانية الكبرى مجرد خلفية يمكن تجاهلها لتمرير صفقات عقارية والاستفادة من عوائد مادية، معتبرة أن صمت الفنان أو قبوله بأن يكون واجهة لمشاريع استعمارية، يخرجه من دائرة الحياد المفترض إلى دائرة التواطؤ غير المباشر في عملية شرعنة الاحتلال.
يبرز هذا الموقف لبالترو ليعمق التباين الحاد داخل الصناعة الترفيهية الغربية حول التعامل مع القضية الفلسطينية. فبينما تختار غوينيث بالترو تسخير رمزيتها الثقافية لخدمة شركات عقارية إسرائيلية، تعلو أصوات أخرى داخل هوليوود لكسر الصمت التقليدي وتبني مواقف إنسانية حازمة تسعى إلى وضع حد للانتهاكات.
الجماليات التي يعتمدها الإعلان تفصل المكان عن سياقه السياسي والتاريخي
يتجلى هذا التباين عند مقارنة سلوك بالترو بمواقف فنانين مثل الممثلة هانا إينبيندر، التي انتقدت بشدة حالة الصمت والمواربة السائدة في أروقة صناعة السينما الأميركية تجاه ما يحدث في فلسطين، موجهة تساؤلات حادة لزملائها في المهنة حول مبررات هذا الغياب الأخلاقي وعما يفعلونه طوال اليوم بينما تُباد عائلات بأكملها.
إينبيندر عبرت عن استنكارها لتحول المنصات الثقافية إلى مساحات معزولة عن الألم البشري، وهو ما يتقاطع بدقة مع ما فعلته غوينيث بالترو التي اختارت تحويل منصتها التسويقية إلى أداة تلميع.
في السياق نفسه، يقدم الممثل الإسباني خافيير بارديم نموذجاً متقدماً للمسؤولية الأخلاقية للفنان؛ إذ لم يتردد في التعبير عن دعمه الصريح للقضية الفلسطينية وإدانته للممارسات العسكرية الإسرائيلية، معتبراً أن اتخاذ هذا الموقف يمثّل وازعاً إنسانياً بديهياً، متسائلاً باستهجان: “كيف يمكنني ألا أفعل ذلك؟”.
بارديم يرى في التضامن مع الضحايا واجباً أخلاقياً يتجاوز حسابات الأرباح والخسائر المهنية، ما يشكل نقيضاً كاملاً لتوجه بالترو التي أخضعت الاعتبارات الإنسانية لحسابات السوق والرأسمالية الاستهلاكية. يمثّل إعلان غوينيث بالترو لمشروع 51 Park صمماً أخلاقياً، ونموذجاً حياً لكيفية عمل الرأسمالية عندما تنفصل تماماً عن المبادئ الإنسانية الأساسية.
في الوقت الذي توثق فيه المنظمات الدولية محو أحياء سكنية كاملة وتشريد الملايين في غزة، تختار نجمة أميركية ترويج مفهوم “البيت الفاخر” على أرض هُجِّر أصحابها الأصليون قبل عقود. هذا السلوك يوضح كيف يمكن للجماليات البصرية النظيفة وروتين الرفاهية اليومي أن يُستخدما أدوات ناعمة وصامتة للمساهمة في استمرار ثقافة الاحتلال والمحو.
