نلاحظ في أعمال الفنانة الأمريكية باربارا كروغر، وهي من مواليد 1945م، صوراً فوتوغرافية بالأبيض والأسود، تعلوها كلمات حادة باللونين الأحمر والأبيض، العمل يبدو قريباً من الإعلان، أو من ملصق صحفي.

وهذا مقصود تماماً.. فهي تصر في مقابلاتها الصحفية، على أن الصورة واللغة لا تنفصلان، وأحياناً النص لا يشرح الصورة، والصورة لا تزين النص، وإنما يتبادلان السيطرة داخل مساحة واحدة.
في هذا الإطار اعتمدت باربارا كروغر على لغة الإعلام والإعلانات التجارية، لأنها أدركت في ذلك الوقت أن الإنسان المعاصر يعيش داخل سيل متواصل من الصور والشعارات التجارية الكاذبة، حتى أصبحت هذه الصور تشكل طريقته في فهم الكثير من المسائل..
لتقوم باربارا كروغر باستخدام الأسلوب الإعلاني نفسه، لكنها قلبت وظيفته، فالحروف كبيرة ومباشرة، وأقرب إلى لغة الأمر، ولا توجد زخرفة أو غموض، هناك خطاب حاد يواجه العين مباشرة، وبسرعة، تماماً كما تفعل الإعلانات في الشوارع والمجلات.

منحت صورها المركبة وضوحاً وقوة صادمة للجمهور، لأن المتلقي ظن للحظة أنه أمام إعلان مألوف، قبل أن يكشف أن الرسالة الفنية تستجوبه، ففي هذا النوع من الأعمال، لا تقرأ الصورة وحدها، ولا العبارة وحدها، فالقوة تنشأ من التوتر بينهما.. أحياناً تقول الكلمات شيئاً يناقض الصورة، وأحياناً تكشف ما تخفيه الصورة من سلطة أو استغلال أو ضغط نفسي.
لفتت باربارا كروغر انتباه النقاد منذ معرضها الأول، فصورها غالباً مأخوذة من الإعلام الجماهيري، وجوه، أيادٍ، أجساد، أو حتى مشاهد استهلاكية، لتقوم هي بقطع الصورة من سياقها الأصلي، وتعيد بداخلها بناءً جديداً، وتجعل الصور تحمل معنى آخر، ومختلفاً، وهنا يتحول الفن إلى التفكيك للخطاب البصري اليومي.

ومن يقرأ النقاد لصورها في السبعينيات، يذكرون بشكل متكرر، أنها استخدمت اللغة البصرية التي يعيش داخلها يومياً، لتعيد توجيهها نحو الخير، ويصبح هو موضوع السؤال.
في هذا السياق وبعد أن تحولت لوحاتها إلى مساحة نقد، لم تعد الصورة لدى باربارا شيئاً بريئاً أو محايداً، لأنها باتت أداة تؤثر في الرغبات والأفكار والهوية.. وبالتالي وعياً لدى الجماهير.

ونافل القول، فإن باربارا كروغر، عملت على الصور والكلمات لتصحح الهوية التي لعبت بها الإعلانات التجارية الطامعة، وبمجرد تعديلها، وتوظيفها، فإنها صوبت ونقحت الفرضيات التي تم اللعب بها، كافتراضية الحقيقة والخيال، والصدق والزيف، وانحرافات أخرى عن مفاهيم مجتمعية، وهي كفنانة حداثية تحارب كل ما تم تزييفه كذباً ليدعي صدقاً، من أجل الربح، ومحاربتهم من خلال ما يقدمونه، وبالمواد ذاتها.
