لو دققتم النظر في التريلر الدعائي لفيلم “القصص” ستكتشفون مشهداً يرقص فيه الإخوة الذين لم يصلهم استدعاء الجيش وقت الحرب؛ شابان يرقصا معاً، مرددين: “ونفدنا بجلدنا، ونفدنا بجلدنا”. إذا شاهدتم هذا المشهد في التريلر ولم تصادفوه في الفيلم، فلا تقلقوا؛ لستم وحدكم، فهناك مشهدان حُذفا في النسخة التي عُرضت في مصر: مشهد حرق صورة الرئيس محمد أنور السادات في تمثيل انتفاضة الخبز، ومشهد دهس صورة الرئيس جمال عبد الناصر على الأرض.

ليست هذه الأجزاء من المشاهد وحدها التي حُذفت على كل حال، رُغم بساطتها، لكنها استهلال جيد للإشارة إلى اللحظة والمفارقة والسياق العام للفيلم الذي يبدو أنه سياسي تماماً، لكن في نظرة أكثر دقّة، يتفادى هذا الأمر دون جدوى، فيصاب من حيث يريد أن يهرب، أو إنه يهرب بسرعة إلى الداخل. كيف يحصل ذلك؟ سنحاول هنا تحليل خطاب العمل لمعرفة ذلك.

ظهرت هذه المشاهد أثناء العرض الأول للفيلم في مدينة جدة بالسعودية قبل حذفها في النسخة التي عرضتها القاهرة لاحقاً، وربما باتت مفتاحاً مثالياً للفيلم من داخله في قصته وخارجه، في ما يخص ظروف عرضه ولحظته، وهو كذلك أكثر وأهم ما يمكن أن يبدأ خلاله الحديث عن فيلم خيالي مقتبس من قصة ذاتية لدى المخرج والمؤلف أبو بكر شوقي.

بُص العصفورة… بداية تستدعي السياسة ثم تهرب منها

يبدأ فيلم “القصص” بعنوان كبير يستحضر لحظة مصرية سياسية خالصة في 1967، أي عام الهزيمة، التي سٌمّيت بالنكسة، تخفيفاً لحدة المأساة. يرجع المُشاهد منذ اللحظات الأولى إلى زمن متوتر وصاخب ومرتبك لكنه مليء بالحميمية رغم كل شيء. يستعرض الفيلم قصصه/ قصّته الكبيرة الواحدة المتعددة من لحظة الهزيمة حتى يصل إلى منتصف الثمانينيات (1984)، حتى ينتهي التتر على خلفية أوبريت “وطني الأكبر”، حاملاً رسالة لوحدة تلك العائلة والعائلة الأكبر.

وبين التاريخين (1967-1984) فصلات مونتاجية منفصلة ومتصلة تخبرنا عن تغير الزمن واللحظة واحدة بعد الأخرى، وعدم تغيّر الوضع عموماً.

فيلم “القصص” يبدو سياسياً في ظاهره، لكنه في جوهره يروي كيف تتسلل السياسة إلى الإنسان حتى وهو يحاول تجاهلها؛ فالفرار من الزمن أصعب من الفرار من المكان

ورغم ظاهرية اهتمام العمل باللحظة السياسية في البداية والنهاية والوسط كذلك، فإنه، في جوهر قصته، يهرب أبطاله من السياسة وحواراتها قدر المستطاع.

يحكي الفيلم قصة أسرة من الطبقة المتوسطة فيها ثلاثة إخوة تتقارب أعمارهم لكل منهم أحلامه، وسط عائلة أكبر من الرجال الذين تناهت أحلامهم الواسعة إلى البقاء على أمل وحيد بحصول نادي الكرة الذي يشجعوه على البطولة.

وفي مقابل الأحلام والأوهام التي تقضي بها العائلة الكبيرة أيامها الثقيلة المهترئة التي تنتظر الحرب، ولا تقدر على التراجع أو الاندفاع داخل لحظة برزخية يصبح الهروب منها أذكى من التورط، يسعى البطل أحمد (ماجد المصري في واحد من أفضل أدواره) إلى التحليق أبعد، وطلب مراسلة أجانب للإخبار عن حياته الغامضة.

أحمد، عازف بيانو شاب لا ينتمي لزمنه. تتقدم الموسيقى عند حضوره لتقترب من الشارب الصاخب والرومانسية الزاعقة، بينما يختار هو عزف المقطوعات الكلاسيكية صعبة التعلّم والاستماع. تقبل فتاة نمساوية اسمها إليزابيث قبول المراسلة، ليدخل معها إلى عالم مثالي للهروب والتورط في آن.

يتساءل المشاهد بعد الثلث الأول أو أكثر من انقضاء الفيلم عن محور ومرتكز العمل الفني دون أن يحصل على إجابة شافية. يفهم المتابع لاحقاً أن الفيلم بدأ بقصة تسجيلية عن والدَي المخرج أبو بكر شوقي. والدته النمساوية ووالده المصري الذي عاشا جزءاً من القصة قبل أن يقتحمها بعض الخيال. وهو ما يفسّر لمسة الصدق الخالص على الرغم من الضعف الظاهر في عدة مناطق بالسيناريو. كثيرٌ من الصدق والتمرد في العمل الثالث لمخرجه والأفضل في أقل تقدير من عمليه السابقين: فيلم “يوم الدين” وفيلم “هجان” الأقل جودة.

مشهد من فيلم “القصص”

فيلم “القصص” هو قصة واحدة ممتدة لبطل لم يستطع الهروب تماماً من زمنه، رغم خياله الجامح ورهانه الذاتي على التغيير بعيداً عن اللحظة السياسية التي تلاحقه دون إرادة. هو ابن لحياة متعبة قاسية وطموحة، تفكك العالم المنهار وتلمس هشاشته، وتقبل عربون المحبّة الذي يصل من الغرباء، أملاً في أن يصبح هذا العالم أكثر أماناً وحناناً من كل قريب ومزيّف؛ بديهيات يتناساها الإنسان في الطريق ويتذكرها في قصة بسيطة عادية وصادقة وغير مفتعلة أبداً.

يهرب بطل الفيلم من السياسية ولا يمكنه الفرار. يدور في دائرة مغلقة على ذاتها، حياة واسعة تماماً لمن يقبلها دون سخط. يقع دون أن يدري في مشكلات والده بالتدريج؛ بداية من الرهبة والخوف الذي يكبر تباعاً، وصولاً إلى الصلع الذي يرثه كما يرث كل شيء. إنه ليس غير شاعر بأي علاقة بالسياسة فقط، بل يحتقرها في صميم قلبه، دون أن يدري إلى أي مدى تؤثر على حياته. وربما من الملهم أن يورط المخرج مشاهدَه في كل تلك المساحات السياسية داخل عائلة قد تمثّل قطاعاً كبيراً من المجتمع.

إنتاج وتمثيل وقصة ومناظر

لا يمكن أن نتغافل عن الاختيارات التمثيلية في الفيلم حتى ندرك مدى جودة كل عنصر تمثيلي فيه. في فيلم “القصص” هناك اختيارات مذهلة لكل دور على حدة؛ بداية من فيروز الأم (نيللي كريم) التي تقدّم دوراً يقترب من دورها المذهل في مسلسل “ذات”، والأداء التمثيلي الذي يوحي بالأداء السبعيني، والذي يقوم به أحمد كمال في دور راغب الأب، وخالد مختار (في دور شرف) الذي يملك وجهاً مثل خامة مثالية للميمز والضحك، وأحمد الأزعر (حسانوف) الذي لا نفهم سبب ظهوره المتقطع رغم موهبته الكبيرة، وعمرو عابد (لولو) وكريم قاسم (شمس) في لوحة فنية من الاختيارات المثالية التي لبست أدوارها وصدقتها بمساعدة أزياء ريم العدل.

مشهد من فيلم “القصص” لأبو بكر شوقي

يعتمد الفيلم على مدير تصوير غير عربي، كما هو الحال في نصف فريقه خلف الكاميرا؛ صورة يُحسد عليها، وتصميمات مشاهد عالية الجودة، وشريط صوت مميز في عمل الصوت، في قلبه بطل موازٍ يؤدي عدداً من المقطوعات الكلاسيكية. صُوّر الفيلم بين النمسا ومصر، في مشاهد تعود إلى حقبة زمنية ماضية، وهو ما يجعل إنتاجه كبيراً نوعاً ما، ومبرراً لعدد المشاركات الإنتاجية والدعم الذي ظهر في التتر.

يبدأ الفيلم من قصة على لسان حبيبة البطل (إليزابيث)، باللغة الإنكليزية، التي تتواجد في عدد غير قليل من مشاهد الفيلم. تحكي مونولوغاً بقصة عن صَدَفة البحر التي نظرت إليها، فانضوت إلى الداخل خوفاً، ثم خرجت رويداً رويداً بعدما أحسّت أنها غير مراقبة. كانت القصة أولى لحظات اتحاد البطلة بغريب بعد الرهان على مشاعرها. وتبدو هذه القصة دون غيرها جوهرة الفيلم الكبرى.

اللحظة القلقة يُنهيها الإنسان الذي يثق مرة واحدة بدرجة كبيرة في رهان المجهول البعيد. بدت كل تلك السياسة المحيطة بالفيلم أسيرة أنظمة وفق رؤية المخرج، متعارضة في ما بينها، ينتصر فيها الإنسان ليعيش رغم ذلك التباعد الذي على الفرد أن يندمج داخله.

السر الأكبر… الوطن الأكبر

قبل فترة ليست بعيدة ظهرت معركة أدبية، سخر فيها عشّاق أدب نجيب محفوظ من أغلفة أعماله بعدما حصلت عليها دار نشر جديدة فكّرت في صناعة أغلفة تناسب أجيالاً جديدة. لم يعجب الأمرُ عشّاقَ محفوظ القدامى وغيرهم ممن رأوها الأغلفة “ساذجة”.

يحاول البطل الهرب من السياسة، لكن السياسة تظل تكتب تفاصيل حياته من الخلف. فما نظنه قصة شخصية يتكشف في النهاية بوصفه حكايةَ وطن كامل

أعادت تلك المساحة من الحديث المحفوظي شيئاً كُتب حول “عناوين نجيب محفوظ السيئة”، مما يتعلق بعدد من عناوين رواياته العظيمة التي تحمل بعض الكسل، كمنوذج للأديب الذي لا يهتم كثيراً بعناوين أعماله، مثل: “بداية ونهاية”، و”السراب” و”المطاردة”، و”عصر الحب”، في مقابل أسماء مذهلة بالطبع، لكنها كان مدخلاً للكسل “العناويني” حتى لدى فنان أسطوري، وهو ما يذكرنا اليوم بالاختيار المربك لدى صناع فيلم “القصص” في اختيار عنوان الفيلم.

لكن الأمر هذا يفتح باباً للتأويل أيضاً: هل هي قصص العائلة الصغيرة، أم القصص بألف ولام التعريف، التي لا يستقيم تعريف مصر دونها؟ هل هذه هي بلادنا بكل تداخلاتها وتركيباتها أم إنها القصص الإنسانية التي لا يمكن الفرار من أثرها وطيفها الحميمي ولا يمكن الإمساك بهدفها وجدواها في قلب عالم متسارع عجول؟

“القصص” فيلم إنساني من اللحظة الأولى، يحاول أن يقول كل شيء دفعة واحدة. عدة طلقات رصاص في كل اتجاه تنطلق نحو مشاهد عربي يشاهد ماضيه ليتساءل هل استطاع الهروب منه للمضي في صناعة لحظة مختلفة أم إنه لا يزال عالقاً هناك في “قصص” أحدهم يسعى للهروب منها ومن السياسة، دون جدوى؟

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.