في هذا اللقاء، لا نجلس فقط أمام فنانتين، بل أمام أم وابنتها، وبين جيلين كاملين من الموسيقى والحياة. فاديا طنب التي صنعت مسارها على المسارح الكبرى وفي عوالم الأوبرا والأوركسترات، ويمان الحاج التي دخلت الفن من باب مختلف، باب “السوشال ميديا” والهوية الحديثة وإعادة تقديم الموسيقى بروح جديدة.

 

بين الاثنين حوار يشبه تقاطع زمنين: زمن كان فيه الصوت يصل عبر المسرح والإذاعة والصحف، وزمن يصل فيه عبر الريلز والمحتوى السريع والكاميرا الصغيرة. ومع ذلك، تبقى الموسيقى هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة بينهما.

 

هذا اللقاء ليس فقط عن الفن، بل عن العلاقة بين التجربة والبدايات، بين الخبرة والجرأة، بين أم تحكي وابنة تعيد التفسير بطريقتها. وفي كل سؤال وجواب، يظهر كيف يمكن للموسيقى أن تكون مساحة مشتركة، حتى لو اختلفت الطرق إليها.

 

*بعد 47 عاماً، ما الذي يحافظ على استمرار أغنية “مرفرف الدلال” ترينداً حتى اليوم؟ هل هو اللحن، الكلمات أم الإحساس؟

فاديا: صراحة لا أملك جواباً واضحاً. حتى غنائياً، كنت صغيرة، وصوتي كان لا يزال خاماً، وأدائي لم يكن ناضجاً. لا أعرف لماذا أحبها الناس إلى هذا الحد؟ ربما لأن اللحن عالمي ومعروف، فهو في الأصل لحن قديم جداً يعود إلى أربعينات القرن الماضي، ثم أُعيد استخدامه لاحقاً. لكن لماذا أصبحت هذه النسخة تحديداً لا أعرف. كنت فتاة صغيرة، أغني ببساطة، وربما أحب الناس هذه العفوية.

 

 

 

*هل لديك ذكرى خاصة عن تسجيل هذه الأغنية؟

فاديا: لا أتذكر تفاصيل كثيرة، لكن أتذكر أنني دخلت الاستوديو لأول مرة وأنا خائفة جداً. كان عاصي ومنصور الرحباني موجودين، والاستوديو كان ضخماً جداً في سن الفيل، وسقفه مرتفع بشكل هائل، فشعرت بالرهبة. كل ما أتذكره أنني كنت خائفة جداً لأنها كانت أول أغنية أسجلها مع الرحابنة.

 

*هل كان الجو الموسيقي موجوداً في المنزل؟
فاديا: بالتأكيد. كان منزلنا أشبه بكونسرفاتوار. لدينا بيانو وكل فرد كان يتدرّب على آلة مختلفة. كنا نذهب أيضاً إلى الكونسرفاتوار في جونية، لذلك كانت تسمع الكمان والبيانو والموسيقى الشرقية والغربية يومياً. أما أنا، فكنت أتمرن ليلاً بعد الحادية عشرة لأنني كنت أحتاج إلى الهدوء، خصوصاً عند دراسة الأعمال الموسيقية الصعبة.

 

  (النهار) الفنانة فاديا طنب ويمان الحاج

(النهار) الفنانة فاديا طنب ويمان الحاج

 

*كيف تنظرين إلى وسائل التواصل الاجتماعي اليوم؟

-فاديا:  بصراحة، لا أجيد استخدامها كثيراً. أعرف فيسبوك أكثر من إنستغرام. في زمننا كانت الصحف والمجلات هي التي تتصل بنا، وكانت الشهرة تأتي بطريقة مختلفة، من دون أن نبذل هذا الجهد اليومي الموجود الآن. اليوم الفنان يحتاج أن يدفع بنفسه إلى الواجهة بشكل مستمر، وأن يصنع محتوى يومياً، وهذا أمر لا يزال جديداً بالنسبة لي.

*لماذا الإعلام لا يعرف الكثير عن أعمال فاديا طنب؟

فاديا: هذا أكثر ما يضحكني. هناك من يعتقد أن يمان “أخرجتني من المطبخ” كي أغني معها، وكأنني كنت قد توقفت عن العمل. الحقيقة أنني لم أنقطع عن الفن يوماً. عشت عشر سنوات في ألمانيا، وكانت حياتي المهنية هناك، حيث درست وعملت مع كبار الأوركسترات.

 

أنا مرتبطة بعقد مع أوبرا في جنيف وأجول العالم ضمن عمل استعراضي، إلى جانب حفلات موسيقية أحييها باستمرار. ربما لا يعرف الجمهور اللبناني الكثير عن هذه الأعمال لأنها تقام خارج لبنان، لكنني بدأت أخيراً أشاركها أكثر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

 

*هل يمكن الفنان أن يستمر في الغناء مع التقدم في العمر؟

فاديا:  إذا اعتنى بصوته. الأوتار الصوتية مثل العضلات، تحتاج إلى تدريب دائم. مع العمر يصبح الجسم بحاجة إلى عناية أكبر، سواء في الطعام أو الرياضة أو الراحة. أما من ناحية النجاح الجماهيري، فهذا يعتمد على نوع الموسيقى. إذا كانت الأغاني مرتبطة بمرحلة عمرية معينة فقد يتراجع حضورها، أما إذا كانت تتجاوز الزمن والأجيال، فالعمر يصبح ميزة وليس عائقاً.

 

*أنتِ في الثلاثين من عمرك، هل يقلقك عامل العمر في هذا المجال؟

يمان: في السابق نعم، كنت أفكر كثيراً في هذا الموضوع، لكنني قررت أن أتوقف عن القلق. سأركز على ما أحب أن أقدمه، وسأكون صادقة مع نفسي. من يحبني سيستمر في متابعتي، ومن لا يحب عملي فهذا حقه.

 

 

  (النهار)   ويمان الحاج

(النهار) ويمان الحاج

 

*ماذا تعلمت من والدتك؟

يمان: تعلمت من أمي التواضع، لكنها أحياناً تقلل من قيمة نفسها أكثر مما يجب. أعتقد أنها لا تدرك تماماً قيمة صوتها وما حققته.

 

أكثر شيء أحبه أنها لم تخضع يوماً لضغط الناس أو لآراء الآخرين. كثيرون حاولوا توجيهها أو تغييرها، لكنها بقيت تعرف من هي، وهذا أمر أقدره جداً.

 

لكن كنت أتمنى أن تمنح نفسها حرية أكبر لتجرب أنواعاً مختلفة من الموسيقى، حتى التجارية منها. الموسيقى في النهاية هي إحساس، وليست فقط قواعد أكاديمية.

 

*لماذا بدأت تعيدين تقديم الأغاني بطريقة مختلفة على وسائل التواصل؟

-يمان: لأنني أدركت أن “السوشال ميديا” تحتاج إلى محتوى خاص بها، وليس مجرد إعلان عن أغنية جديدة.

 

أنا أحب أن آخذ أغنية معروفة وأعيد تقديمها بأسلوبي الخاص، وأشرح للناس كيف فكرت في التوزيع والتنفيذ. اكتشفت أن الجمهور يحب مشاهدة الكواليس أكثر من النتيجة النهائية.

 

كما بدأت أيضاً بكتابة أغانٍ أصلية مستوحاة من أساليب فنانين مختلفين، وهذا المشروع نجح وأسعدني لأنه يعبر عن هويتي الفنية الحقيقية.

 

*كم ساعة يستغرق تنفيذ الأغنية؟

يمان: كل أغنية تأخذ ما بين 20 و30 ساعة عمل. أبدأ بالاستماع إلى أعمال كثيرة لاستلهام الأفكار، ثم تأتي مرحلة التجربة، والتسجيل، والعزف، وإعادة التسجيل، وكلها تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين. وأمي تشاركني هذه الرحلة، فهي تستمع إلى الأغاني، وتوجّهني في بعض التفاصيل، كما تقرأ النصوص التي أكتبها. أحياناً أبتكر كلمات أو أركّب تعابير جديدة، وأقول مازحة: “إذا كان يحق للشاعر ذلك، فلماذا لا يحق لي؟”.

 

*ما هي أحلامك الفنية اليوم؟

يمان: لديّ أحلام كثيرة. أتمنى أن أغني على أكبر المسارح في العالم، وأن يردد الجمهور أغنيات من كلماتي وألحاني. كما أحلم بأن أساهم في تسليط الضوء على لبنان وعلى المواهب اللبنانية، وأن يستعيد لبنان مكانته كمركز للفنون والثقافة كما كان في السابق.