باولو فريسو في مدينة بولونيا الإيطالية، مايو الماضي (روبيرتو سيرّا / Getty)

استضافت دار الأوبرا المصرية على مسرحها المفتوح، الثلاثاء الماضي، عازف الترومبيت الإيطالي باولو فريسو (Paolo Fresu) وفرقته الموسيقية، في حفل فني حمل عنوان “على وقع تشيت” (Tempo di Chet)، احتفاء بالإرث الموسيقي لأسطورة الجاز الأميركي الراحل تشيت بيكر (1929 – 1988). يعيد فريسو صياغة الذاكرة اللحنية لأيقونة الكول جاز (Cool Jazz) برؤية متوسطية معاصرة.

ولد فريسو في جزيرة سردينيا عام 1961، وهو اليوم أحد أبرز أعمدة موسيقى الجاز المعاصر في أوروبا، كما أنه أحد أكثر الأصوات تميزاً وتأثيراً في المشهد الموسيقي الحديث. بدأ فريسو شغفه الموسيقي في سن الحادية عشرة عبر الفرق النحاسية المحلية في مسقط رأسه، قبل أن ينال شهادته الأكاديمية من معهد كالياري للموسيقى عام 1984.

وعلى مدار مسيرته الممتدة لأكثر من أربعة عقود، شارك في مئات التسجيلات والألبومات، وحصد كبرى الجوائز الدولية في أوروبا، ومنها جائزة بوبي جاسبر (Bobby Jaspar) من أكاديمية الجاز الفرنسية، وجائزة جانغو الذهبي (Django d’Or)، لأفضل موسيقي جاز أوروبي. وإلى جانب براعته عازفاً، يبرز فريسو ملحناً وموزعاً بارعاً، ومديراً فنياً لمهرجانات جاز دولية مهمة، فضلاً عن إسهاماته الأكاديمية في تدريس الجاز سنوات طويلة.

تتسم رؤيته الفنية بالانفتاح والتجريب، فلا تنحصر تجربته في أطر الجاز التقليدي، بل تمتد لتتقاطع مع الموسيقى الإلكترونية، والموسيقى الإثنوغرافية (العرقية)، والموسيقى المتوسطية، والموسيقى الكلاسيكية القديمة، مع جهود متميزة في تأليف الموسيقى التصويرية للمسرح والسينما والباليه.

يفتح الحفل الذي جاء بالتعاون مع المعهد الثقافي الإيطالي بالقاهرة نافذة مهمة تتيح للجمهور العربي والمهتمين بموسيقى الجاز معايشة حوارية فنية عابرة للأزمنة والجغرافية، تمتزج فيها تقاليد الارتجال الأميركي بملامح الشرق الأوسط، وينفتح الأفق التحليلي للحفل على مساحة جمالية بالغة التعقيد، تتجاوز فكرة الاستعادة التقليدية، لتصل إلى حد الحلول الروحي بين تجربتين تفصلهما عقود وجغرافية، وتجمعهما لغة الشجن الإنساني المشترك. 

كلمة Tempo في الإيطالية لا تشير فحسب إلى الإيقاع الموسيقي الصارم، وإنما تحيل مباشرة إلى الزمن بمفهومه الفلسفي والوجودي، مع أحد كبار الموسيقيين في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، الذي اتسمت حياته بتراجيدية وتمرد انعكسا على إنتاجه الفني وطريقة عزفه.

اتربط بيكر بالوجدان الإيطالي، فقد عاش هذا الفنان الأميركي جزءاً مؤثراً من حياته في إيطاليا خلال الستينيات، وتأثر بالسينما الإيطالية واللحن المتوسطي، حتى إنه سُجن هناك مدة في مدينة لوكا. لذا، يأتي باولو فريسو ومعه زملاؤه دينو روبينو (بيانو) وماركو باردوسيا (كونترباص) ليقدموا قراءة موسيقية معاصرة لهذا الإرث، من دون محاكاة حرفية لأسلوب بيكر، وإنما بطريقة صوفية تستحضر روحه وتقدمها للمهتمين من الجمهور المصري.

تأسست مدرسة الجاز ضمن ردة فعل على الموسيقى الكلاسيكية، واعتمد بيكر في صياغته هذا الأسلوب على الاقتصاد الشديد في النغمات، والتركيز على الدفء التعبيري، لتصبح النغمة الخارجة من الآلة أشبه بالهمس البشري. في ليلة القاهرة، أظهر باولو فريسو فهماً عميقاً لهذه الفلسفة، فلم يكن يسعى إلى استعراض المهارات التقنية السريعة أو إبهار الجمهور بالطبقات الصوتية الحادة، وإنما ركز مع زملائه على إنتاج نغمات دافئة، مستديرة، وممتدة، تخرج مدعومة بتقنية أنفاس خاصة تذكر المستمع مباشرة بأسلوب بيكر النقي. إنها موسيقى تتخفف من استعراض القوة لتصل إلى جوهر العاطفة الإنسانية، وهو ما جعل الجمهور في دار الأوبرا المصرية ينخرط في حالة من الإنصات الوجداني.

على الرغم من أن المرجعية الأساسية للعرض هي الجاز الأميركي الكلاسيكي، إلا أن الهوية الإيطالية لباولو فريسو وفرقته فرضت حضورها بوضوح. تميز العزف بمسحة من الغنائية التي تميل إلى التدفق اللحني المتصل والشاعرية الفياضة، وهي سمة تختلف عن الجاز الأميركي الذي يميل أحياناً إلى البنى الإيقاعية الأكثر جفافاً وتفكيكاً.

لقد التقت الروح التعبيرية الحرة لأميركا الخمسينيات مع العراقة والهارموني الأوروبي المستند إلى تاريخ ممتد من الموسيقى الكلاسيكية والروابط المتوسطية. وبذلك، تحول العرض من مجرد تحية إلى شخص تشيت بيكر إلى دليل على قدرة الجاز على التحور، وتجاوز حدوده الجغرافية الأولى ليتخذ أشكالاً وهوية جديدة تتلاءم مع فضاء القاهرة الثقافي متعدد الطبقات.

ولعل اختيار المسرح المكشوف في دار الأوبرا المصرية في هذه الأجواء الصيفية يحمل دلالة مهمة تتعلق بجذور موسيقى الجاز نفسها. نشأت هذه الموسيقى تاريخياً فناً شعبياً حراً، ينتمي إلى الفضاءات المفتوحة والشوارع والساحات، وجاء خروج عرض “على وقع تشيت” من القاعات المغلقة الصارمة إلى الهواء الطلق، ليعيد إلى الموسيقى طبيعتها العضوية الأولى. الإضاءة الخافتة المسلطة على المسرح تداخلت مع العتمة الطبيعية للسماء، وصاغت لوحة بصرية تشبه أجواء نوادي الجاز العتيقة في خمسينيات القرن الماضي.

كانت لغة الجسد والإيماءات المتبادلة والتواصل البصري المكثف على المسرح المحرك الفعلي للارتجالات اللحظية؛ فكل جملة موسيقية يبتكرها أحد العازفين كانت تجد صدى فورياً وتعديلاً تدريجياً لدى الآخرين، ما جعل الموسيقى تبدو كأنها تُخلق وتولد في تلك اللحظة عياناً أمام الحضور.

انعكست هذه الديناميكية الحية على الجمهور القاهري الذي يمتلك، بطبيعته وثقافته الشرقية، أذناً مدربة تاريخياً على تذوق الارتجال، وأدرك الجمهور بوعي فطري مواضع الذروة التعبيرية، فتفاعل بالاستحسان والتصفيق عقب الصولوهات، والتزم الصمت المطبق في لحظات الشجن والاستغراق الإبداعي.

تاريخياً، ارتبطت الصورة الذهنية للثقافة الإيطالية في الوعي الجمعي العالمي والمصري بمنتجات حضارية كلاسيكية محددة، تقع في صدارتها فنون الأوبرا التاريخية (أعمال فيردي وبوتشيني)، وعمارة عصر النهضة، والآثار الرومانية القديمة. يأتي استقدام مشروع موسيقي طليعي وحداثي مثل مشروع باولو فريسو ليقدم صياغة تخالف هذه الصورة الذهنية، فالحدث يقدم إيطاليا اليوم باعتبارها مركزاً للتجديد الموسيقي، وامتلاك القدرة على إعادة إنتاج قوالب موسيقية عالمية كالجاز، بهوية متوسطية خاصة. تحمل موسيقى الجاز، بطبيعتها التاريخية والأنثروبولوجية، جينات التحرر، والمقاومة، والتنوع الثقافي، نظراً إلى نشأتها من رحم المعاناة الإنسانية وحوار الثقافات الأفريقية والأوروبية في الفضاء الأميركي.

عندما فاز فريسو بجائزة جانغو الذهبي عام 1996، كان يمثل القوة الطليعية الجديدة في الجاز الأوروبي، إذ اتسمت تجاربه وقتها بمحاولة إثبات الذات، والبحث عن هوية صوتية تتخلص من الهيمنة الأميركية المطلقة على هذا الفن. وقد خاض الرجل رحلة مراجعات وتصفية دامت عقوداً، فقد تحول ذلك العنفوان الشاب إلى نوع من الزهد الموسيقي الصوفي، فتخلص عزفه من الاستعراض التقني الزائد لحساب النغمة المشبعة بالمعنى.

لا ينبع ثقل باولو فريسو من كونه عازفاً مهماً ومؤثراً فحسب، وإنما من كونه قائداً ومفكراً موسيقياً استطاع على مدار مسيرته أن يؤسس لمدرسة جاز إيطالية ذات ملامح واضحة، وتجلى ذلك في إدارته مهرجان “تايم إن جاز” (Time in Jazz) الشهير في مسقط رأسه، وتأسيسه دار نشر موسيقية خاصة لدعم المواهب الجديدة.

لقد انعكس تفكيره المؤسسي والقيادي مباشرةً على أدائه لفرقته، من دون تسلط أو ديكتاتورية فنية. تتأسس البنية الهارمونية لعرض “على وقع تشيت” على ثنائية الحوار بين آلة الترومبيت النحاسية والآلات الوترية والخشبية المصاحبة (البيانو والكونتراباص). وفي هذا التشكيل الثلاثي، تخلى باولو فريسو عن دور الآلة القائدة بالمعنى التقليدي لصالح مفهوم التناوب الأفقي للجمل اللحنية. يظهر هذا بوضوح في كيفية تسليم الترومبيت المسافة التعبيرية للبيانو؛ إذ يتحول العزف من صيغة التبادل الفردي إلى صياغة هارمونية مركبة، تمنح الكونتراباص وظيفة ضبط النبض الإيقاعي الباطني بدلاً من الإيقاع الصاخب للدرامز.

تكمن القيمة لعزف فريسو في قدرته على دمج أسلوبين مختلفين، فالجاز الأميركي يعتمد أساساً على نقرات إيقاعية حادة ومتقطعة، في حين نجحت الفرقة الإيطالية في إدخال مسحة من التدفق اللحني المتصل والهادئ، وهو أسلوب ينتمي تاريخياً إلى إرث الغناء الإيطالي والشجن المتوسطي. هذا التمازج جعل الموسيقى تتخلى عن جفافها الغربي لتصبح أقرب من الذائقة الشرقية لجمهور القاهرة، التي تنحاز بطبيعتها إلى الألحان الممتدة والزخارف النغمية الدقيقة.

وبهذا، لم يعد العرض مجرد تكرار لتجربة تشيت بيكر الأميركية، وإنما تحول إلى حوار فني جديد يلمس وجدان المستمع العربي ببساطة وعمق. قدم فريسو في ليل القاهرة نموذجاً لما يمكن تسميته بالأستاذية المعرفية، فقاد الجمهور في رحلة واعية لإعادة اكتشاف تشيت بيكر وثقافة الكول جاز.