منذ انطلاقه عام 2022، فرض مسلسل “ذا بير” (The Bear) نفسه كواحد من أبرز الأعمال التلفزيونية في السنوات الأخيرة، بفضل معالجته المختلفة لعالم المطابخ الاحترافية، وتحويله هذا الفضاء الصاخب إلى ساحة لاستكشاف الضغوط النفسية والعلاقات الإنسانية وتعقيدات الطموح.
ابتكر المسلسل كريستوفر ستورر، ونجح على مدار 5 مواسم في حصد إشادة نقدية واسعة، إلى جانب عشرات الجوائز، أبرزها جوائز الإيمي والغولدن غلوب، ليصبح أحد أهم إنتاجات شبكة “إف إكس” ومنصة “هولو”.
المسلسل من بطولة جيريمي ألين وايت في دور الطاهي كارمن “كارمي” بيرزاتو، إلى جانب آيو إدبيري، وإيبون موس-باتشراك، وآبي إليوت، وليونيل بويس، وليزا كولون-زياس، وماتي ماثيسون، الذين أسهموا في بناء عالم درامي متماسك قائم على الأداء الجماعي.
يأتي الموسم الخامس ليختتم رحلة استمرت 4 سنوات، بعدما اختار صناع العمل إنهاء القصة في ذروة نجاحها، بدلا من إطالتها على حساب تماسكها الفني.
حين عاد “ذا بير” إلى جوهره وأنهى رحلته في التوقيت المناسب
من أكثر ما يميز الموسم الخامس من مسلسل “ذا بير” أنه يتخلى عن فكرة التصعيد المستمر التي تلجأ إليها كثير من المسلسلات في مواسمها الأخيرة، ويختار تكثيف الزمن والحكاية، فالموسم يدور، في معظمه، خلال يوم خدمة واحد داخل المطعم، وهو قرار سردي يمنحه إيقاعا أقرب إلى الفيلم الطويل منه إلى موسم تلفزيوني تقليدي. وتتراجع القفزات الزمنية والفلاش باك مقارنة بالمواسم السابقة، بينما تلتزم الكاميرا بملاحقة الشخصيات داخل المساحة المحدودة للمطعم. وهذه الوحدة الزمانية والمكانية تجعل المتفرج يعيش التجربة في زمنها الحقيقي تقريبا، وكأنه حاضر مع الشخصيات داخل المطعم.
أعاد هذا الخيار المسلسل إلى جوهره الأول: مطبخ صغير، ومجموعة من الشخصيات، وضغط عمل لا يتوقف. لذلك يستعيد الموسم الخامس الروح التي ميزت البدايات، ولا يبقى أمام العمل سوى الاعتماد على تطور العلاقات والأداء التمثيلي، وهما دائما نقطتا القوة الحقيقيتان في “ذا بير”.
خلال العامين الماضيين، ظهرت أصوات رأت أن الموسمين الثالث والرابع اتجها بدرجة أكبر نحو التجريب، وهو ما اعتبره بعض المشاهدين ابتعادًا عن الإيقاع السريع والضغط اللذين اشتهر بهما المسلسل في بدايته. لكن هذه القراءة ليست الوحيدة، فهذان الموسمان كانا ضروريين لتوسيع عالم الشخصيات، وتعميق أزماتها النفسية، ونقلا المسلسل إلى مرحلة أكثر هدوءا وتأملا. ومع ذلك، فإن الموسم الخامس يثبت أن كريستوفر ستورر استوعب هذا الجدل، واختار الموازنة بين التأمل والحركة، وقلل من الاستعراض الشكلي لمصلحة السرد المركز.
ولعل أفضل ما فعله الموسم الأخير أنه لم يخترع أزمات جديدة لإطالة عمر المسلسل، وهي المعضلة التي تقع فيها أعمال كثيرة بعد استنفاد مسارها الطبيعي. لذا، بدلا من إدخال شخصيات جديدة أو خلق صراعات مصطنعة، يركز المسلسل على استكمال الرحلات التي بدأت في الموسم الأول، ويمنحها نهايات تبدو منطقية ومتسقة مع تطورها، لذلك تبدو النهاية أقرب إلى إغلاق دائرة كاملة.
المطبخ كغرفة علاج
منذ الموسم الأول، يتضح للمشاهدين أن “ذا بير” بشكل أساسي مسلسل عن البشر الموجودين داخل المطبخ، الذين يعتبرون الطهي وسيلتهم الوحيدة لمواجهة خساراتهم ومخاوفهم وأسئلتهم الوجودية. ويصبح المطعم مساحة لاختبار الشخصيات وإعادة تشكيلها، وكأن كل يوم خدمة هو جلسة علاج جماعية غير معلنة، فالضغط والفوضى والأوامر المتلاحقة كلها وسائل للكشف عن الجروح القديمة.
أوضح مثال على ذلك رحلة كارمي (جيريمي ألين وايت)، الذي يبدأ المسلسل وهو مقتنع بأن الكمال المهني هو الطريقة الوحيدة لإثبات الذات، لكنه ينتهي إلى إدراك أن النجاح لا يساوي شيئا إذا كان ثمنه استنزاف الإنسان نفسيا وعاطفيا. كان كارمي، في رحلته، يسعى للحصول على اعتراف داخل عالم الطهي، والأهم أنه، بصورة غير واعية، كان يبحث عن تعويض فقدان شقيقه، والهروب من الشعور الدائم بعدم الاكتفاء. لذلك تأتي خاتمة رحلته لتعيد تعريف معنى النجاح.
في المقابل، يقدم الموسم الخامس سيدني أدامو (آيو إدبيري) باعتبارها الوجه الآخر لهذه الفكرة. فمنذ ظهورها الأول، كانت الشخصية تمتلك الطموح نفسه الذي يحرك كارمي، لكنها تختار طريقًا مختلفًا لتحقيقه. فهي لا تبني سلطتها على التوتر أو السيطرة، وإنما على الإصغاء، وتقاسم المسؤولية، ومنح الآخرين الثقة. ومن هنا، سيدني مجرد خليفة لكارمي تقدم تصحيحا لفكرة القيادة نفسها؛ إذ يطرح المسلسل من خلالها تصورا يقول إن النجاح لا يحتاج بالضرورة إلى التضحية بكل شيء.
وإلى جانب سيدني، تكتمل هذه الرؤية من خلال ريتشي، الذي يقدم أحد أكثر مسارات التحول إقناعًا في العمل. فالرجل الذي بدأ فوضويا، سريع الغضب، وعاجزا عن إيجاد مكانه، يتحول تدريجيا إلى شخصية أكثر نضجًا واتزانا، لأنه وجد أخيرًا شعورًا بالانتماء والمسؤولية.
هل يستحق “ذا بير” مكانته كواحد من أفضل مسلسلات العقد؟
إذا كان تأثير الأعمال التلفزيونية يُقاس بقدرتها على تغيير شكل الدراما، فإن “ذا بير” يستحق بالفعل أن يوضع ضمن أهم مسلسلات العقد الحالي. فمنذ انطلاقته الأولى، كسر الصورة التقليدية لدراما المطابخ، وحولها إلى مساحة للتأمل في الصحة النفسية، والعلاقات الأسرية، وثقافة الإنجاز، دون أن يفقد إيقاعه المشحون أو حسه الإنساني. كما ساهم في ترسيخ نموذج جديد لمسلسلات الشخصيات، التي لا تعتمد على حبكات ضخمة أو مفاجآت متلاحقة.
ولعل أحد أهم أسباب تميزه أنه جعل تطور الشخصيات هو محور السرد الأساسي. فلا توجد شخصيات محصنة ضد التغيير، ويخوض الجميع رحلة طويلة من الفقد، والإخفاق، والتعلم، وإعادة اكتشاف الذات. ومن هنا، أصبح “ذا بير” مرجعًا للأعمال التي تسعى إلى تقديم دراما أكثر حميمية، تراهن على الأداء التمثيلي، والكتابة الدقيقة، وبناء الشخصيات.
أما على مستوى النهاية، فقد نجح الموسم الخامس في الحفاظ على الروح التي انطلق بها المسلسل، حتى وإن اختلفت ظروف الشخصيات وتبدلت أولوياتها. لم يحاول أن يكون أكثر صخبًا من البداية، ولم يسعَ إلى صناعة خاتمة استعراضية أو مفاجئة، بل اختار إنهاء الرحلة بالطريقة نفسها التي صنعت تميزه منذ البداية: التركيز على الإنسان قبل الحدث.
التقييم العام
الإخراج: 4.5
التمثيل: 4.5
المؤثرات البصرية: 4.5
صديق العائلة: 2.5
