بين إسرائيل وإيران، يبحث لبنان عن مخرج من مأزقه، بينما يعبّر عن هذا المأزق الوفد الذي مثّل ‘حزب الله’ في تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي فكرة عن وضع هذه الميليشيا المذهبيّة التي أنشأها ‘الحرس الثوري’ في لبنان. إنّه وضع هزيل إلى أبعد حدود يكشف أنّ ‘الحرس الثوري’ الإيراني وضع يده كلّيا على ‘الحزب’.
بات في الإمكان القول عن حال ‘الحزب’: “من الحرس وإلى الحرس نعود”. لم يعد واردا وجود أي هامش للمناورة لدى ‘الحزب’ الذي فقد قادته العسكريين والأمنيين ولم تعد في الواجهة سوى شخصيات تنتمي أصلا إلى ‘حزب الدعوة الإسلامي’، النسخة الشيعيّة لتنظيم الإخوان المسلمين. لم تعد في الواجهة شخصيات خريجة مدرسة ‘الحرس’.
تشكّل مثل هذه الحال، التي يعاني منها ‘الحزب’، أفضل خدمة لإسرائيل التي يبدو واضحا أنّها غير مهتمّة بتنفيذ خطوات محددة تشير إلى نيتها التزام بنود الاتفاق الإطار الذي وقّع في واشنطن حديثا. تتذرع الدولة العبريّة بسلاح ‘الحزب’ لمتابعة سياسة تقوم على تغيير طبيعة جنوب لبنان عن طريق تجريف القرى ومنع عودة النازحين إلى بيوتهم. لا يمكن وضع اغتيال إسرائيل، بواسطة مسيّرة، لمديرة مدرسة (اسبيرنزا فخري غندور) مع أفراد عائلتها في النبطية سوى في هذا السياق، سياق منع عودة النازحين الذي بدأ مع الإعلان عن التوصل إلى الاتفاق الإطار أواخر الشهر الماضي. وهو إعلان ترافق مع سعي آلاف النازحين إلى العودة إلى قراهم وبلداتهم.
ليست التصريحات التي يطلقها هذه الأيّام السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة يحيئيل ليتر عن جولة جديدة من المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة في واشنطن أو روما سوى محاولة لتغطية الممارسات الإسرائيليّة في جنوب لبنان. في الواقع، ليس ما يشير إلى جولة جديدة من المفاوضات، إلّا إذا حصل لبنان على ضمانات محددة من الإدارة الأميركيّة في شأن حصول تغيير في السلوك الإسرائيلي.
كلّ ما هناك أن إسرائيل تعمل على الاستفادة إلى أبعد حدود من رغبة إيران في المحافظة على سلاح ‘الحزب’. تعمل ذلك في سياق مخطط واضح يستهدف إقامة منطقة أمنية تتجاوز جنوب لبنان… إلى جنوب سوريا!
من المفيد الإشارة إلى أنّ ‘الحزب’ تأسّس على يد مجموعات من ‘الحرس الثوري’ دخلت إلى الأراضي اللبنانية صيف 1982 بحجة المشاركة في مقاومة الاجتياح الإسرائيلي للبنان. لم يكن من مهمّة لرجال ‘الحرس’ الذين استقروا في البداية في ثكنة للجيش اللبناني، هي ثكنة الشيخ عبدالله، غير العمل على إنشاء ‘الحزب’ الذي عرف عصره الذهبي في 2005 نتيجة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه وانسحاب الجيش السوري من لبنان.
بلغ الأمر أنّ ‘الحزب’ بات يقرر في 2016 من هو رئيس الجمهورية في لبنان. فرض وقتذاك ميشال عون رئيسا مع صهره جبران باسيل… فكانت ست سنوات يمكن تسميتها، من دون تردّد، “عهد الحزب” الذي شهد، بين ما شهده، تفجير مرفأ بيروت في مثل هذه الأيام من العام 2020، وقبل ذلك انهيار النظام المصرفي اللبناني.
ذلك هو الواقع الذي سيتوجب على لبنان مواجهته، بعدما لم يعد من شيء اسمه ‘الحزب’ الذي حل مكانه ‘الحرس الثوري’ المصرّ على وضع نفسه على تماس مع إسرائيل حتّى لو كان ذلك على حساب جنوب لبنان وأهله من سكّان جبل عامل من شيعة. هناك نكبة شيعيّة في لبنان ترفض ‘الجمهوريّة الإسلاميّة’ أخذ العلم بها.
أيام وتنتهي جنازة علي خامنئي التي بدأت في طهران ومن المقرر أن تنتهي في مشهد مسقط رأس ‘المرشد’ الذي اغتالته إسرائيل في الثامن والعشرين من شباط – فبراير الماضي. لا شكّ أن الجنازة التي شملت محطة ذات طابع رمزي في غاية الأهمّية هي مدينة كربلاء العراقيّة كانت حاشدة. هل يعني ذلك شيئا؟ هل يعني تمسّك الإيرانيين بنظام ‘الجمهوريّة الإسلاميّة’ القائم منذ 1979؟ هل يعني تمسّك إيران بأدواتها الإقليمية وسياسة ابتزاز جيرانها؟
لا تعني الجنازات وحجمها، في معظم الأحيان، الكثير. لا بدّ من انتظار مرحلة ما بعد انتهاء الجنازة. في العام 1970 توفّى الزعيم المصري جمال عبدالناصر. كانت جنازته ذات طابع استثنائي. كلّ الشعب المصري شارك في الجنازة. لم تمض أشهر إلّا وتخلّصت مصر من ارث ناصر وفرض خليفته أنور السادات نهجا خاصا به لا علاقة له بالمدرسة الناصريّة من قريب أو بعيد.
لم يكتف السادات بإبعاد كلّ الشخصيات التي كانت محسوبة على جمال عبدالناصر، بدءا بعلي صبري والمحيطين به، بل ذهب بعيدا في السير في نهج خاص به وصولا إلى زيارة القدس في تشرين الثاني – نوفمبر 1977 وتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل في آذار – مارس 1979.
منذ مقتل خامنئي، نفّذ ‘الحرس’ انقلابين. الأوّل في إيران والآخر في لبنان. ليس الإصرار على أن يكون مجتبى خامنئي خليفة والده، في موقع “المرشد”، سوى تعبير عن السيطرة الكاملة لـ’الحرس الثوري’ على مقاليد السلطة في إيران، أقلّه في المدى المنظور. ليس وضع ‘الحزب’ في لبنان سوى نتيجة مباشرة لانقلاب أدى إلى تولي ‘الحرس الثوري’ شؤون ‘الحزب’ بشكل مباشر.
أقلّ ما يمكن قوله أنّ هناك عودة إلى لعبة قديمة تقوم على تواطؤ إيراني – إسرائيلي على لبنان. في أساس هذا التواطؤ استغلال إسرائيل سلاح ‘الحزب’ لتنفيذ مخططاتها بعيدا عن الرغبة في أي انسحاب وإنجاح تجربة ‘المناطق التجريبيّة’. ليس ما يشير إلى إسرائيل متحمسة للاتفاق الإطار، مثلما لم تكن متحمسّة لاتفاق 17 أيار.
تكمن المشكلة في الغياب الأميركي عن المشهد اللبناني. ليس معروفا هل ترغب واشنطن في دور إيراني في لبنان، حسب ما ورد في مذكرة التفاهم التي وقعتها مع ‘الجمهوريّة الإسلاميّة’ … أم تريد فك ارتباط بين لبنان وإيران حسب ما ورد في الاتفاق الإطار الذي وقّع في العاصمة الأميركيّة!
