تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت البلاد ستنجح في تجنب العتمة الشاملة. منذ صباح امس انقطع التيار الكهربائي عن معظم المناطق وكهرباء لبنان لغاية الساعة لم تعلن عن الاسباب كالعادة ….
مع كل صيف يعود ملف الكهرباء إلى واجهة الأزمات، لكن المؤشرات هذه المرة تبدو أكثر خطورة. فما كان قبل أيام أزمة إنتاج محدودة تترجم بتراجع ساعات التغذية، تحول اليوم إلى إنذار بقرب استنزاف مخزون الوقود، في ظل غياب أي شحنات جديدة، ما يضع البلاد أمام احتمال الدخول في مرحلة أشد قسوة قد تنتهي بانخفاض إضافي في التغذية، وربما بانقطاعات واسعة إذا استمر الوضع على حاله.
وبينما كانت مؤسسة كهرباء لبنان تحذر رسمياً من ضعف الشبكة وإمكان حصول انقطاع عام في أي لحظة، كشف تسجيل صوتي متداول لأحد المسؤولين الميدانيين في المؤسسة أن الأزمة بلغت مرحلة أكثر دقة، مع تراجع الإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة ونفاد الوقت قبل استنفاد الكميات المتبقية من المازوت.
ويظهر التسجيل الصوتي الذي انتشر على نطاق واسع بين العاملين في المؤسسة، حجم القلق داخل القطاع، إذ يشير صاحبه إلى أن إنتاج الكهرباء انخفض إلى ما بين 350 و360 ميغاواط فقط، بعدما كانت مؤسسة كهرباء لبنان قد أعلنت قبل أيام أن الإنتاج المتاح يقارب 500 ميغاواط.
وبحسب التسجيل الموجه الى رؤساء مراكز التوزيع، ليس هناك حالياً أي باخرة محملة بالوقود في طريقها إلى لبنان، فيما تتراجع كميات المازوت المتوافرة تدريجياً، بحيث لا يكفي المخزون الحالي، وفق التقديرات، لأكثر من 4 إلى 6 أيام إذا استمرت وتيرة الاستهلاك على حالها.
ويكشف التسجيل أيضاً أن إدارة التشغيل بدأت اعتماد إجراءات استثنائية للحفاظ على ما تبقى من الوقود، من بينها تشغيل مجموعات الإنتاج في معمل دير عمار بالتناوب، مع توقع خفض الإنتاج تدريجياً في معملي دير عمار والزهراني بهدف إطالة فترة الصمود لأطول وقت ممكن.
توازياً، دعا صاحب التسجيل رؤساء المحطات إلى عدم ممارسة أي ضغوط على المناوبين لتشغيل خطوط إضافية خارج الخطة التشغيلية، محذراً من “مبادرات فردية قد تؤدي إلى استنزاف الوقود المتبقي”، ومؤكداً أن “الوضع بالغ السوء، وما هو مقبل قد يكون أكثر صعوبة”.
مصادر وزارة الطاقة أكدت أن ما يهم المواطنين حالياً هو زيادة ساعات التغذية، ولكن حتى الآن لا معطيات جديدة.
وقبل انتشار هذا التسجيل بأيام، كانت مؤسسة كهرباء لبنان قد أقرت رسمياً بتراجع التغذية الكهربائية، ولا سيما في بعض مناطق بيروت الإدارية، عازية ذلك إلى محدودية القدرة الإنتاجية وارتفاع الطلب خلال فصل الصيف، إضافة إلى الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات وانعكاسات التطورات الإقليمية.
وأوضحت أن “استقرار الشبكة الكهربائية يتطلب إنتاجاً يقارب 1000 ميغاواط، فيما القدرة المتوافرة أقل بكثير، الأمر الذي يؤدي إلى اضطرابات في التردد والتوتر وخروج تجهيزات من الخدمة بصورة مفاجئة، ما يجعل خطر الانقطاع العام (Blackout) قائماً بصورة يومية”.
وأكدت المؤسسة أنها تحاول المحافظة على حد أدنى من التغذية يبلغ نحو أربع ساعات يومياً في مختلف المناطق، مع إعطاء الأولوية للمرافق الحيوية، مثل المطار والمرفأ والمستشفيات ومضخات المياه والإدارات الرسمية، التي لا يمكن فصلها عن بعض الأحياء المجاورة لأسباب فنية.
أزمة تتجاوز نقص الوقود
وتشير المعطيات إلى أن المشكلة لم تعد تقتصر على نقص المحروقات، بل أصبحت تهدد قدرة المؤسسة على إدارة الشبكة نفسها. فكلما انخفض الإنتاج، تقلص هامش المناورة أمام فرق التشغيل، وازدادت احتمالات انهيار أجزاء من الشبكة نتيجة عدم استقرار التردد، وهو ما كانت المؤسسة قد حذرت منه مراراً في بياناتها السابقة.
وإذا لم تصل شحنات جديدة من الوقود خلال الأيام القليلة المقبلة، فإن السيناريو المرجح سيكون المزيد من خفض الإنتاج وساعات التغذية، في محاولة لتوزيع الكميات المتبقية على أطول فترة ممكنة، ما يعني عملياً دخول لبنان مرحلة جديدة من التقنين القاسي، في وقت يتزايد فيه الطلب على الكهرباء بفعل موجة الحر، ويزداد اعتماد المواطنين على المولدات الخاصة التي تواجه بدورها ضغوطاً متصاعدة بفعل ارتفاع كلفة المحروقات.
وهكذا، يعود قطاع الكهرباء إلى نقطة الصفر، وسط أزمة وقود متجددة، وغياب أي حلول عاجلة، فيما تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت البلاد ستنجح في تجنب العتمة الشاملة، أم أن التحذيرات التي صدرت من داخل المؤسسة ستتحول إلى واقع يعيشه اللبنانيون مجدداً.
النهار
