“متروبوليس” هذه المساحة السينمائية الثقافية، التي أبصرت النور في بيروت بين حربين، حرب يوليو (تموز) 2006 والعدوان الإسرائيلي على لبنان في 2025-2026، اختارت أن تستعيد عرض “موسيقانا” (2004) لجان لوك غودار، في اختيار يبدو بالغ الدلالة في اللحظة الراهنة. فالعمل، الذي يعد من أكثر قصائد غودار البصرية انسجاماً مع واقعنا اليوم، ينبثق من تأمل فلسفي في العنف والحرب، وهي تيمات شغلت المعلم الراحل على امتداد مسيرته. وقد عرف كيف يعيد مساءلتها وصوغها بفكره الثوري المتفرد، سواء عبر حواراته أو في أفلام مرحلته الأخيرة، حيث مضى إلى تفكيك الأبجدية السينمائية المألوفة، منقلباً على قواعدها ومبتكراً لغة خاصة به لا تشبه سواها.
في مدينة لم تنقطع عنها الحروب، ولم يغادرها الدمار منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي وصولاً إلى المقتلة الأخيرة التي ارتكبتها إسرائيل، بدا شبح غودار حاضراً في بيروت، وهو الذي جعل الحرب في صلب مشروعه السينمائي هذا. غير أن “موسيقانا” لا ينشغل بالحروب كوقائع عسكرية فحسب، بل بما تخلفه من صور، وما تتركه في الذاكرة الفردية والجماعية من أسئلة.

من فيلم “موسيقانا” لغودار (ملف الفيلم)
يوزع غودار فيلمه على ثلاثة فصول: الجحيم، والمطهر، والجنة. وهو تقسيم رمزي يستعير البنية الدانتية ليربط المجازر بمسار التاريخ، محولاً السينما إلى فضاء للتأمل الفلسفي أكثر منها وسيلة للسرد التقليدي.
يفتتح الفيلم بمونتاج تتوالى فيه صور القتلى والجرحى، والدبابات، والمدن المدمرة، وقوافل النزوح، في مزيج من اللقطات الأرشيفية وأخرى صورت خصيصاً للفيلم، بالأبيض والأسود وبالألوان. الصورة تسبق الكلام. الإيقاع يفرض منطقه منذ الدقائق الأولى.
ساراييفو تشكل مركز الفيلم. المدينة الخارجة من الحرب تتحول إلى نموذج لكل مدينة محطمة. مكتبتها المحروقة تعبر عن استهداف الذاكرة، وجسر موستار يحمل آثار الانقسام. في هذا المكان يجمع غودار محمود درويش، وشخصيات من السكان الأصليين في أميركا، وصحافية إسرائيلية شابة تؤمن بالسلام. الشخصيات تتقاطع حول أسئلة الاحتلال والمنفى والذاكرة.
إطلالة محمود درويش
يطل درويش في أكثر مشهد ماثل في الذاكرة، مطلقاً تعليقه اللاذع الذي بات يتردد على نطاق واسع كلما عاد الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي إلى واجهة الأحداث. يلتفت إلى الصحافية الإسرائيلية ويسألها: “هل تعلمين لماذا نحن الفلسطينيين مشهورون؟ لأنكم أنتم اعداؤنا. إن الاهتمام بنا نابع من الاهتمام بالمسألة اليهودية. نعم، الاهتمام بك وليس بي أنا. نحن قليلو الحظ في أن تكون إسرائيل هي عدونا، لأنها تحظى بمؤيدين بلا حدود. ونحن أيضاً محظوظون لأن تكون إسرائيل عدونا، لأن اليهود هم مركز اهتمام العالم. لذلك ألحقتم بنا الهزيمة وأعطيتمونا الشهرة”.
غودار حاضر أمام الكاميرا باستمرار. يعلق، يقرأ، يكتب، يقاطع المشاهد، ويترك الأفكار تتجاور من دون تفسير. اهتمامه ينصب على العلاقات التي تقيمها الصور في ما بينها، أكثر من العلاقات بين الشخصيات. إيقاع البيانو المتقطع يرافق اللقطات كلها. يرفض غودار إعلان نهاية الحروب. يرى أن الكاميرات تغادر مع توقف المعارك، لكن آثارها تستمر في حياة الناس. المطهر عنده يبدأ بعد انتهاء القتال، حين يبقى الضحايا وحدهم مع الخراب.

فيلم بالغ الدلالة في المرحلة الراهنة (ملف الفيلم)
الفيلم ينقل النقاش من السياسة في معناها المباشر إلى اللغة السينمائية نفسها. غودار يعيد التفكير في مفهوم اللقطة واللقطة المعاكسة، مانحاً إياه بعداً تاريخياً. يستعين بصورتين متقابلتين: وصول اليهود إلى فلسطين عام 1948، ورحيل الفلسطينيين عن المكان نفسه بعد أشهر. التوازي البصري يكشف عن أن كل صورة تستدعي صورة أخرى، وأن التاريخ لا يكتمل من زاوية واحدة.
الأسطورة حاضرة في الفيلم بقدر حضور الوقائع. طروادة، هوميروس، هنيبعل، فلسطين، ساراييفو وواشنطن تنتمي إلى الخريطة نفسها. الأزمنة تتداخل، والهزائم تتكرر بأسماء مختلفة.
الشخصيات تؤكد هذا المنظور. ممثلو السكان الأصليين في أميركا يربطون مأساتهم بالحاضر. الصحافية الإسرائيلية تتحدث عن السلام، فيما يكشف الحوار عن حدود وعيها بالسردية الفلسطينية. درويش يعيد النقاش إلى جذور المأساة. كل صوت يضيف طبقة جديدة على الصوت الآخر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عندما عرض الفيلم في العاصمة اللبنانية عام 2004 ضمن مهرجان “أيام بيروت السينمائية”، تعذر حضور غودار الذي كان بدأ يفضل الابتعاد عن النقاشات العامة، فقرر المخرج اللبناني غسان سلهب التوجه إلى باريس لإنجاز لقاء مصور معه. النتيجة: فيلم وثائقي قصير عنوانه “لقاء سريع مع جان لوك غودار” (2004) أعيد عرضه ضمن احتفالية ذكرى الـ20. ارتبط اللقاء بالنقاش الذي كان خصصه المهرجان حينها، حول فلسطين والصورة واللقطة واللقطة المعاكسة، وهي الأفكار التي يستعرضها “موسيقانا”. اختيار سلهب لإجراء الحوار لم يكن مصادفة، إذ إن صاحب “أشباح بيروت” يعده أحد أبرز المخرجين الذين تركوا أثراً في تكوينه. ي
صف سلهب تجربة اللقاء بغودار بأنها من أكثر محطاته الشخصية أهمية. صورة عملاق “الموجة الجديدة” المتداولة لم تتطابق مع ما عاشه. المزاج كان حاضراً، لكن الحوار جرى بهدوء، من دون استعراض أو تعقيد متعمد. أثر غودار، بالنسبة إلى سلهب، تجاوز حدود السينما. أفلامه أسهمت في تشكيل نظرته إلى العلاقة بين الفن والعالم.
الفيلم الناتج من اللقاء لا يتجاوز 40 دقيقة. إنتاجه متواضع، ومقصده واضح: تسجيل لحظة مع أحد مؤسسي الحداثة السينمائية، أكثر من إنجاز بورتريه تقليدي. متابعة الحوار تتطلب حداً أدنى من الاطلاع على عمل غودار، إذ إن حديثه مليء بالإحالات الأدبية والفنية والمراجع التاريخية، ويعتمد التلميح أكثر من الشرح.
