عمادالدين موسى

يُعَدّ الكاتب والصحافي سمير يوسف من الأصوات السردية اللبنانية الجديدة، وقد اتجه منذ بداياته إلى بناء عوالم تتداخل فيها الدقة الصحافية مع العمق الروائي، جامعاً بين واقعية الملاحظة وثراء المخيلة. كتب بالعربية والفرنسية، مستفيداً من اتساع أفق اللغتين ليمنح نصوصه مرونة في الأسلوب وانفتاحاً على أكثر من سياق ثقافي. إلى جانب عمله في الصحافة، خاض تجربة الإخراج السينمائي عبر فيلم قصير حاز جوائز أوروبية، وهو ما انعكس في كتاباته من حيث العناية بالمشهدية والقدرة على تشييد صور بصرية نابضة بالحياة.
في عمله الروائي «غابة»، يقدّم سمير يوسف تصوّراً مُغايراً لحدود الرواية القصيرة بوصفها شكلاً قادراً على احتضان الأسئلة الكونية. إذ ينهض النصّ بوظيفة مزدوجة؛ فمن جهة يروي حكاية قرية فرنسية (ميتسا)، تواجه مشروعاً استثمارياً ضخماً يهدد ملامحها الأصلية، ومن جهة أخرى يفتح المجال أمام تأملات فلسفية تتعلّق بمصير الإنسان في عالم تحكمه هيمنة السوق وسطوة التكنولوجيا.
يأتي اختيار الكاتب لعنوان روايته بكلمة واحدة محمّلاً بكثافة رمزية تستبق الدخول إلى النص، إذ تنفتح هذه المفردة على أفق واسع من الدلالات يتجاوز حدود الطبيعة المباشرة؛ فالغابة في الذاكرة الجمعية تتجاوز كونها أشجاراً متجاورة أو مساحة خضراء، لتغدو فضاءً غامضاً يحيل إلى الأصل الأول وإلى حيّز عميق يختزن الذاكرة الإنسانية. تتحول الغابة من هذا المنظور، إلى مرآة تكشف خبايا النفس، وإلى مخزن للرغبات والشهوات، وتجسّد صورة الداخل الإنساني الذي يسعى المجتمع المعاصر إلى تطويعه وإخضاعه تحت سطوة القوانين والأنظمة.
يشبه الدخول إلى الرواية دخول الغابة نفسها، حيث تتقاطع الظلال وتتداخل الأصوات وتتشعب المسالك حتى يضيع اليقين، ومن هذا التشبيه يغدو العنوان مفتاحاً تأويلياً يوجّه القراءة منذ اللحظة الأولى، مؤكّداً أنّ النص يتجاوز حدود السرد الخارجي لينفذ إلى الداخل بحثاً عن جذور الصراع ومعانيه العميقة.
تجري أحداث الرواية في قرية فرنسية صغيرة تواجه مشروعاً استثمارياً ضخماً يهدف إلى تحويلها إلى بلدة تكنولوجية على غرار «سيليكون فالي (وادي السيليكون)». يحمل المشروع وعوداً بالتنمية وتوفير فرص العمل، غير أنّه في الوقت نفسه يضع مصير الغابة المحيطة على المحك، تلك التي تشكّل روح القرية وذاكرتها العميقة، وتجسّد الرابط الحي بين المكان وأهله.
يجد توماس، رئيس البلدية والشخصية المحورية في الرواية، نفسه عالقاً بين ضغوط المستثمرين التي تفرض إيقاعها المتسارع وبين صوته الداخلي المعلّق بالذاكرة وبشغفه العميق بالطبيعة. من هذا التمزق، يخطط لما يسميه «يوم الحساب»، فيستعد بغالونات البنزين وحزم القش لإشعال النار في الآليات والبيوت الخشبية، وكأنه يخوض حرباً يائسة ضد مشروع يراه مسعى لتدمير المعنى. تتحرك بجواره إيلينا، التي تمنحه توازناً آخر وتعيده إلى تفاصيل الحياة اليوميّة البسيطة، في حين تبقى الغابة، بحضورها الكثيف، البطل غير المرئي الذي يرسم المصائر ويوجه الأحداث.

الفطرة في مواجهة السوق

تتجاوز المواجهة في الرواية النزاع بين قرية ومشروع لتصبح صراعاً بين رؤيتين للحياة؛ يرى توماس في المشروع محاولة لتفريغ العالم من معناه وتحويل الجمال إلى سلعة، فيما يعتبره آخرون فرصة للرزق ووسيلة للانفتاح على المستقبل. ومن خلال هذا الصراع يبيّن الكاتب أن المعركة تتعدى الموقع الجغرافي؛ فهي نزاع بين الفطرة الإنسانية التي تشتاق إلى الأصل والسوق الذي يبتلع كل شيء. تمثل الفطرة هنا وعياً بالحياة وجمالها، إذ ترمز الغابة إلى الحاضنة التي تحفظ هذا الجمال، أما السوق فيقدّم وعوداً براقة ويترك فراغاً روحياً يتسلل إلى النفوس.
تتأرجح شخصية توماس بين الحلم واليأس، يسعى إلى معنى وسط عالم يتداعى، وخطته لإشعال النار بمعدات المشروع تعكس تمرّده على واقع يخنقه، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدود مقاومته وفعل يأسه.
يرسم الكاتب شخصيته عبر مونولوغات ساخرة، مثل قوله: «ألَيس من الجنون أن تقطع إيكيا شجرة كل دقيقة وأن نشتري منها؟ ثم ماذا؟ أثاث بشع؟». تتحول هذه السخرية إلى أداة تكشف عبثية السوق وتفضح تناقضاته، ويظهر توماس كصوت فردي يتحدى جداراً صلباً، كشخصية تنقل للقارئ مأزق الإنسان العادي حين يجد نفسه محاصراً بين ذاكرته وضغوط السوق، بين حنينه للأصالة وضرورات الواقع اليومي.
تقدّم إيلينا توازناً لشخصية توماس المندفعة، إذ تمثل صوت التفاصيل الصغيرة الذي يعيد الإنسان إلى أرضه الأولى؛ يتجاوز حضورها إطار الحبيبة أو الرفيقة ليكشف عن قدرة خاصة على اكتشاف الجمال في ما هو قريب وملموس. ومن بين ما تتركه لتوماس قصاصة كُتب عليها: «الجمال الحقيقي هو أن يكون المرحاض نظيفاً». تبدو جملة ساخرة، لكنها تحمل رؤية كاملة؛ فالجمال يبدأ من الاعتناء بالتفاصيل اليومية. بهذا الحضور تغني إيلينا النص ببعد إنساني يوازي عمقه الرمزي، وتجعل القارئ يدرك أن الدفاع عن الغابة يرتبط بالدفاع عن حياة كريمة في أبسط صورها.
وهكذا تغدو شخصية إيلينا تجسيداً لفكرة أنّ المقاومة تبدأ بما هو ممكن ومتوافر قبل أن تتحول إلى حلم أكبر. وفي سياق موازٍ، يورد الراوي قوله: «عشنا قروناً بجانب الغابة، كنا نذهب إليها في السلم واتهمناها ظلماً عندما شبّهنا وحشيّتنا بشريعتها.. كل تلك الشهوات والرغبات تنبع من مكان واحد: الغابة».
يختصر هذا المقطع ماهيّة النص، حيث تتجلى الغابة أصلاً للشهوات والرغبات والجمال في آن واحد، فيحوّلها الكاتب إلى استعارة للذاكرة الجمعية، مخزن عميق يحتضن جذور الإنسان وما يحاول إخفاءه.
يكتب سمير يوسف، المولود في عكار سنة 1985، بلغة مرنة تجمع بين صرامة الصحافة وإيقاع الشِعر؛ تضبط الجمل القصيرة السرد وتمنحه طابعاً مباشراً، فيما تضفي المقاطع التأملية عمقاً شِعرياً يفتح مجالاً واسعاً للتأويل. يخلق هذا التناوب إيقاعاً مركباً يعكس تعقيد موضوع الرواية نفسه. يستثمر الكاتب خبرته الصحافية في ضبط التفاصيل ورسم الأحداث بدقة، ثم يتأنّى في الوصف حين يستحضر مشهد الغابة أو صورة الأب، وكأن السرد يتنفس ببطء ليستوعب ثقل الذاكرة.
يتجلّى في الجانب الأسلوبي ميل واضح نحو تشييد صورة مركبة، حيث تنبض الجملة بطاقة شِعرية وتفيض بالحياة، فتغدو الكتابة أوسع من حكاية وأعمق من وصف: «كان الثلج يتساقط في خطوط عمودية دقيقة، كأن السماء تدقّ مسامير بيضاء في جسد الأرض».
يقدّم الكاتب هنا مشهداً ينزاح من البساطة الظاهرة إلى التوتر الرمزي؛ فالثلج الذي يبدو عنصراً طبيعياً هادئاً يتحول عبر اللغة إلى فعل عنيف، إلى عملية دقّ تربط العلو بالسفل وتحوّل البياض إلى قوة ضاغطة. هكذا تتحول الطبيعة في لغة الكاتب إلى مرآة للفكر، وتغدو التفاصيل المادية جزءاً من شبكة رمزية شاسعة.
تبدو الرواية مرسومة بمشاهد تشبه لقطات سينمائية مكثفة، حيث يبرز مشهد الحريق الذي يخطط له توماس وسط العاصفة الثلجية كذروة تتأرجح بين التراجيديا والكوميديا السوداء. حين يطلق صرخته: «أين التيكتوكيون ليصوّروا؟»، يظهر وعيه بعبثية اللحظة، وكأنه يدرك أنّ مقاومته قد تتحوّل إلى مجرد مقطع قصير يُستهلك على منصة رقمية.
تجسّد هذه المفارقة مأزق الإنسان المعاصر الذي يسعى إلى مواجهة منطق السوق بوسائل يمكن أن تتحول بسهولة إلى مادة استهلاك جديدة. حيثُ يوظف الكاتب السخرية السوداء كأداة لفهم التناقض وإبراز هشاشة الفعل المقاوم حين يتعرض لتشويه المشهد الرقمي. هكذا تتداخل المشهدية مع السخرية في صياغة نبرة مركبة تجعل القارئ يتأرجح بين ضحك مرّ وحزن عميق، وتفتح النص على قراءة مزدوجة تكشف الجانب العبثي في معركة الفرد ضد عالم يبتلع كل شيء.
يتكشف البناء الزمني في الرواية عبر تناوب متواصل بين الحاضر والماضي، حيث تتقاطع لحظة الحريق مع ذكريات الطفولة وصورة الأب، فينشأ مسار دائري يجعل الزمن أشبه بحلقة مغلقة. يطلّ الماضي باستمرار على الحاضر، ويبيّن أنّ كل فعل راهن محكوم بجذوره الأولى.
تغادر صورة الأب حدود الذكرى الشخصية لتوماس، لتتحول إلى رمز يتجاوز الفرد ليعكس الذاكرة الجمعية بكامل ثقلها. الأب، الذي حمل بندقية صيد ثم امتنع عن إطلاق النار، يجسد لحظة فارقة، إذ يظهر صياداً أحب الطيور أكثر من فعل الصيد ذاته. هذا التناقض يختصر جوهر الرواية، حيث يتواجه منطق السيطرة مع فعل التأمل، والغريزة مع الرحمة. حضور الأب يتواصل كظل يرافق الابن في لحظاته المصيرية، وكأنه الامتداد الإنساني للغابة. فالغابة تختزن الأصل، والأب يحمل الجذور، والكاتب يقدمه جسراً بين الماضي والحاضر، بين الفرد والجماعة، بين الحلم والواقع.
تتناول الرواية القضية البيئية من زاوية وجودية تتجاوز الأبعاد التقنية أو التشريعية. فحين يدافع توماس عن الغابة، يتصل دفاعه مباشرة بإمكانية استمرار المعنى في حياة الإنسان. يرمز المشروع الاستثماري إلى عالم يتنازل عن روحه في سبيل الربح، بينما تمثل الغابة جوهر الوجود وشرط بقائه. ومن خلال هذا التوتر يضع النصّ القارئ أمام سؤال ملحّ: ماذا نخسر حين نفقد الطبيعة؟ والإجابة تأتي ضمنياً بأن الخسارة تمس الذات نفسها. بهذا تتحول البيئة من موضوع خارجي إلى استعارة وجودية تمسّ الإنسان في صميمه.

قوّة النوفيلا وتكثيفها

يمنح اختيار الكاتب لصيغة «النوفيلا» السرد قوة مضاعفة، إذ يفرض الحجم القصير تكثيفاً يجعل كل مشهد مشبعاً بالرمز والدلالة. ويجد القارئ نفسه منذ الصفحات الأولى في قلب الصراع، بعيداً عن الاستطرادات الطويلة، وكأن الرواية قصيدة ممتدة تتوزع كلماتها بعناية. ويمنح هذا الاقتصاد السردي النص مزيداً من العمق، حيث يوجّه الانتباه نحو جوهر التجربة وأسئلتها الأساسية.
ويثبت الكاتب أن «النوفيلا» تمتلك قدرة خاصة على احتضان الأسئلة الكبرى ضمن لغة مكثفة، فهي نص يشبه اختراق الغابة نفسها؛ مسافة قصيرة، وظلال كثيفة، وتفاصيل غنية تتكشف تدريجياً أمام القارئ.
تجمع الرواية بين السخرية والتأمل الفلسفي، لتطرح أسئلة عن علاقة الإنسان بالطبيعة والحداثة؛ فتجسد شخصية توماس مأزق الفرد داخل زمن السوق، وتعيد إيلينا الاعتبار إلى قيمة التفاصيل اليومية، بينما تختزل الغابة معنى أوسع بوصفها استعارة للذاكرة والفطرة والجذور الأولى للإنسان.
ويكتب سمير يوسف بلغة «هجينة»، كما يشير في مقدمته، لغة تجعل النص معاصراً ومنفتحاً على الحوار مع الفكر والفن العالميين، فتحوّل «النوفيلا» إلى مختبر للأفكار الكبرى وتجربة جمالية تضع الأدب في مواجهة أسئلة العصر وتحولاته.

سمير يوسف: «غابة»
دار نوفل/ هاشيت أنطوان، بيروت 2025
156 صفحة