بعد نحو خمس سنوات من نهاية فيلم “Spider-Man: No Way Home”، يعود توم هولاند إلى شخصية بيتر باركر في فيلم “Spider-Man: Brand New Day”، وهو عمل لم يُقدَّم باعتباره مجرد جزء جديد من السلسلة، بل محاولة لإعادة بناء واحدة من أكثر الشخصيات شعبية في عالم الأبطال الخارقين، في وقت تواجه فيه أفلام “مارفل” تحديا متزايدا يتمثل في تراجع الحماس الجماهيري وارتفاع سقف التوقعات، لذلك لم يكن مستغربا أن يتحول الفيلم إلى محور نقاش واسع بين النقاد، الذين انقسموا بصورة واضحة بين من رأى فيه عودة ناجحة إلى جوهر الشخصية، ومن اعتبره دليلا جديدا على الأزمة التي يعيشها هذا النوع السينمائي.
وتبدأ أحداث الفيلم من النقطة التي انتهى عندها “No Way Home”، بعدما فقد العالم بأكمله ذاكرته تجاه بيتر باركر، فأصبح يعيش وحيدا من دون أصدقاء أو عائلة أو حبيبة تتذكر وجوده، وهو تحول درامي دفع صناع العمل إلى التخلي عن رهان الأكوان المتعددة والعودة إلى قصة أكثر قربا من الإنسان، حيث يصبح الصراع النفسي هو المحرك الأساسي للأحداث، بينما تتراجع فكرة إنقاذ العالم إلى المرتبة الثانية.
هذه المقاربة لم تحظ بإجماع النقاد، إذ اعتبرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الفيلم ابتعد كثيرا عن الروح التي صنعت نجاح أفلام توم هولاند السابقة، فبعد أن كانت السلسلة تمزج بين الكوميديا والمغامرة والإيقاع السريع، أصبح بيتر باركر شخصية غارقة في العزلة والقلق، بينما يفتقد السيناريو إلى الحيوية التي ميزت الأجزاء الأولى.
ويرى كاتب الصحيفة كايل سميث أن الفيلم يراكم الحوارات النفسية والشروحات المطولة على حساب تطور الأحداث، كما يعتمد بصورة مفرطة على ظهور شخصيات معروفة من عالم “مارفل” من أجل إثارة حماس الجمهور، أكثر من توظيفها لخدمة الحبكة الرئيسية.
ويمتد هذا النقد إلى الإخراج، إذ ترى الصحيفة أن المخرج ديستن دانيال كريتون لم ينجح في منح مشاهد الحركة القوة التي تتطلبها شخصية مثل سبايدرمان، كما أن المعارك تبدو، بحسب الصحيفة، منفصلة عن السياق الدرامي، وهو ما يقلل من تأثيرها، أما أداء توم هولاند فقد اعتبرته الصحيفة أقل عفوية من السابق، إذ يحاول الممثل تقديم شخصية أكثر نضجا وعمقا، لكنه يفقد في المقابل جزءا من الجاذبية التي جعلت الجمهور يرتبط ببيتر باركر في بدايات السلسلة.
في المقابل، قدمت “واشنطن بوست” قراءة مغايرة تماما، معتبرة أن الفيلم يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لأنه يعيد سبايدرمان إلى حجمه الطبيعي، بعيدا عن المعارك الكونية والأحداث التي كانت تهدد مصير الكون بأسره، وترى الصحيفة أن قوة الفيلم تكمن في تركيزه على الإنسان داخل البطل الخارق، حيث يخوض بيتر باركر معركة لاستعادة حياته وعلاقاته الإنسانية، أكثر من انشغاله بمواجهة خصم جديد.
وتعتبر الصحيفة أن هذا التحول يمنح الشخصية عمقا أكبر، لأن الجمهور يتابع بطلا يحاول التكيف مع الوحدة وإعادة بناء حياته من الصفر، وهو ما يجعل القصة أكثر قربا من المشاهد، كما أشادت بالعلاقة التي تجمع توم هولاند وزندايا، معتبرة أن المشاهد المشتركة بينهما تحمل بعدا عاطفيا مؤثرا، لأن المشاهد وحده يعرف تاريخ العلاقة، بينما تعيش “إم جي” الأحداث كأنها تلتقي بيتر للمرة الأولى.
كما خصت “واشنطن بوست” شخصية “بانيشر”، التي يؤديها جون بيرنثال، بإشادة خاصة، معتبرة أنها واحدة من أهم إضافات الفيلم، بفضل الانسجام الذي يجمعها بسبايدرمان، سواء في الحوارات أو في مشاهد القتال، كما رأت أن المواجهات مع جماعة “ذا هاند” تعد من أفضل مشاهد الحركة التي قدمتها “مارفل” في السنوات الأخيرة، لأنها تعتمد على تصميم قتالي أكثر ابتكارا من المعتاد.
أما “نيويورك تايمز” فاختارت زاوية مختلفة، إذ لم تركز على تقييم جودة الفيلم بقدر ما اهتمت بالسياق الذي أنتج فيه، معتبرة أن Brand New Day يمثل محاولة من “مارفل” و”سوني” لمراجعة المسار الذي سلكته أفلام الأبطال الخارقين خلال العقد الأخير، بعدما أصبحت تعتمد بصورة شبه كاملة على الأكوان المتعددة، والشخصيات المتقاطعة، والمؤثرات الضخمة، وهي وصفة بدأت تفقد بريقها لدى الجمهور.
وتنقل الصحيفة عن المخرج ديستن دانيال كريتون أنه وافق على إخراج الفيلم فقط بعد أن حصل على ضمانات بأن المشروع لن يكون مجرد عمل أكبر حجما، وإنما قصة أكثر إنسانية، تعيد سبايدرمان إلى شوارع نيويورك، وإلى تفاصيل حياته اليومية، وهو ما يفسر تقليص مساحة الأحداث الكونية، والتركيز على الوحدة، والهوية، والعلاقات الإنسانية.
وترى “نيويورك تايمز” أن هذا التوجه يعكس تحولا أوسع داخل هوليوود، بعدما أظهرت السنوات الأخيرة أن الجمهور لم يعد ينجذب تلقائيا إلى أفلام الأبطال الخارقين، وأن النجاح أصبح يرتبط بقدرة الفيلم على تقديم شخصيات يمكن التعاطف معها، أكثر من ارتباطه بحجم المؤثرات البصرية أو عدد الشخصيات المشاركة.
وفي السياق نفسه، نقلت الصحيفة عن توم هولاند قوله إنه تابع خلال مرحلة التحضير للفيلم نقاشات الجمهور عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولاحظ أن كثيرا من المشاهدين لم يعودوا يرغبون في مشاهدة سبايدرمان وهو ينقذ العالم مرة جديدة، وإنما يريدون رؤية بيتر باركر وهو يحاول إنقاذ نفسه، وهو ما شكل أحد المرتكزات الأساسية التي قام عليها الفيلم.
ويأتي هذا النقاش في وقت تواجه فيه أفلام الأبطال الخارقين مرحلة إعادة تقييم، بعدما تراجعت نتائج عدد من الإنتاجات الكبرى في شباك التذاكر، مقابل نجاح أعمال اعتمدت على قصص أكثر بساطة وإنسانية، لذلك يرى عدد من المراقبين أن “Brand New Day” لا يمثل مجرد فصل جديد في سلسلة سبايدرمان، وإنما تجربة قد تحدد الاتجاه الذي ستسلكه “مارفل” خلال السنوات المقبلة.
ورغم الاختلاف الواضح بين الصحف الأمريكية، فإنها تتفق على نقطة أساسية، وهي أن الفيلم يشكل محطة مفصلية في مسار الشخصية، لأنه يحاول إعادة تعريف بيتر باركر بعد أن فقد كل ما كان يمنحه هويته، من أصدقائه إلى حبيبته وحتى اسمه داخل ذاكرة العالم، وهو ما يجعل نجاح الفيلم أو إخفاقه مرتبطا بقدرته على إقناع الجمهور بهذه المرحلة الجديدة.
ويبدو أن “Spider-Man: Brand New Day” يعكس التحول الذي تعيشه سينما الأبطال الخارقين بأكملها، فبعد سنوات من الرهان على الإبهار البصري والتوسع المستمر في العوالم الخيالية، بدأت الاستوديوهات تعود إلى الأسئلة الأولى التي صنعت نجاح هذه الشخصيات، وهي الهوية، والمسؤولية، والعلاقات الإنسانية، لذلك قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو ما إذا كان سبايدرمان قادرا على إنقاذ العالم، وإنما ما إذا كانت “مارفل” قادرة على إنقاذ واحد من أهم أبطالها، وإقناع الجمهور بأن قصته ما زالت تستحق أن تروى.
