في رواية “اسمي فوزي وعُمري أربعة عشر عاماً” (دار الجمل، بيروت – كولونيا، 2026) للروائي اللبناني فوزي ذبيان، نُصادف اسم نبيل، كان ذلك قبل أيام من وفاته. أمُّه تقول: “سلّمتك لله يا بني”، من هنا تبدأ الرواية، لكننا لن نتيقّن من ذلك قبل فصول أُخرى. تتّصل الرواية بموت الأخ الأكبر، أو أنها تغدو أكثر فأكثر حول رحيله. نبيل مُقبل على الموت، ذلك ما نعود إليه مرّة بعد مرّة، لكننا خلال ذلك نُتابع حياة فوزي الراوية.
نقرأ نوافل تتداعى من كلّ مكان، سيارة الماتش بوكس، عدُّ الأب لأعقاب السجائر عبر بسطها على الرصيف وقيامه بتحريك إصبعه الوسطى في وجوه من يكلّمهم وخوفه هو من السؤال: “هل عقلُ أبي مجنون”، ومن الصفعة التي لا بدّ أن يتلقّاها لو سأل، وبكاؤه كلّما عاد إلى ذكرى نبيل بعد موته، وما يستتبع ذلك من رؤية الأشباح أو الكلام عنها، هناك الرجل الذي يزعم أنه عاين ذلك وأنه سمع الكلب يتكلّم.
إنها تداعيات فوزي الابن الراوية، لكننا ونحن نقرأها لا نستطيع أن نفصلها عن موت نبيل. إنها حياة حقيقية، وهي الحياة كما يسردُها فوزي وكما عاشها، لكننا مع ذلك نشعر أنها خرجت بعد وفاة نبيل وحولها، إنها الحياة المشوبة بفراق نبيل، الحياة التي تتظلّل بغيابه، والتي تكاد تكون مرئية بعينيه. إنها حياةٌ رغم تواصلها على وشَك الانقطاع، بل هي أحياناً بُعيد الانقطاع. فوزي لا يزال يعيشها، لكنه يفعل ذلك بديلاً من نبيل، بل وفي ظلّ غيابه. إنها الحياة التي تستحقّ هذا الاسم فيما كان نبيل موجوداً، أو لا تزال هي، على نحو ما، تمتّ إليه.
الحياة قبل رحيل نبيل ليست لفوزي وحده، هناك آخرون، الأب الأمّ وصديق الأب صاحب الجنّ، وصاحب المكتبة. هؤلاء يستعيدهم فوزي بعد رحيل نبيل، لكن غيابه يدمغ صورهم. ليس لنبيل علاقة في تحريك الأب لإصبع يده الأوسط في وجه من يكلّمهم، ولا في قيامه بجمع الأعقاب عن الرصيف وعدّها. لكننا، مع ذلك، لا نزال نفهم أن هذا هو الأب في حياة نبيل، ولن يكون هو نفسه بعدها. لا يصل فوزي بين خرَف والده وانكفائه بعد رحيل نبيل، لكنه لا يحتاج إلى ذلك، إذ يكفي أن ذلك داهمه ليكون صورة للزلزال الذي اجتاحه لهذا السبب.
بعد موت نبيل لا يبقى الأب نفسه، وما يحدث له من هذيان مصداق ذلك بدون أن يقوله فوزي. كما أن الأم، التي ليست لها غرابة الأب أو شذوذه، لا تخرج عن طورها كما يحدث للأب، لكن الابن مع ذلك يكتفي بوصفها وهي تسير فجراً إلى الكنيسة، لتفي بنذر عقَدته ليشفق الربّ على نبيل ويشفيه. لكنه مع ذلك في سياق آخر “ورحت أتخاطف النظرات بين وجه أُمّي التي تحيك الصوف… ووجه أمّ الربّ”. إنه وهو يخلط بين أمّه وأمّ الربّ، يخلط بين نفسه والمسيح، يشعر أن المسيح يهمس له “أنا ايضاً اسمي فوزي وعمري أربعة عشر عاماً”.
سيرة ذات شخصيات ووقائع حقيقية لكنّنا لا نقرأها كتاريخ
من العنوان الذي يحوي اسم الكاتب، ننتبه إلى أن الرواية، عن قصد، وباعتراف واضح، سيرة. ليست المرّة الأولى التي يستمدّ فوزي فيها من حياته الخاصة، لكنه الآن يُصرّح بذلك من الكلمة الأولى. إنها سيرة وشخصياتها ووقائعها حقيقية. لا نشكّ في أن الكاتب استقى الرواية من حياته الأُسرية، لكنّنا مع ذلك لا نقرأها كتاريخ. لا يهمُّنا من أين جاءت الأحداث والشخصيات، لكن الرواية لا تخفي أنها سيرة، تريد أن تكسب من ذلك مصداقية أكيدة.
بل نحن الذين، لم نشكّ، في أن نبيل وحياته القصيرة حقيقيّان، لا نجد أن ذلك يقلّل من روائيتهما، بل إن حقيقتهما تستمد منها. أو أن فنّ فوزي ذبيان هو تماماً تلك الصنعة المبنيّة على واقع، جرى بالتأكيد نظمه والبناء عليه، جرت إعادته وتأليفه بطموح، بل وبمقدرة وفنّ روائيَّين. معهما لا يعود فيهما من سيرة طاغية، وإن بقي دقيقاً ومرهفاً وحقيقياً بهذا المعنى، إلى الدرجة التي تبدو فيها الحقيقة فنّاً، قوّتها في حقيقيتها التي لا تنفصل عن روائيّتها. نحن الذين علمنا من العنوان أننا أمام سيرة، ولم نغفل عن ذلك أثناء القراءة كلّها، كنّا في وقت واحد نرى الحقيقة والفنّ معاً، وفي ذات المستوى، بل ونشعر أن قوة الرواية هي أيضاً من حقيقيتها. يُمكننا مع ذلك، وبالدرجة نفسها، القول إن السيرة كان لها أن تضيف إلى الرواية، بل وأن تنبني فيها ومنها، أن تُنظِّم من أجزائها وتفاصيلها، ما يُمكن أن يكون فنّاً بارزاً.
