بالتوازي مع استمرار الحديث عن معركة مرتفعات علي الطاهر، كشف الجيش الإسرائيلي عن مناورة واسعة تنفذها كتيبة الاستطلاع القتالي 595 التابعة للقيادة الشمالية، بمشاركة طواقم تنتشر مهماتها من الحدود مع لبنان وصولاً إلى منطقة الفصل مع سوريا. وتأتي المناورة في وقت تتحدث فيه وسائل إعلام إسرائيلية عن تريث الجيش في حسم معركة علي الطاهر، تفادياً لخسائر إسرائيلية كبيرة ولتداعيات قد تقود إلى مواجهة جديدة مع إيران.

وكان الجيش الإسرائيلي قد كشف، في 24 آب، تفاصيل التدريب الذي يجمع للمرة الأولى منذ سنوات مختلف طواقم الكتيبة في مناورة واحدة، وشمل الانتقال من سيناريو دفاعي يحاكي محاولة تسلل إلى إسرائيل إلى مهام هجومية في “عمق الأراضي اللبنانية”، إلى جانب جمع المعلومات الاستخبارية وتوجيه النيران واستخدام المدفعية وقذائف الهاون وإقامة مواقع مراقبة مخفية.

 

مناورة من الحدود اللبنانية إلى سوريا

بحسب الجيش الإسرائيلي، جرى استدعاء طواقم الكتيبة بصورة مفاجئة، قبل توزيعها على امتداد الجبهة الشمالية. وبدأ السيناريو بمحاولة تسلل إلى الأراضي الإسرائيلية، حيث كان على القوات تحديد موقع “العدو” ونقل المعلومات عنه وتوجيه النيران نحوه، قبل أن تنتقل المناورة إلى مرحلة هجومية.

وخلال المرحلة الثانية، تدربت الطواقم على التحرك عشرات الكيلومترات وتنفيذ مهمات استطلاع ومراقبة في العمق، وإقامة مواقع مموهة واستخدام وسائل لجمع المعلومات وتوجيه النيران من دون كشف مواقعها. وأشار الجيش الإسرائيلي إلى أن هذه هي المرة الأولى منذ سنوات التي تجتمع فيها طواقم الكتيبة في تدريب بهذا الحجم، بعدما عملت خلال السنوات الماضية بصورة موزعة بين جبهات لبنان وسوريا وغزة.

ولا تزال المناورة متواصلة، وفق المعطيات المعلنة، فيما تواصل القوات تنفيذ مراحلها المختلفة على امتداد الجبهة الشمالية. ويكتسب استمرارها أهمية إضافية لجهة توقيته، في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية داخل لبنان، ولا سيما المواجهة في مرتفعات علي الطاهر، التي تصفها إسرائيل بأنها واحدة من أكثر العقد العسكرية حساسية في المرحلة الحالية.

 

“يديعوت”: إسرائيل لا تتعجل الحسم

وفي هذا السياق، أفادت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، في تقرير لمحللها العسكري رون بن يشاي، بأن الجيش الإسرائيلي قادر على حسم المعركة في مرتفعات علي الطاهر، لكنه لا يتعجل القيام بذلك، في ظل مخاوف من أن يؤدي مقتل أعداد كبيرة من عناصر “حزب الله” وضباط في الحرس الثوري الإيراني المحاصرين داخل المجمعات تحت الأرض إلى دفع طهران نحو الرد وإشعال مواجهة إقليمية جديدة. وكان بن يشاي نشر تحليله في 23 آب تحت عنوان يفيد بأن الجيش يستطيع حسم المعركة، لكنه لا يسارع إلى ذلك.

وبحسب التقرير، تفضل إسرائيل في المرحلة الحالية اعتماد سياسة “الحصار والصبر” بدلاً من اقتحام شبكة الأنفاق بالقوة، بالتوازي مع مفاوضات سرية تجري خلف الكواليس في محاولة للتوصل إلى مخرج ينهي المعركة من دون التسبب بتصعيد واسع.

ويرى بن يشاي أن الطريقة التي ستنتهي بها معركة مرتفعات علي الطاهر، وخصوصاً ما يجري تحت الأرض، ستكون لها انعكاسات تتجاوز الميدان، وقد تؤثر على مسار الحرب وعلى فرص التوصل إلى اتفاق يتعلق بسلاح “حزب الله”. ولهذا السبب، بحسب التقرير، تلتزم الأطراف المعنية قدراً كبيراً من التكتم حيال العمليات العسكرية والمفاوضات السياسية الجارية.

 

عشرات المحاصرين تحت الأرض

وتشير التقديرات التي أوردتها “يديعوت” إلى وجود ما بين 20 و40 عنصراً من “حزب الله” داخل المجمع تحت الأرض، إلى جانب عشرات من ضباط الحرس الثوري الإيراني، بعدما تمكن آخرون من مغادرة المنطقة قبل إحكام الحصار الإسرائيلي عليها.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، تتمتع مرتفعات علي الطاهر بأهمية استراتيجية، إذ تقع في قلب ما يسميه “حزب الله” “منطقة عمليات بدر” الممتدة بين نهري الليطاني والزهراني، وتشرف على هضبة النبطية وعدد من الطرق الأساسية. وتقول الصحيفة إن الحزب أقام في المنطقة مقرات قيادة ومنشآت تحت الأرض ومنظومات نارية، مستفيداً من موقع المرتفعات الذي يسمح بالمراقبة والسيطرة على محاور الحركة.

وتضيف أن الجيش الإسرائيلي دفع بوحدات من الفرقة 36 للسيطرة على محيط المنطقة مستفيداً من معلومات استخباراتية عن المجمعات تحت الأرض، فيما وصلت قوات إسرائيلية إلى عدد من مداخل الأنفاق وفرضت حصاراً عليها.

وبحسب بن يشاي، حاول “حزب الله” مراراً اختراق الطوق وإيصال الإمدادات والتعزيزات إلى المحاصرين، سواء عبر تحركات من القرى المحيطة أو بواسطة المسيّرات. وأورد التقرير أن المواجهات أسفرت، وفق الرواية الإسرائيلية، عن مقتل خمسة جنود وضباط وإصابة 21 آخرين، مقابل مقتل أكثر من 20 عنصراً من الحزب.

 

العامل الإيراني يؤخر الاقتحام

ويرى التقرير أن وجود ضباط إيرانيين داخل الأنفاق يشكل أحد الأسباب الأساسية وراء التريث الإسرائيلي. فالجيش، بحسب بن يشاي، يمتلك وسائل وأساليب سبق أن استخدمها في غزة ولبنان لمهاجمة الأنفاق وتعطيلها، إلا أن استخدام هذه الوسائل بصورة واسعة قد يؤدي إلى سقوط عدد كبير من عناصر الحرس الثوري.

وتخشى إسرائيل، وفق التحليل، أن يضع سقوط عشرات الإيرانيين طهران أمام ضغط للرد المباشر، عبر إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه إسرائيل، بما سيستدعي رداً إسرائيلياً داخل إيران ويفتح الباب أمام جولة جديدة قد تمتد تداعياتها إلى الخليج والقواعد الأميركية في المنطقة.

كما يربط بن يشاي هذا التريث برغبة الولايات المتحدة في منع تصعيد إقليمي جديد، وبحسابات إسرائيل الداخلية، فضلاً عن عدم رغبة الجيش في خوض مواجهة طويلة ومكلفة داخل شبكة أنفاق معقدة يعرفها عناصر “حزب الله” جيداً.

ويشبّه التقرير الوضع بما واجهه الجيش الإسرائيلي في مجمعات أنفاق في رفح، حيث اعتمد سياسة الحصار والانتظار لفترة طويلة بدلاً من الاندفاع إلى مواجهة داخل الأنفاق.

 

تفاوض سري على مخرج لعلي الطاهر

وفي موازاة المواجهة العسكرية، تحدثت “يديعوت” عن اتصالات دبلوماسية سرية تهدف إلى إيجاد مخرج لمعركة علي الطاهر، مشيرة إلى أن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية تشكل الساحة الأساسية لهذه الاتصالات.

وبحسب الطرح الذي أورده التقرير، يقوم أحد السيناريوهات على انسحاب القوات الإسرائيلية و”حزب الله” من المرتفعات، ودخول الجيش اللبناني إليها لتولي السيطرة عليها، وجمع الأسلحة الموجودة فيها، واتخاذ إجراءات لإغلاق الأنفاق وتجريد المنطقة من السلاح فوق الأرض وتحتها.

لكن العقدة، وفق الصحيفة، تكمن في آلية الانسحاب. إذ تتوقع إسرائيل أن يرفض “حزب الله” تسليم أسلحته قبل خروج القوات الإسرائيلية، وأن يطالب بانسحاب متزامن يسمح لعناصره بمغادرة المنطقة وهم يحملون أسلحتهم.

وتشير “يديعوت” إلى أن المفاوضات وصلت في الوقت الراهن إلى طريق مسدود، لكن الاتصالات مستمرة في محاولة لمنع تحول المعركة إلى شرارة لمواجهة إسرائيلية – إيرانية جديدة.

وعليه، تأتي المناورة الإسرائيلية الواسعة والمستمرة على الجبهة الشمالية في توقيت لافت. فالجيش الذي يقول إنه لا يتعجل اقتحام المجمعات تحت الأرض في علي الطاهر، يواصل في المقابل التدرب على الانتقال السريع من الدفاع إلى الهجوم، والعمل الاستخباري وتوجيه النيران والتحرك في العمق على جبهة تمتد من لبنان إلى سوريا.

وبين رفع الجهوزية العسكرية واستمرار الحصار في علي الطاهر، يبدو أن إسرائيل تحافظ على خيار الضغط العسكري.