أسامة ختلان
عانت شعوب عدة من وطأة أنظمة دكتاتورية، من بينها النظام العسكري الأرجنتيني (1976–1983) ونظام صدام حسين في العراق (1979–2003). وتتناول الدراسة هذين النظامين بوصفهما نموذجين بارزين للعنف السلطوي المنظم في النصف الثاني من القرن العشرين. وتبحث في أوجه تشابه آليات القمع واختلافها، وتأثير السياقين السياسي والاجتماعي في طبيعة العنف. كما تتناول طرق توثيق الانتهاكات، وإمكانات محاسبة المسؤولين، وسبل حفظ ذاكرة الضحايا. ولا تفترض المقارنة تطابق التجربتين، بل توازن بين أوجه التشابه البنيوية، والاختلافات التاريخية، والسياسية، والاجتماعية. وبذلك تسعى إلى فهم خصوصية كل تجربة ومسارها في القمع، والتوثيق، والعدالة، والذاكرة.
يختتم ماركو بيتشيس مسابقة مهرجان البندقية الثالثة والثمانين بفيلم «العودة إلى بوينس آيرس»، عائداً إلى الأرجنتين في زمن الديكتاتورية العسكرية، وإلى واحدة من أكثر الصفحات ظلمة في تاريخها الحديث. غير أن الفيلم لا يتعامل مع الماضي بوصفه مادة تاريخية مغلقة، وإنما باعتباره زمناً ما زال يعيش داخل الناجين، وفي الأمكنة، وفي الأجساد التي لم تتمكن من التحرر الكامل من آثار التعذيب والخوف والصمت. يختار بيتشيس عام 2008، وهو العام الذي استؤنفت فيه محاكمات جرائم الديكتاتورية بعد إلغاء القوانين التي وفرت الحماية للجناة، ليبني من خلاله مواجهة مع الذاكرة. بطل الفيلم طبيب يعيش في تورينو، ولم يعد إلى الأرجنتين منذ ثلاثين عاماً. تستدعيه السلطات للإدلاء بشهادته، لأنه كان محتجزاً في «مرآب أوليمبو»، أحد مراكز الاعتقال والتعذيب السرية، وبإمكان شهادته أن تساعد في الوصول إلى المسؤولين عن الجرائم.
ينجح المخرج بيتشيس في تحويل الماضي إلى حضور مستمر يضغط على الشخصيات ويؤثر في اختياراتها. فالأحداث السابقة لا تظهر بوصفها ذكريات منتهية، بل كقوة نفسية تعيد تشكيل الحاضر باستمرار. ومع ذلك، لا يطوّر الفيلم بالقدر نفسه الصلة بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية. فالإشارات إلى المجتمع الأرجنتيني وإلى استمرار حضور بعض رجال النظام تظل محدودة التأثير درامياً. إذ تبدو أحياناً جزءاً من الخلفية السياسية أكثر من كونها عنصراً فاعلاً في تصعيد الصراع. وهذا يضعف اتساع التجربة من مأساة شخصية إلى قضية جماعية تتعلق بمسؤولية الذاكرة. لذلك ينجح الفيلم في استحضار الماضي، لكنه لا يستثمر بالكامل إمكاناته السياسية والدرامية داخل الحاضر. لكن العودة الجغرافية سرعان ما تتحول إلى عودة داخلية أكثر قسوة. فبوينس آيرس التي يجدها الطبيب ليست المدينة التي غادرها، والماضي الذي حاول دفنه يعود إليه عبر الوجوه والأماكن والذكريات. يصبح الشارع نفسه مساحة لاستعادة ما حدث، فيما تتحول أماكن التعذيب التي صارت متاحف للذاكرة إلى شواهد مادية على تاريخ حاول المجتمع طويلاً أن يتجاوزه.
يعتمد الفيلم على الحالة النفسية للبطل واستعادة الماضي، وينسجم ذلك مع طبيعته التأملية، لكنه يدفع ثمناً درامياً واضحاً بسبب إضعاف الصراع الخارجي. فالمحاكمة وملاحقة المسؤولين لا تحظيان بمساحة كافية لتشكيل رهانات فعلية أو عواقب متصاعدة، وتبدوان أقرب إلى خلفية سردية منهما إلى قوة تدفع الأحداث. ونتيجة لذلك، لا يتطور الصراع الداخلي عبر مواجهات وضغوط جديدة، بل يدور في كثير من الأحيان داخل الدائرة النفسية نفسها، فيتحول التأمل من وسيلة لتعميق الشخصية إلى بديل عن الفعل الدرامي.
هذا الضعف في الصراع الخارجي ينعكس مباشرة على إيقاع الفيلم؛ إذ لا تنشأ أزمات متتابعة تفرض على البطل اتخاذ قرارات أو تغيير مواقفه، فتتراجع حدة التوتر ويصبح التطور الدرامي أبطأ وأقل تأثيراً. كما يبدو المسار الدرامي تابعاً للتأمل، بدلاً من أن يقوده أو يختبره، فتفقد الذكريات جزءاً من قوتها لأنها لا تصطدم بما يكفي مع حاضر متحرك ومهدد. وكان توسيع مسار المحاكمة وملاحقة المسؤولين سيمنح الفيلم تصعيداً ملموساً، ويحوّل الصراع من حالة داخلية مغلقة إلى مواجهة تتطور أمام المشاهد. بذلك كان يمكن تحقيق توازن أكثر فاعلية بين الانغماس في ذاكرة البطل وبناء دراما خارجية قادرة على دفعه إلى الأمام، لا الاكتفاء بإعادة تدوير أزمته النفسية.
يضع بيتشيس شخصية الطبيب أمام سؤال أخلاقي معقد: كيف يمكن للناجي أن يعيش بعد تجربة سُلبت فيها إنسانيته؟ وهل يستطيع الإنسان أن ينسى ما لا يمكن نسيانه؟ هنا لا يبحث الفيلم عن بطل تقليدي، ولا يمنح الشخصية خلاصاً سهلاً. فالناجون يحملون درجات مختلفة من الخوف والشعور بالذنب، وبعضهم يفضل الصمت لأن الكلام يعني استعادة الألم، وربما مواجهة أشخاص ما زالوا يعيشون بينهم. كما ان الفيلم لا يمثل البطء في حد ذاته عيباً، خصوصاً في فيلم يتناول الصدمة والذاكرة وآثار العنف. فالإيقاع الهادئ يمكن أن يمنح الشخصيات مساحة لاستعادة تجربة يصعب التعبير عنها مباشرة. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول هذا البطء من أداة للتأمل إلى تكرار للحالة النفسية نفسها. في بعض المقاطع، لا يتطور الصراع الداخلي بقدر ما يعاد إنتاج الإحساس بالخوف والذنب والصمت. وهنا يفقد الزمن السينمائي قدرته على بناء التوتر أو دفع الشخصية نحو مواجهة جديدة. فالتأمل يحتاج إلى تحولات داخلية، حتى لو كانت دقيقة وغير معلنة، بينما يؤدي التكرار إلى ترهل السرد.
وبذلك يصبح بعض البطء في الفيلم عبئاً على البناء الدرامي بدلاً من أن يكون جزءاً من لغته التأملية. يتجسد هذا الصراع بصورة خاصة في أداء أدريانو جيانيني، الذي يجعل الجسد نفسه أداة للسرد. جسده المتوتر والمنغلق والمنحني يوحي بشخص يحاول حماية نفسه من ذاكرة لا يستطيع السيطرة عليها. إن بيتشيس لا يشرح الصدمة بقدر ما يجعلها مرئية في الحركة والصمت والنظرات. وحين تدخل وجوه الماضي إلى الحاضر بصورة مفاجئة، يصبح المشهد السينمائي أقرب إلى الذاكرة نفسها: متقطعاً، غير مستقر، ومحملاً بما لم يُقل. ومن هنا تأتي أهمية اختيار الخيال. فبيتشيس لا يعيد إنتاج التاريخ بطريقة وثائقية، بل يستخدم السينما الروائية للوصول إلى منطقة قد تعجز الوثيقة وحدها عن بلوغها: التجربة النفسية للناجي. لذلك تتداخل المحاكمة مع الذاكرة، والحاضر مع الماضي، والمكان الواقعي مع الأشباح التي يحملها الأشخاص في داخلهم.
مع ذلك، تكمن قوة الفيلم «العودة إلى بوينس آيرس» في رفضه تحويل المأساة إلى خطاب مباشر أو إلى إدانة جاهزة. إنه فيلم عن المسؤولية، وعن حق الضحية في استعادة صوتها، وعن ضرورة مواجهة الماضي من دون تحميل الناجي ذنب ما ارتكبه الجلاد. وعندما ينهار جدار الصمت، لا يصبح الماضي أقل قسوة، لكنه يفقد قدرته على التحكم الكامل في الحاضر. بهذا المعنى، تصبح العودة إلى بوينس آيرس عودة إلى الذات أيضاً؛ إلى إنسان يحاول أن يتعرف إلى نفسه بعد أن سرقت منه الديكتاتورية جزءاً من حياته. وبين الأشباح والذاكرة والمحاكمة، يواصل بيتشيس البحث عن السينما القادرة على تحويل الألم إلى وعي، والذكرى إلى مسؤولية، والصمت إلى صوت.
وسوم
AE
blackpink
BLΛƆKPIИK
cdrama
celebrities
Celebs
chinese drama
EG
Egypt
Entertainment
International News
iQIYI
k-pop
K-pop news
Kpop
kpop news
Lebanon
news
Romance
SA
Saudi Arabia
Turkish Celebrities
Turkish Celebs
Turkish Female Celebrities
United Arab Emirates
WeTV
YOUKU
YOUKU Arabic
YoYo
أخبار دوليّة
الإمارات العربية المتحدة
السعودية
المسلسل الصيني
ترفيه
رومانسي
مسلسل
مسلسلات صينية مترجمة
مسلسل جديد
مسلسل رومانسي
مسلسل صيني
مسلسل صيني رومانسي
مسلسل صيني مترجم
مصر
يويو
블랙핑크
