بعد نحو 28 عاما من ظهور سالي وجيلي أوينز للمرة الأولى، تعود ساندرا بولوك ونيكول كيدمان إلى عالم “السحر العملي” (Practical Magic) في جزء ثان.
العودة لا تقتصر هذه المرة على قصة ساحرتين شقيقتين، وإنما إلى عائلة كاملة انتقلت لعنتها من جيل إلى آخر.
قصص مقترحة list of 2 itemsend of list
الفيلم الذي أخرجته سوزان بير يأتي في لحظة هوليوودية مزدحمة بالأجزاء المتأخرة من أفلام التسعينيات، حيث تستعيد الاستوديوهات شخصيات قديمة أمام جمهور عرفها للمرة الأولى قبل عقود، وتراهن في الوقت نفسه على مشاهدين أصغر سنا.
لذلك يواجه “السحر العملي 2” تحديين: الأول مدى جودة الحكاية الجديدة، والثاني قدرة عالم ارتبط في ذاكرة جمهوره بالتسعينيات على تقديم سبب فني كاف للعودة.
عائلة أوينز بعد رُبع قرن
تدور أحداث الجزء الجديد بعد 25 عاما من الفيلم الأول، سالي (ساندرا بولوك)، التي حاولت طويلا إبعاد ابنتيها كايلي وأنطونيا عن السحر، تجد نفسها مضطرة إلى مواجهة الإرث الذي ظنت أنها نجحت في دفنه، خصوصا بعدما تكتشف كايلي قدراتها وما أخفته عنها والدتها.
تقوم الأزمة الجديدة على اللعنة التي تلاحق نساء العائلة، وتجعل الحب مرتبطا بالخسارة، لكن الفيلم ينقل الصراع هذه المرة إلى علاقة الأم بابنتها، مع اجتماع ثلاثة أجيال من النساء بحثا عن طريقة لكسر التعويذة التي حكمت علاقات العائلة وحياتها لعقود.
اقتباس حر لا نقل مباشر
السيناريو الذي كتبه أكيفا غولدسمان وجورجيا بريتشيت وكيلي مارسيل مبني على رواية “كتاب السحر” لأليس هوفمان، وهي الرواية الرابعة والأخيرة في السلسلة.
يأخذ الفيلم منها الخط الأساسي لمواجهة العائلة لعنتها وشخصيات الجيل الجديد، لكنه يعيد ترتيب بعض خطوط الحكاية ويختصر أخرى.
وتبدو الفروق أوضح في شخصية أنطونيا، التي تحصل في الرواية على مساحة أكبر وأكثر تأثيرا، بينما يصب الفيلم تركيزه على سالي وجيلي وكايلي، لذلك يبدو العمل اقتباسا حرا للرواية أكثر منه نقلا مباشرا لها.
تتحرك الحبكة بإيقاع مقبول رغم وصول مدة الفيلم إلى 130 دقيقة، وتمنح القصة مساحة للانتقال من البيت العائلي إلى رحلة في إنجلترا.
لكن بعض التحولات الدرامية لا تحصل على التمهيد الكافي، أبرزها المنعطف المتعلق بشخصية توم لوكلاند رغم أنه الأهم، والذي يبدو أقرب إلى ضرورة فرضتها الحبكة منه إلى نتيجة. كما أن الحوار جاء في كثير من المشاهد سطحيا ومباشرا، وهو ما أضعف بعض اللحظات التي كان يفترض أن تحمل ثقلا دراميا أكبر.
سحر نسائي يعيش على الكيمياء القديمة
إذا كان هناك عنصر لا يحتاج الفيلم إلى اختراعه من جديد، فهو العلاقة بين نساء عائلة أوينز.
تعود بولوك وكيدمان إلى سالي وجيلي بعد سنوات طويلة، لكن الكيمياء بينهما لا تبدو كاستدعاء آلي لشخصيتين قديمتين. هناك ألفة واضحة في الحوار والحركة والنظرات، وإحساس بأن الشقيقتين تملكان تاريخا مشتركا لا يحتاج إلى شرح.
وتظل كيدمان الأكثر انسيابية بين بطلات الفيلم، إذ تقدم جيلي بخفة تجعل الشخصية تبدو امتدادا طبيعيا لحضورها. أما بولوك فأكثر ثقلا، لكن هذا الاختلاف مفهوم دراميا، فسالي لا تواجه خطرا يهدد ابنتها فقط، وإنما تضطر أيضا إلى مواجهة علاقتها بالسحر الذي حاولت الابتعاد عنه.
وتظهر قوة المجموعة في المشاهد التي تجتمع فيها نساء العائلة، إذ تجمعهن لغة خاصة، مزيج من المزاح والخوف والحنان والخلاف، وهو ما كان من أهم عناصر جاذبية الفيلم الأول.
لكن الفيلم لا يمنح الجيل الجديد المساحة نفسها. مايسي ويليامز، التي تؤدي أنطونيا، تحصل على دور محدود مقارنة بما توحي به مكانة الشخصية داخل الحكاية، وهو ما يجعل حضورها أقل من المتوقع.
وهنا لا تبدو المشكلة في أداء ويليامز بقدر ما تبدو في اختيار السيناريو، الذي يُبقي مركز الثقل مع النساء اللواتي عرفهن الجمهور في الفيلم الأول.
جمال الغابة ومحدودية المشاهد الكبرى
تستفيد المخرجة سوزان بير من البيئة الطبيعية المحيطة بعالم أوينز، ويمنح تصوير سايمون دوغان الغابات والمساحات الخضراء والبيت العائلي حضورا بصريا واضحا.
العالم غني بالتفاصيل, وتظل الطبيعة جزءا من هوية الفيلم، لكن هذا لا ينفي التناقض بين الثراء البصري وحجم اللحظات الإخراجية الكبرى.
فمع مدة تصل إلى ساعتين وعشر دقائق، كان من الممكن أن يحتوي الفيلم على عدد أكبر من المشاهد التي تمنح السحر حضورا سينمائيا استثنائيا.
بدلا من ذلك، تقوم المتعة الأساسية على الشخصيات والديكور والجو العام، بينما تبدو المواجهات الكبرى أقل تأثيرا مما توحي به الرحلة. وهو ما يجعل الفيلم أقرب إلى عالم سحري جميل يسكنه أشخاص مألوفون، منه إلى مغامرة فانتازية تستغل كل إمكاناتها البصرية.
بين الجمهور والنقاد.. لماذا اتسعت الفجوة؟
ولعل أكثر ما يلفت في استقبال العمل هو الفجوة الكبيرة بين النقاد والجمهور، إذ حصل الفيلم على تقييم 36% من النقاد على “روتن توميتوز” (Rotten Tomatoes)، مقابل 91% من الجمهور. وتبدو المفارقة أوضح عند مقارنته بالفيلم الأول، الذي حصل على 31% من النقاد، قبل أن تتغير مكانته تدريجيا مع مرور السنوات ويصبح فيلما ذا قاعدة جماهيرية وفية.
هذا الفارق لا يعني ببساطة أن أحد الطرفين على صواب والآخر مخطئ، لكنه يكشف اختلافا في طريقة مشاهدة الفيلم.
فالناقد ينظر عادة إلى البناء والإيقاع وتطور الشخصيات، بينما يدخل الجمهور إلى العمل محملا بذاكرة الشخصيات والبيت والعلاقة بين بولوك وكيدمان. والفيلم يعرف ما الذي جاء الجمهور لاستعادته، ويمنحه إياه بوضوح.
وقد وصل إجمالي إيرادات الفيلم عالميا إلى نحو 79 مليون دولار حتى الآن، مقابل ميزانية إنتاج تبلغ 75 مليون دولار، وهي أرقام تجعل حسابات الجزء الثاني أكثر تعقيدا من مجرد مقارنة الإيرادات بالميزانية. فهذا ليس امتدادا لفيلم حقق نجاحا ضخما عند عرضه، بل لفيلم ازدادت قيمته الجماهيرية مع الزمن.
اللعنة كاستعارة للمرأة التي ترث خوفها
كانت لعنة عائلة أوينز في الفيلم الأول أكثر من مجرد أداة للحبكة، إذ قامت على فكرة أن المرأة التي تقع في الحب ستدفع ثمنا قاسيا، وبالتالي يصبح الابتعاد عن الحب وسيلة لحماية الذات.
بعد 25 عاما داخل الحكاية، كان يمكن للفيلم أن يعيد النظر في هذه الفكرة من زاوية مختلفة. ماذا ترث الابنة من خوف أمها؟ ومتى تتحول الحماية إلى قيد؟ وهل يمكن للجيل الجديد أن يرث السحر من دون أن يرث معه الخوف نفسه؟
“السحر العملي 2” يلمس هذه الأسئلة، لكنه لا يذهب بها بعيدا، وهو ما يحد من قدرته على تقديم قراءة جديدة تماما لما كان يعنيه السحر في الفيلم الأول.
لهذا تظل أفضل لحظات العمل مرتبطة بما كان موجودا منذ البداية: سالي وجيلي وعائلة أوينز، وإحساس أن هذه الشخصيات عادت من مكان بعيد لتجلس معا مرة أخرى.
