حكمت ثلاثية «جيش، شعب، مقاومة» القرار السياسي اللبناني الرسمي لسنوات طويلة، حيث كان على البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة أن تتضمن هذه المعادلة، وإلا لا تُشكل حكومة ولا يحكم رئيس حكومة أو يصل زعيم سنّي إلى السراي الكبير. رغم أن إسرائيل، خرجت إسرائيل من لبنان نهائياً، بعد اجتياحي 1978 و1982، وشريطٍ حدودي وجيشٍ أنشأته فيه لحماية مستوطنات الشمال، فإن سلاح «حزب الله» بقي تحت ذريعة أن احتلالاً ما زال موجوداً في مزارع شبعا، وهي التي كانت مشمولة بقرار 242 المتعلق بحرب الـ1967 واحتلال الجولان وليس بالقرار 425 المتعلق باحتلال جنوب لبنان.
كان الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 نتيجة عوامل عدة، من بينها: الكلفة الباهظة على قوات الاحتلال بفعل عمليات المقاومة التي بدأت وطنيةً وانتهت إسلاميةً بيد «حزب الله»؛ والانقسام داخل إسرائيل حول استمرار جيشها في الجنوب اللبناني، والذي تحوّل برنامجاً انتخابياً، إذ وعد زعيم حزب العمل إيهود باراك في حملته الانتخابية لرئاسة الحكومة عام 1999 بسحب الجيش في حال فوزه، وهو ما حصل عام ألفين بشكل أحادي ومفاجئ، وأفضى لاحقاً إلى سيطرة كاملة لـ«حزب الله» على الجنوب ووصول «الحرس الثوري الإيراني» إلى الحدود مع إسرائيل. جاءت المحصلة: حرب تموز 2006، فجّرها أسر «حزب الله» لجنديين إسرائيليين عند الحدود في عملية أطلق عليها اسم «الوعد الصادق»؛ حرب إسناد غزة 2023؛ حرب الثأر لخامنئي 2026. وتذهب الأنظار اليوم إلى القادم من الأيام أو الأسابيع أو الأشهر وما ستحَمله من حرب منتظرة، سواء على ساعة «الحرس الثوري» الذي يمسك بزمام القرار في طهران ويُشكّل «حزب الله» أحد أذرعه، أو على ساعة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي تنتظره انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول/أكتوبر.
أدت حرب 2006 إلى توغّل إسرائيلي في الجنوب. صدر القرار الدولي 1701، وفحواه انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى الحدود الدولية؛ إقامة منطقة جنوب نهر الليطاني خالية من السلاح غير الشرعي، ينتشر فيها الجيش اللبناني مدعوماً بقوات دولية معززة بـ15 ألف جندي أممي؛ ضبط الحدود ومنع دخول وتهريب السلاح. انسحبت إسرائيل، وجاءت قوات أممية إضافية وانتشر الجيش اللبناني، لكن «حزب الله» لم ينسحب من جنوب الليطاني، بل عزّز مواقعه وسلاحه ومخازنه وحضوره تحت الأرض. جرى كل ذلك تحت أعين الجيش اللبناني و«اليونيفيل»، وكذلك تحت رصد إسرائيلي- أمريكي. بقي الجنوب ساحة صراع مفتوحة وصندوق بريد.
بعد «حرب الإسناد»، جاء اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، والذي كان «حزب الله» يفاوض عليه بواجهة الحليف الأخر في «الثنائي الشيعي»، نبيه بري، الذي يُشكّل أحد أركان الدولة من موقعه رئيساً لمجلس النواب. كان على «اتفاق 27 نوفمبر» أن يعيد تطبيق القرار 1701، وفي مقدمها انسحاب إسرائيلي حتى الحدود الدولية، وانسحاب «حزب الله» إلى ما وراء الليطاني، ونزع السلاح بدءاً من جنوب الليطاني. انسحبت إسرائيل لكنها أبقت على خمس تلال مشرفة بذريعة حماية أمنها في ظل عدم ثقتها بخلو منطقة جنوبي النهر من مقاتلي الحزب وصواريخه. انتشر الجيش، لكن الحزب استمر بحضوره تحت الأرض. وعاد في 2 آذار 2026 إلى استهداف إسرائيل بصواريخ ستة، ثأراً للخامنئي أدت إلى اشتعال الحرب من جديد، وتوسّعٍ إسرائيلي رافقه التدمير الممنهج للقرى والبلدات التي وصلت إلى 70 بلدة وقرية وتجاوزت جنوب الليطاني إلى شماله.
في الهزيمة الجديدة لـ«حزب الله»، واختلال موازين القوى، وخسارة الجغرافيا، التي كانت تعمل لمصلحة «المحور الإيراني»، انتقل لبنان الرسمي إلى خطوة متقدمة بالموافقة على محادثات مباشرة لبنانية- إسرائيلية بدأت بـ«اتفاق الإطار» الذي كان واضحاً في هدف نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الشرعية وانسحاب تدريجي إسرائيلي بالتوازي مع تقدم الجيش اللبناني. غير أن المسألة الأهم أن الاتفاق، الذي جرى برعاية أمريكية، تضمن الاعتراف المتبادل بحق كل دولة في العيش بسلام، وإنهاء حالة الحرب والتوصل إلى سلام شامل.
لا أحد يتوهّم بسهولة المهمة التي تعهدت بها السلطة اللبنانية، والتي عليها أن تفكك ألغاماً كثيرة على طريقها، سياسياً على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي، وعسكرياً على مستوى تنفيذ قرار حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني وتفكيك البنية التحتية لحزب الله وتنظيمات مسلحة من لبنانية وفلسطينية تدور في فلك الحزب. في واقع الحال، لا تتعلق المسألة بجنوب النهر أو بمنطقة الجنوب عموماً، بل إنها ترتبط بما هو موجود من مخازن أسلحة وصواريخ في عمق الأرض داخل شبكات أنفاق للحزب على مساحة الوطن. ولا يتناول الحديث هنا ما هو منتشر في البقاع فقط، بل ما هو متمدد إلى جبل لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت والعاصمة أيضاً، وربما الشمال، وإنْ كان بمجمله ليس بيئة صديقة للحزب.
لم يعد «حزب الله» قادراً على فرض معادلة «الثلاثية الذهبية». لا وجود لها في خطابات القسم ولا في البيانات الرئاسية. وعلى فرض صحة اتهام «حزب الله» لرئيس الجمهورية بأنه أخل ّبما توافق عليه مع «الثنائي الشيعي» في الاجتماع الذي حصل بين دورتي الانتخاب، الأولى التي لم يحصل على الأصوات المطلوبة لفوزه، والثانية التي فاز فيها، فإن «حزب الله» ما عاد يملك الحلفاء والقدرة على قلب الطاولة، كما كان يفعل سابقاً. ما زال ماثلاً في الأذهان، كيف أن رئيس حكومة لبنان سعد الحريري دخل «البيت الأبيض» في 12 كانون الثاني/ يناير 2011 رئيساً، وأضحى رئيس حكومة تصريف أعمال خلال اجتماعه بالرئيس الأمريكي حينذاك باراك أوباما، نتيجة استقالة حزب الله وحلفائه من الحكومة الذين كان بحوزتهم الثلث زائد واحد، أو ما عرف أنداك بالثلث المعطل.
اليوم، ومن على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، يطلق رئيس الحكومة نواف سلام ثلاثية جديدة: «ثقةٌ تُبنى، وقرارٌ يُستعاد، وأرضٌ تُحرَّر. تلك هي معادلة النهوض بلبنان. وهي ليست ثلاثية تحديات منفصلة، بل ثلاثة أوجه لقضية واحدة: استعادة دولةً يثق بها مواطنوها، وتملك قرارها، وتمارس سيادتها على كامل أراضيها.»
سيكون العبء على لبنان كبيراً، وعلى الجنوبيين أكبر. حتى الساعة، من غير الواضح إذا كان الجيش اللبناني سيتمكن من ملء الفراغ الذي سيخلقه انتهاء مهمة «اليونيفيل» في الجنوب مع نهاية السنة الحالية، ومنْ هي القوة التي ستراقب حسن التنفيذ على الجانبين الإسرائيلي واللبناني، وما هو المستقبل الذي سيكون عليه حال الجنوب والجنوبيين، ومعهما حال لبنان المفتوح على كل الاحتمالات، ولاسيما احتمال الفوضى في ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي الضاغط، واحتمال دخول عوامل مزعزعة للاستقرار الداخلي الهش.
دار الزمن دورته: موازين قوى تتبدل؛ استراتيجيات تنقلب، ميليشيات تنهار؛ إعادة الاعتبار للجيوش النظامية؛ أحلاف جديدة تُصاغ. نفوذ ينحسر وأخر يتمدد. باختصار، تتشكل المنطقة من جديد، لا بل يتشكل العالم برمته. انتهى القديم ولا زلنا في خضم ولادة ما هو جديد لمئة سنة مقبلة، لم ترتسم معالمه كلياً بعد.